الرئيسية / أخبار / ثلاث دقات..بقلم د.منى الروبي  
د. منى الروبي

ثلاث دقات..بقلم د.منى الروبي  

يبدو الزمن في تاريخ الفن ككائن حي يتنفس داخل اللوحة، يتبدل من أداة قياس جامدة إلى إحساس مراوغ لا يُمسك. في العصور الوسطى، حين ارتفعت الساعات في أبراج الكنائس الأوروبية، كان الزمن يُرسم بوصفه سلطة صارمة، عقاربها تذكّر الإنسان بفنائه. ظهرت الساعات في اللوحات كرموز للموت والحساب، خاصة في القرن السابع عشر، حيث لم تكن مجرد أدوات بل إشارات فلسفية إلى نهاية حتمية.

لكن هذا التصور بدأ يتغير تدريجيًا، ومع القرن التاسع عشر صار الزمن موضوعًا للتأمل، لا للرهبة فقط، ثم جاءت اللحظة) صورة مدهشة لساعات تذوب، كأنها تعلن أن الزمن ليس ثابتًا، بل تجربة داخلية مرنة، تخضع للذاكرة والوعي. هنا تحررت الساعة من شكلها، وصارت رمزًا نفسيًا، لا ميكانيكيًا.

في الواقع التاريخي، لم يولد مفهوم الساعة دفعة واحدة، بل تشكّل عبر الحضارات، حيث استخدم المصريون القدماء الساعة الشمسية حوالي 1500 ق.م، ثم ظهرت الساعات المائية في اليونان وروما، تلتها الساعات الرملية في العصور الوسطى خاصة في الملاحة، ومع القرن الثالث عشر بدأت الساعات الميكانيكية في أوروبا، معلنة بداية عصر جديد من الدقة، هذا التطور لم يكن علميًا فقط، بل جماليًا أيضًا، إذ تحولت الساعات إلى أعمال فنية تُنقش وتُزخرف بعناية.

بلغ هذا التلاقي بين الفن والعلم ذروته في القرن السادس عشر في سويسرا، حيث نشأ فن صناعة الساعات بوصفه حرفة راقية تجمع بين الهندسة والزخرفة، كانت الساعات حينها حكرًا على الملوك والنب، ومع الزمن ظهرت أسماء أصبحت أساطير في هذا المجال مثل رولكس منذ 1905، وباتيك فيليب وأوديمار بيغيه وفاشرون كونستانتين، حيث بلغت أسعار بعض الساعات ملايين الدولارات، خاصة القطع النادرة.

ومن أجمل الشواهد التاريخية على رمزية الساعة، هدية هارون الرشيد إلى شارلمان عام 807م، وهي ساعة مائية معقدة أدهشت أوروبا، وأكدت تفوق الحضارة الإسلامية في ذلك العصر، وفي العصر الحديث أصبحت ساعة بيغ بن، التي اكتمل بناؤها عام 1859، رمزًا عالميًا للدقة والهيبة.

هكذا.. من ظل الشمس إلى دقات الأبراج، ومن نقوش الذهب إلى سيولة الحلم، ظل الزمن في الفن مرآة للإنسان، لا يُقاس بالدقائق، بل يُدرك بالشعور، كلوحة لا تنتهي.