تقرير البحرين/ في زيارة ميدانية حملت معها الدفء والاطمئنان جالت سمو الشيخة شيمة بنت ناصر بن حمد آل خليفة، رئيسة المبادرات التطوعية الإنسانية بالمؤسسة الملكية للأعمال الإنسانية، على عدد من المنازل المستفيدة من مبادرة (بيوت مطمئنة)، لتطّلع بنفسها على ما أحدثته هذه المبادرة من أثر في نفوس الأسر التي طالها العطاء. وكانت المبادرة قد نفّذها فريق “شيم الخير” التطوعي بدعم مؤسسة (جي إف إتش) الذراع الخيرية لبنك جي إف إتش، لتُضاف إلى سجل حافل من المبادرات التي باتت تُعرّف البحرين على الخريطة الإنسانية الإقليمية والدولية.
المباردة شملت تأثيث أكثر من عشرين منزلاً تعود لأسر من الأرامل والأيتام وذوي الحاجة في مختلف محافظات المملكة، وتولّى تنفيذها أكثر من خمسين متطوعاً وُزّعوا على ثماني فرق عمل متخصصة، في مشهد أعاد إلى الأذهان معنى التكافل حين يتجسّد في الفعل لا في الكلام.
وفي تعليقها على ما شهدته، أكدت سمو الشيخة شيمة بنت ناصر “أن هذه المبادرة تنبثق من حرص راسخ على نشر قيم العطاء والتراحم، وترسيخ ثقافة العمل التطوعي بوصفها خياراً مجتمعياً لا موسماً عابراً، وأثنت سموها على ما أظهره المتطوعون من روح المسؤولية والتفاني والعمل الجماعي”.
واشادت سموها كذلك بالإسهام الفاعل الذي قدّمته مؤسسة (جي إف إتش) لإنجاح هذا العمل الإنساني، ومن داخل تلك البيوت التي عادت إليها الحياة بعد أن لفّها الحرمان، أعرب عدد من أصحابها عن شكر بالغ وامتنان عميق، مؤكدين أن هذه اللفتة الإنسانية لم تُغيّر فقط من مظهر منازلهم، بل أعادت الدفء إلى أسرهم وأدخلت الفرحة إلى قلوب صغارهم.
من الرؤية الملكية إلى الفعل الميداني
لفهم حجم ما تمثله مبادرة (بيوت مطمئنة) وأمثالها، لا بد من العودة إلى الجذر الذي أنبتها، وهو الرؤية الإنسانية لحضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة ملك البلاد المعظم حفظه الله ورعاه التي شكّلت المنطلق الفكري والعملي لتأسيس المؤسسة الملكية للأعمال الإنسانية منذ عام 2001م، فقد جاء تأسيس المؤسسة تزامناً مع انطلاقة المشروع الوطني الحداثي الكبير في مطلع العهد الزاهر لجلالة الملك المعظم، وكان له عظيم الأثر في مسيرة الخير والعطاء في مملكة البحرين.
وإن الإنجازات التي تحققها المؤسسة الملكية للأعمال الإنسانية هي نتاج رؤية إنسانية شاملة يقودها جلالة الملك، وحصيلة جهد متواصل يتسم بالإخلاص والمهنية، ويعكس صورة مملكة البحرين الحضارية ومساعيها النبيلة ودورها الرائد على المستويين الإقليمي والعالمي في مد يد العون لكل محتاج أينما كان.
والثابت تاريخياً أن المؤسسة لم تنشأ لتكون ذراعاً خيرية تقليدية تُوزّع المساعدات في المناسبات، بل نشأت كمنظومة متكاملة تترجم فلسفة الحُكم الرشيد في بُعده الاجتماعي والإنساني، وهو ما يعني أن إنشاء هذه المؤسسة يُترجم الإرادة الملكية السامية ويعكس روح العطاء الذي يتمتع به المجتمع البحريني، ضمن نهج دولة المؤسسات والقانون المرتكز على ثقافة راسخة في دعم العمل الإنساني، وربطه بالبرامج التنموية الشاملة القائمة على بناء الإنسان وتطوير مهاراته.
سمو الشيخ ناصر القيادة التي حوّلت الرؤية إلى واقع
غير أن الرؤية وحدها لا تكفي، إذ تحتاج إلى قيادة تمتلك الإرادة والكفاءة لتحويلها إلى فعل مؤسسي منتظم، وهذا بالضبط ما أسهم به سمو الشيخ ناصر بن حمد آل خليفة ممثل جلالة الملك للأعمال الإنسانية وشؤون الشباب، الذي قاد المؤسسة على مدى ربع قرن بعقلية استراتيجية وحساسية إنسانية عالية، فقد أكد سموه أن نهج المؤسسة جسّد حرص جلالة الملك المعظم على بناء الإنسان وتمكينه وتعزيز قيم العطاء والخدمة المجتمعية، حيث غدت المؤسسة نموذجاً متقدماً للعمل الإنساني داخل البحرين وخارجها، وامتداداً للرؤية الملكية في خدمة المجتمع.
وعلى الصعيد العملي فإن الإشادات تتواصل بشكل مستمر بجهود سمو الشيخ ناصر في تطوير منظومة العمل الإنساني، التي جعلت من المؤسسة نموذجاً بارزاً للعمل الإنساني داخل مملكة البحرين وخارجها، وفق رؤية تنموية وإنسانية مستدامة، والأهم في هذا السياق أن سمو الشيخ ناصر خلال السنوات الماضية أسّس ثقافة مؤسسية ترى في المتطوع شريكاً لا مجرد أداة، وفي الأسرة المستفيدة مستحقاً لا مُتسوّلاً، وهو ما انعكس بوضوح في نمط عمل فريق (شيم الخير) وأسلوبه في الوصول إلى البيوت بروح الأخ لا بيد الخبير.
إرث إنساني تجاوز ما هو متصوّر
إن ما أنجزته المؤسسة الملكية للأعمال الإنسانية خلال خمسة وعشرين عاماً تجاوز بكثير ما كان مأمولاً أو متوقعاً حين انطلقت، فقد حصلت المؤسسة على تصنيف الفئة الذهبية ضمن برنامج تقييم مراكز الخدمة الحكومية، ونالت جوائز محلية ودولية في مجالات الابتكار والعمل الإنساني، فضلاً عن 55 شراكة مع مختلف الجهات، وامتدت جهودها الإغاثية إلى مناطق متضررة خارج البحرين أبرزها قطاع غزة.
وعلى صعيد الأثر الرقمي المباشر في المجتمع البحريني، تمكّنت المؤسسة على مدى عشرين عاماً من مساندة الأرامل والأيتام والاهتمام بهم، وسد حاجات العديد من الأسر البحرينية، إلى جانب مد يد العون للمنكوبين والمتضررين في مختلف دول العالم. وتكشف أرقام التقرير السنوي لعام 2025 أن المؤسسة بلغت رقماً يتجاوز الحادي والثلاثين ألف مكفول منذ تأسيسها، وهو رقم يعكس عمق الأثر الاجتماعي لهذه المؤسسة في نسيج المجتمع البحريني.
وعلى الصعيد الدولي، تدلّ الوقائع على أن المؤسسة باتت شريكاً معترفاً به في منظومة العمل الإنساني العالمي. فقد وقّعت المؤسسة اتفاقية تعاون مع المفوضية السامية لشؤون اللاجئين بالأمم المتحدة لتقديم مساعدات إنسانية عاجلة بقيمة مليون دولار لمساعدة الشعب الأفغاني، وأرسلت شحنات إغاثية لمتضرري الزلازل في أفغانستان، ووقّعت اتفاقيات تعاون مع الجيش الباكستاني لمساعدة متضرري الفيضانات. وكان أبلغ تعبير عن هذا الحضور الدولي ما شهدته حملة “يوم التضامن” التي أطلقها سمو الشيخ ناصر لدعم ضحايا زلزال سوريا وتركيا، حين استجاب البحرينيون في غضون ثلاث ساعات فقط بما تجاوز ثلاثة ملايين وسبعمائة ألف دولار.
(بيوت مطمئنة).. الحلقة الأخيرة في سلسلة لا تنقطع
تأتي مبادرة (بيوت مطمئنة) إذن حلقةً في سلسلة لا تنقطع من الفعل الإنساني المنظّم، حلقة تُعلن أن القيم لا تُقاس بالخطب ولا تُثبَت بالبيانات، بل بالأثاث الذي يملأ بيت أرملة، وبالفراش الذي ينام عليه يتيم في ليلة باردة. وحين ترأس سمو الشيخة شيمة بنت ناصر هذه الزيارات الميدانية بنفسها، فإنها تحمل معها إرثاً أسرياً وقيماً أبوية تعلّمتها في بيت يرى في العمل الإنساني نهج حياة لا موسم خير.
وخير ما يختتم به هذا التقرير ما قاله سمو الشيخ ناصر بن حمد بنفسه “إن العمل الخيري ليس مناسبة عابرة، بل هو نهج حياة نحرص على ترسيخه في أجيالنا، بما يرسّخ مكانة البحرين الرائدة في عمل الخير وخدمة الإنسانية على مستوى العالم”، وفي (بيوت مطمئنة)، يتجسّد هذا المعنى بأبهى صوره.

