الرئيسية / أخبار / الاتحاد الأفريقي يدفع بملف المقاعد الدائمة في مجلس الأمن: قارة تُطعم العالم ولا تجلس على طاولة قراره

الاتحاد الأفريقي يدفع بملف المقاعد الدائمة في مجلس الأمن: قارة تُطعم العالم ولا تجلس على طاولة قراره

تقرير البحرين/خالد ابواحمد/ جدّد الاتحاد الأفريقي التأكيد على تمسكه بمطلب حصول القارة على تمثيل دائم في مجلس الأمن الدولي، إذ أكد رئيس أمانة هيكل الحوكمة الأفريقي وهيكل السلم والأمن الأفريقي في مفوضية الاتحاد، السفير صلاح س. حماد  “أن المفوضية تعمل على دفع المطالبة الأفريقية بالحصول على مقاعد دائمة داخل المجلس، في إطار جهود تعزيز حضور القارة في المؤسسة الدولية المعنية بقضايا السلم والأمن”.

وقال حماد، في مقابلة حصرية مع وكالة الأنباء الإثيوبية (اينا) من أديس أبابا يوم الجمعة 28 من أغسطس الجاري “إن أفريقيا ظلت لفترة طويلة “مهمشة” و”متجاهلة”، واصفاً غياب التمثيل الأفريقي الدائم في مجلس الأمن بأنه “ظلم عانت منه شعوب القارة زمناً طويلاً”، وأوضح “أن الاتحاد الأفريقي أنشأ لجنة العشرة (C-10) لرؤساء الدول والحكومات بهدف رئيسي يتمثل في الدفع بمطلب القارة للحصول على مقعدين دائمين في المجلس”.

ويأتي هذا التحرك مسنوداً بحقيقة اقتصادية باتت أكثر حضوراً في الخطاب الأفريقي: القارة التي تُستبعد من صناعة القرار الدولي هي ذاتها القارة التي يتوقف عليها مستقبل الأمن الغذائي العالمي، فهي تحتضن ما يقارب ستين في المئة من الأراضي الصالحة للزراعة غير المستغلة في العالم، وتملك من الموارد المائية والمناخية ما يؤهلها لتكون خزان الغذاء في قرن تتصاعد فيه أزمات الجوع وضغوط تغير المناخ.

خلل في التمثيل عمره ثمانون عاماً

تقوم المطالبة الأفريقية على فجوة صارخة في هيكل المجلس، فالقارة تضم أربعاً وخمسين دولة تشكل ما يقارب ربع أعضاء الأمم المتحدة، ويقترب عدد سكانها من مليار وأربعمائة مليون نسمة، ومع ذلك لا تملك مقعداً واحداً في فئة العضوية الدائمة، بينما تحتفظ أوروبا وحدها بمقعدين لبريطانيا وفرنسا، وقد صيغ هذا التوزيع عام 1945، في وقت كان فيه معظم الدول الأفريقية لا يزال تحت الحكم الاستعماري، فلم تشارك في كتابة الميثاق ولا في تحديد من يجلس على رأس الطاولة.

وتتقاطع تصريحات المسؤول الأفريقي مع موقف الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش الذي وصف غياب المقاعد الأفريقية الدائمة بأنه أمر لا يمكن الدفاع عنه، مؤكداً في كلمته أمام القمة التاسعة والثلاثين للاتحاد الأفريقي “أن أفريقيا يجب أن تكون حاضرة على الطاولة كلما طُرحت قرارات تخصها وتخص العالم”، وعاد ليكرر الموقف في نيروبي في مايو الماضي معتبراً حرمان القارة من التمثيل الدائم “ظلماً تاريخياً”، وداعياً إلى إصلاح يعكس واقع العالم كما هو اليوم لا كما كان قبل ثمانين عاماً.

الغذاء ملف أمني لا ملف تنموي

الرابط بين المقعد والغذاء ليس رابطاً بلاغياً، فمجلس الأمن أدرج انعدام الأمن الغذائي والمجاعة ضمن الملفات التي تهدد السلم والأمن الدوليين، وأصبحت المجاعة الناتجة عن النزاعات مادة لقراراته وإحاطاته الدورية، ومعظم هذه القرارات تتعلق بدول أفريقية، من السودان إلى الصومال إلى منطقة الساحل، ما يعني أن القارة موضوع القرار الغذائي الأممي دون أن تكون شريكاً دائماً في صياغته أو في تحديد أولوياته وأدواته.

وتتضاعف المفارقة عند النظر إلى المعطيات الزراعية للقارة، إذ يملك في السودان وحده مساحات قادرة نظرياً على إطعام إقليم بأكمله، ومع ذلك تستورد أفريقيا غذاءها بعشرات المليارات من الدولارات سنوياً، ويعيش قطاع واسع من سكانها تحت خط الأمن الغذائي. والفجوة هنا ليست في الموارد، بل في البنية التحتية والتمويل والاستقرار السياسي، وهي ثلاثة عوامل تتقرر مساراتها في جانب كبير منها داخل المؤسسات الدولية التي لا تملك القارة فيها صوتاً دائماً.

الاقتصاد ورقة تفاوض

يستند الموقف الأفريقي كذلك إلى وزن اقتصادي متنامٍ، فالقارة تحتضن نحو ثلث الاحتياطيات المعدنية العالمية، ويأتي أكثر من سبعين في المئة من إنتاج الكوبالت العالمي من جمهورية الكونغو الديمقراطية وحدها، بينما تتركز معادن مجموعة البلاتين في جنوب أفريقيا، وهي مواد تدخل في صميم التحول الطاقي وصناعة السيارات الكهربائية. وقد تحولت هذه الثروة إلى ساحة تنافس مباشر بين القوى الكبرى، إذ أطلقت واشنطن في يوليو الماضي برنامج الاستثمار الاستراتيجي الأمريكي الأفريقي لدعم القطاع الخاص في مجال المعادن الحرجة، سعياً للحاق بحضور صيني سبقها إلى المناجم وإلى حلقة المعالجة والتكرير.

وعلى مستوى الأداء، تتوقع (وكالة ستاندرد آند بورز) أن يبلغ متوسط النمو الحقيقي للناتج المحلي الأفريقي نحو 4.5 في المئة خلال العام الجاري، مع ارتفاع التصنيفات الائتمانية إلى أعلى مستوياتها منذ 2020، مدعوماً بتراجع التضخم وانخفاض تكاليف التمويل واستمرار برامج الإصلاح المالي، وقد شمل تحسن النمو ستاً وثلاثين دولة من أصل أربع وخمسين، مدفوعاً بتحسن إنتاجية القطاع الزراعي وانضباط سياسات الاقتصاد الكلي. ويضاف إلى ذلك مشروع منطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية، أكبر منطقة تجارة حرة في العالم من حيث عدد الدول، والتي تربط 1.3 مليار نسمة بمخرجات اقتصادية تقارب 2.2 تريليون دولار، ويُقدَّر أن تطبيقها الكامل سيرفع التجارة البينية الأفريقية بنحو الثلث، بما يشمل تجارة الغذاء والمنتجات الزراعية بين دول القارة.

إزولويني والعقدة المؤجلة

يرتكز الموقف الأفريقي الرسمي، الذي تقوده لجنة العشرة التي أشار إليها السفير حماد، على مرجعية واحدة هي “توافق إزولويني” و”إعلان سرت”، وهما وثيقتان تطالبان بمقعدين دائمين بكامل الامتيازات بما فيها حق النقض، وخمسة مقاعد غير دائمة، على أن يكون الاتحاد الأفريقي هو الجهة التي تختار شاغلي المقاعد، وقد جدّد القادة الأفارقة تمسكهم بهذه المرجعية في قمة نيروبي هذا العام، فيما تتولى سيراليون رئاسة اللجنة في مسار المفاوضات الحكومية الدولية الذي يترأسه هذا العام مندوبا الكويت وهولندا لدى الأمم المتحدة، وقد استضافت القاهرة في يونيو الماضي جلسة مشاورات مشتركة مع الرئيسين المشاركين ضمن جهد لتصحيح غياب التمثيل الأفريقي في فئة المقاعد الدائمة.

غير أن الطريق يصطدم بعقدة حق النقض، فالعرض الأمريكي الذي طُرح عام 2024 بدعم استحداث مقعدين دائمين لأفريقيا جاء خالياً من الفيتو، وقرأته القارة على أنه تكريس لعضوية دائمة من الدرجة الثانية أكثر منه إصلاحاً حقيقياً. ويتقاطع ذلك مع انقسام دولي أوسع، إذ تطالب مجموعة الأربع بمقاعد دائمة جديدة، بينما ترفض مجموعة الاتحاد من أجل التوافق أي توسيع في العضوية الدائمة وتكتفي بزيادة المقاعد غير الدائمة، ويظل التعقيد الداخلي قائماً أيضاً في تحديد الدولتين المرشحتين، وسط تنافس بين عدد من دولة القارة، فيما يحتاج أي تعديل نهائي إلى موافقة ثلثي الجمعية العامة وتصديق الأعضاء الخمسة الدائمين جميعاً.

وقد منحت استضافة جنوب أفريقيا لقمة مجموعة العشرين في جوهانسبرغ في نوفمبر الماضي، وهي أول قمة للمجموعة على أرض أفريقية، زخماً إضافياً للمطلب، إذ أتاحت للقارة وصولاً مباشراً إلى مراكز صنع القرار في تكتل يمثل 85 في المئة من الناتج الاقتصادي العالمي و75 في المئة من التجارة الدولية. وتقول أفريقيا اليوم إنها لا تطالب بامتياز، بل بأن يُعاد النظر في معادلة تجعل من يملك الأرض والمعدن والماء والسكان خارج الغرفة التي تُرسم فيها قواعد إدارة هذه الموارد.