تقرير البحرين/المنامة/ حققت مملكة البحرين إنجازًا جديدًا في مسيرة تطوير قطاع الاتصالات، بإحرازها المركز السادس عالميًا من بين 159 دولة في مؤشر تنمية تقنية المعلومات والاتصالات لعام 2026، الصادر عن الاتحاد الدولي للاتصالات «ITU»، متقدمةً ثلاثة مراكز مقارنة بنتائج العام الماضي، في حين ارتفعت نتيجتها الإجمالية إلى 98%..
وأكد الدكتور الشيخ عبدالله بن أحمد آل خليفة وزير المواصلات والاتصالات، أن ما حققته مملكة البحرين من نتائج متقدمة في المؤشر يأتي في ظل الرؤى الحكيمة لحضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة ملك البلاد المعظم، وتوجهات الحكومة برئاسة صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن حمد آل خليفة ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، لترسيخ مكانة المملكة ضمن الدول الرائدة عالميًا في قطاع الاتصالات وتقنية المعلومات.
وأشار الشيخ عبدالله بن أحمد إلى أن هذا الإنجاز يجسد نجاح السياسات الوطنية المستمرة في تطوير البنية التحتية الرقمية، وتعزيز جودة خدمات الاتصالات، بالشراكة مع مختلف الجهات المعنية وبجهود كفاءات وطنية متميزة، بما مكّن المملكة من تقديم خدمات اتصالات وإنترنت عالية الجودة، ورفع مستويات الاشتراكات في خدمات الإنترنت الثابت والمتنقل، وتعزيز شمولية التغطية وجودة النفاذ إلى الخدمات الرقمية.
وبيّن أن هذه النتائج حافز لمواصلة تعزيز مكانة المملكة مركزًا إقليميًا رائدًا في قطاع الاتصالات وتقنية المعلومات، والمحافظة على موقعها ضمن أفضل الدول عالميًا في مؤشرات هذا القطاع الحيوي، مضيفًا أن هذا الإنجاز يعكس ثمرة التعاون والتنسيق المستمر مع الجهات ذات العلاقة، وفي مقدمتها هيئة تنظيم الاتصالات، وشركات الاتصالات، وشركة بي نت (BNET)، بما أسهم في تطوير البنية التحتية الرقمية، ورفع جودة الخدمات، وتعزيز تنافسية مملكة البحرين على المستويين الإقليمي والعالمي.
من جانبه، أوضح الشيخ أحمد بن عيسى بن دعيج آل خليفة، الوكيل المساعد للاتصالات بوزارة المواصلات والاتصالات، أن مملكة البحرين سجلت 99.1 نقطة في ركيزة الاتصال الشامل «Universal Connectivity»، و97 نقطة في ركيزة الاتصال الهادف «Meaningful Connectivity»، كما حققت الدرجة الكاملة، بواقع 100 نقطة، في أربعة مؤشرات رئيسة، شملت: نسبة مستخدمي الإنترنت، ونسبة الأسر المتصلة بالإنترنت، وتغطية شبكات النطاق العريض المتنقل، ونسبة امتلاك الهواتف المتنقلة. كما سجلت نتائج مرتفعة في مؤشري انتشار اشتراكات النطاق العريض المتنقل وحركة بيانات النطاق العريض المتنقل.
البعد الاقتصادي
إن تصدر البحرين هذا المؤشر يمثل رقمًا احتفاليًا مهما لا يمكن تجاوزه في عالم يموج بالتنافس في مجالات المجالات الاقتصادية والتنموية، وهذا الانجاز يعد مؤشرا على تحول بنيوي في اقتصاد المملكة الصغيرة المساحة والمحدودة الموارد الطبيعية، والتي راهنت منذ سنوات على الاقتصاد الرقمي كأحد روافد التنويع الاقتصادي البديلة عن النفط، فحين تحقق دولة الدرجة الكاملة في مؤشرات مثل تغطية النطاق العريض المتنقل ونسبة امتلاك الهواتف، فهذا يعني أن البنية التحتية الرقمية باتت شبه مكتملة التغطية، وهو أساس ضروري لجذب الاستثمار في قطاعات مرتبطة كالتكنولوجيا المالية، والتجارة الإلكترونية، والخدمات السحابية.
كما أن حضور شركات مثل (بي نت) البنية التحتية المشتركة للألياف الضوئية وBeyon في صياغة هذا الإنجاز يعكس نموذجًا يجمع بين تنظيم حكومي (هيئة تنظيم الاتصالات) وتنفيذ شبه حكومي، وهو نموذج البحرين المعتاد في القطاعات الاستراتيجية- دولة تضع الإطار التنظيمي، وشركات كبرى مرتبطة بالدولة تنفذ وتستثمر.
اقتصاديًا أيضًا،هذا التصنيف يمنح البحرين أداة تسويقية إضافية في تنافسها الإقليمي المحتدم مع مراكز مالية وتقنية أخرى في الخليج، خصوصًا الإمارات والسعودية، اللتين تستثمران بكثافة في نفس المجال، تقدّم ثلاثة مراكز دفعة واحدة في مؤشر دولي معترف به يمنح البحرين مكانة تنافسي ذات رؤية مستقبلة مشرقة يمكن توظيفها في جذب مقرات إقليمية لشركات التكنولوجيا، ودعم مكانتها كمركز مالي ولوجستي صغير لكنه عالي الكفاءة.
البعد السياسي
من اللافت سياسيًا أن الصياغة الرسمية للخبر تُقدّم القيادة الحكيمة للمملكة كإطار مرجعي أول للإنجاز التقني، قبل أن تأتي الإشارة إلى الجهات التنفيذية التي أنجزته فعليًا وهذا أسلوب متكرر في الخطاب الإعلامي الرسمي البحريني، حيث يُستحضر أي إنجاز تنموي أو تقني باعتباره شاهدًا على حسن الإدارة واستمرارية مسار التحديث الذي تقوده القيادة الرشيدة، خصوصًا في ظرف إقليمي يتسم بضغوط اقتصادية وتذبذب في أسعار النفط تطال دول الخليج كافة وإن بدرجات متفاوتة.
كذلك فإن مؤشرات دولية من هذا النوع تمنح صُناع القرار في البحرين رصيدًا رمزيًا يمكن توظيفه في الخطاب الداخلي كدليل على نجاح مسار التحديث، كما يمتد أثره إلى العلاقات الخارجية إذ يعزّز مثل هذا الترتيب العالمي حضور المملكة في المحافل الدولية المعنية بالتحول الرقمي والحوكمة الرقمية، ويرسّخ صورتها كدولة صغيرة الحجم لكنها فاعلة ومتقدمة تقنيًا، وهذا بدوره ينعكس على موقعها التفاوضي في شراكاتها الدولية المتعددة، بدءًا من ملفات الأمن السيبراني وصولًا إلى التعاون التقني مع القوى الكبرى.
غير أن الإنصاف يقتضي التذكير بأن مؤشرات من هذا النوع تظل، في جوهرها، مقياسًا للبنية التحتية ومعدلات الاتصال والاستخدام، ولا تمتد بالضرورة إلى أبعاد أخرى لا تقل أهمية، كمدى حرية تداول المعلومات عبر هذه الشبكات، أو حجم الفجوة بين اتساع البنية التحتية وانعكاسها الفعلي على الإنتاجية الاقتصادية الحقيقية. وتبقى هذه من الأسئلة المشروعة التي ينبغي أن تحضر في أي تقييم موضوعي متوازن لمثل هذه الإنجازات.
في الخلاصة يمثل تقدّم مملكة البحرين ثلاثة مراكز دفعة واحدة في مؤشر عالمي بحجم (IDI) محطة تستحق التسجيل ضمن مسار طويل من الاستثمار في البنية الرقمية، لكنها تبقى محطة وليست خط نهاية. فالتحدي الحقيقي أمام صناع القرار لا يكمن في الحفاظ على هذا الترتيب فحسب، بل في ترجمة هذه البنية التحتية المتقدمة إلى قيمة اقتصادية مضافة ملموسة، وإلى بيئة رقمية تخدم المواطن والمستثمر معًا بما يتجاوز الأرقام والمؤشرات.