هناك لوحات تنظر إليها فتقول: ما أجملها، وهناك لوحات تنظر إليها فتقول: يا إلهي… هذا اللوحة تحدثنا !
من أشهر هذه اللوحات «نرجس» للفنان الإيطالي ميكيلانجلو ميريزي، المعروف بـ«كارافاجيو»، وقد رسمها تقريبًا بين عامي 1597 و1599، في واحدة من أكثر مراحل حياته الفنية غموضًا وتأملًا. اللوحة زيت على قماش، وحجمها نحو 110 × 92 سم، وهي محفوظة اليوم في غاليريا ناتسيونالي ديل آرتي أنتيكا داخل قصر باربيريني في روما.
والطريف أن نسبتها إلى كارافاجيو نفسها لم تكن دائمًا محسومة؛ فقد نسبها مؤرخ الفن روبرتو لونغي إليه عام 1916، وظلت بعدها موضع نقاش بين الباحثين لكن أعمال الترميم والفحوص اللاحقة قدمت أدلة قوية دعمت نسبتها إلى كارافاجيو.
أما اللوحة نفسها، فهي درس كامل في الاقتصاد الفني: لا زحام، لا شخصيات كثيرة، لا ديكور يسرق العين. شاب واحد، ماء، وظل كثيف، ووجه مفتون بوجهه.
نرى نرجس منحنياً فوق الماء، ويده تكاد تلامس السطح، بينما يواجه انعكاسه انعكاسًا شبه مطابق له. حتى إن كارافاجيو جعل الركبة المضيئة نقطة ارتكاز بصرية تدور حولها الصورة، وكأن اللوحة تقول لنا: الرجل لا يرى العالم… الرجل يرى نفسه، ثم نفسه مرة أخرى.
وهنا تبدأ الحكاية.
تقول الأسطورة اليونانية إن نرجس كان شابًا بالغ الجمال، لكنه كان يرى الآخرين أقل من أن يستحقوا قلبه. أحبه كثيرون، ومن بينهم الحورية «إيكو»، لكنه صدّها. فجاءته العقوبة بطريقة تناسب الجريمة تمامًا: وقع في حب صورته.
جلس أمام الماء مأخوذًا بذلك الوجه الذي لا يستطيع الوصول إليه. كلما حاول الاقتراب، ابتعدت الصورة. وكلما حاول لمسها، تكسرت على سطح الماء.
وهكذا مات نرجس وهو يحدق في نفسه، وتحول ـ بحسب الأسطورة ـ إلى زهرة حملت اسمه.
لو كان نرجس يعيش الآن، فلن يحتاج إلى بركة ماء.
سيحتاج فقط إلى هاتف مشحون، وإنترنت سريع، وشخص يكتب له تحت الصورة: «أنت مختلف عن الجميع».
لكن النرجسي الحديث ليس بالضرورة ذلك الشخص الذي يعلن كل خمس دقائق أنه أعظم إنسان في الكون. أحيانًا يكون أكثر نعومة من ذلك. لطيفًا، ساحرًا، واثقًا، وربما كريمًا جدًا في البداية.
ثم تكتشف أن الكرم كان عرضًا تجريبيًا، وأن المطلوب منك بعد ذلك هو التصفيق.
النرجسي يحتاج إلى الإعجاب، والانتباه، والشعور بأنه مهم ومسيطر. وإذا لم يحصل عليها، قد يصنع شيئًا آخر يجعلك تمنحه إياها: استفزاز، تقليل من شأنك، لعب دور الضحية، قلب الحقائق، أو خلق مشكلة ثم الوقوف بعيدًا يتفرج عليك وأنت تحاول حلها.
والأخطر أنه غالبًا يعرف كيف يصطاد الشخصية المتوازنة.
الشخص النقي الذي يقول: «ربما لديه جرح قديم».
الشخص الرحيم الذي يمنح فرصة ثانية… ثم ثالثة… ثم يكتشف أنه فتح فرعًا كاملًا للفرص.
فالنرجسي قد يأتي من تربية جعلت الطفل يعتقد أنه استثنائي فوق الجميع، أو من حرمان عاطفي جعله يكبر وهو يبحث عن التصفيق الذي لم يجده في داخله. وفي الحالتين، يصبح الآخرون مرايا يحتاج إليها كي يشعر بقيمته.
لذلك ستجده في البيت، وفي العمل، وفي العلاقات.
أبًا لا يحتمل أن ينجح ابنه أكثر منه. شريكًا يحول كل خلاف إلى محكمة. مديرًا ينسب نجاح الفريق إلى عبقريته الشخصية. أو زميلًا يبتسم أمامك، ثم يكتب في تقريره أنه أنجز العمل وحده.
لكن هناك علامة أخطر من كل ذلك:
أنك بعد التعامل معه تبدأ في الشك بنفسك.
تخرج من الحوار وتقول: «هل أنا فعلًا المخطئ؟ هل بالغت؟ هل كان يجب أن أشرح أكثر؟»
وهنا تكون قد دخلت إلى اللوحة.
لقد أصبحت أنت الماء، وهو واقف فوقك يتأمل صورته.
ولهذا، فإن أذكى طريقة للتعامل مع النرجسي ليست أن تحاول كسر صورته، ولا أن تدخل معه في مباراة لإثبات من الأقوى. لا تمنحه الغضب الذي يبحث عنه، ولا الشرح الطويل، ولا التبرير المتكرر.
ضع حدودك.
قل «لا» عندما تعني «لا».
اختصر.
اهدأ.
ثم امضِ.
وقد فهمت امرأة هذا الدرس متأخرة، لكن في الوقت المناسب. كان زميلها يستفزها، وكلما غضبت شعر أنه انتصر. وفي يوم قررت أن تغير القاعدة.
استفزها، فقالت: «هذا رأيك».
قلل منها، فلم تشرح نفسها.
حاول جرها إلى نقاش طويل، فابتسمت وقالت: «ليس لدي ما أضيفه».
ثم عادت إلى عملها.
في البداية لم يفهم.
ثم حاول مرة أخرى.
ثم مرة ثالثة.
لكن المسرح كان خاليًا.
لا غضب. لا تبرير. لا جمهور.
وأدركت المرأة شيئًا بسيطًا: لم تكن بحاجة إلى هزيمته.
كانت بحاجة فقط إلى ألا تخسر نفسها وهي تحاول إثبات قيمتها له.
وهكذا انتهت الحكاية نهاية سعيدة.
نرجس بقي أمام الماء يبحث عن انعكاسه.
أما هي، فمشت بعيدًا.
ومن حسن حظها أنها لم تكن زهرة.
كانت إنسانة تعرف أخيرًا أن أجمل شيء يمكن أن تفعله أمام النرجسي…
أن تتركه بلا مرآة.
