الرئيسية / أخبار / رثاء يايُوي كوساما: المرأة التي رسمت ما لا نراه..بقلم د. منى الروبي

رثاء يايُوي كوساما: المرأة التي رسمت ما لا نراه..بقلم د. منى الروبي

اليوم أرثي واحدة من الفنانات اللواتي لم يعبرن حياتي كصورة جميلة في كتاب، بل دخلنها واستقررن في مكان ما بين الخيال و اللوحة . يايُوي كوساما كانت واحدة منهن. كنت في الثالثة عشرة من عمري حين عثرت علي، ووقتها لم تكن النقاط قد أصبحت إمبراطورية، ولا غرف المرايا طوابير سياحية، ولا القرع الأصفر نجماً عالمياً. كانت بالنسبة إليّ امرأة يابانية غريبة تلون بطريقة لا تشبه ما أحب.

ولدت كوساما في 22 مارس 1929 في ماتسوموتو اليابانية، لعائلة تعمل في تجارة البذور والمشاتل. كان بيتها العائلي معقداً؛ والدها كان كثير العلاقات، ووالدتها لم تكن سعيدة باهتمام ابنتها بالرسم، حتى إنها كانت تحاول إبعادها عنه. لكن الفتاة وجدت في الرسم ملجأً لا تستطيع الأسرة مصادرته.

ومنذ طفولتها بدأت ترى نقاطاً وشبكات تتكاثر أمام عينيها وتغطي الأشياء والجدران وحتى جسدها. لم تكن النقطة عند كوساما زينة، كانت شيئاً يلاحقها. فبدلاً من أن تهرب منه، رسمته. وهذه ربما أول حيلة عبقرية في حياتها: حين يعاندك العالم، حوّله إلى لوحة.(إسأل مجرب )

في التاسعة عشرة ذهبت فنانتنا إلى كيوتو لدراسة الرسم الياباني التقليدي، لكنها لم تحتمل طويلاً سلطة القواعد التقليدية الواقعية . ( افهمها تماما ) كانت تعرف أنها تريد طريقاً آخر حرية . وفي 1957، وهي في الثامنة والعشرين، غادرت اليابان إلى نيويورك بعد أن راسلت جورجيا أوكيفي، طالبة نصيحتها. وصلت إلى مدينة لا توزع الشهرة على الوافدين مع تذاكر الترحيب، وبخاصة النساء الآسيويات.

هناك بدأت «Infinity Nets»، شبكات لا تنتهي من النقاط والضربات الصغيرة. كانت تعمل لساعات طويلة، حتى يصبح التكرار نفسه نوعاً من الاستسلام الجميل للفكرة. التقت بأسماء مثل آندي وارهول ودونالد جَد وجوزيف كورنيل، ودخلت المشهد الطليعي في نيويورك، لكنها لم تحصل دائماً على الاعتراف الذي تستحقه. بعض أفكارها ظهرت لاحقاً في أعمال فنانين آخرين، بينما بقي اسمها في الظل. الفن، أحياناً، يحتاج إلى عقود حتى يعترف بمن كان أمام عينيه.

وفي 1966 قدمت «Narcissus Garden»، مئات الكرات المعدنية العاكسة التي جعلت المشاهد جزءاً من العمل. ثم جاءت أعمالها الأدائية الجريئة، ومن بينها «Anatomic Explosion» عام 1968، حيث التقت الأجساد العارية بالنقاط والسياسة والاحتجاج على الحرب. كانت كوساما ببساطة ترفض أن يبقى الفن جالساً بأدب داخل إطار.

لكن نيويورك لم تكن دائماً رحيمة بها. عادت إلى اليابان عام 1973 وهي منهكة جسدياً ونفسياً. وبعد سنوات من معاناتها من الهلوسات ونوبات الهلع، اختارت عام 1977 الإقامة في مستشفى للأمراض النفسية في طوكيو. لم يكن ذلك نهاية حياتها الفنية؛ كان لها استوديو قريب، وواصلت الرسم والكتابة، بل نشرت في 1978 روايتها «Manhattan Suicide Addict». أحياناً لا يكون الانسحاب من العالم هزيمة؛ قد يكون الطريقة الوحيدة لمواصلة العمل.

ثم حدث ما يجيده الزمن: عاد ليعتذر، ولكن متأخراً.

في 1993 مثلت اليابان في بينالي البندقية، وقدمت «Mirror Room—Pumpkin». بعدها اتسعت شهرتها، وظهرت غرف المرايا والقرع المنقط والسلاسل التي جعلت المتلقي يدخل داخل العمل بدلاً من الوقوف أمامه متظاهراً بالفهم.

في 2016 حصلت على وسام الثقافة من اليابان، واستمرت في الإنتاج حتى سنواتها الأخيرة، ومنها سلسلة «My Eternal Soul» التي بدأت عام 2009، ثم «EVERY DAY I PRAY FOR LOVE» عام 2021.

أما أنا، فما بقي منها في ذاكرتي ليس الأرقام ولا الأسعار ولا شهرتها المتأخرة.

بقيت تلك الفتاة التي كنتها وأنا في الثالثة عشرة، حين وجدت في خطوطها ونقاطها شيئاً يشبهني. وفي فني أحب الخط الاسود الغليظ الذي لا يحدد الشكل فقط، بل يمنحه شخصية ومزاجاً وتمرداً. ربما لم تعلمني كوساما كيف أرسم، لكنها علمتني درساً أهم: أن العلامة التي تكررها بإيمان قد تتحول يوماً إلى لغة لا يستطيع أحد تقليدها.

رحلت كوساما في 14 أغسطس 2026، عن سبعة وتسعين عاماً، تاركة وراءها عالماً ممتلئاً بالنقاط والمرايا والقرع والجنون الجميل.

وأنا اليوم لا أرثي امرأة رسمت النقاط.

أرثي امرأة جعلت من الشيء الذي كان يؤلمها لغة يتعلمها العالم.

وهذا، في رأيي، أحد أرقى انتصارات الفنان.

أن تأخذ ما كان يطاردك، وتجعله هو الشيء الذي يطارد العالم بعدك.