الرئيسية / أخبار / كوهينور…بقلم د. منى الروبي
د. منى الروبي

كوهينور…بقلم د. منى الروبي

هناك كذبة تسويقية جميلة تقول: “الألماس إلى الأبد.” لذلك يُلبس خاتم زفاف. السؤال هل يتغير المالك؟!
فالألماس لم يولد في خزائن الملوك، ولم يهبط من السماء داخل تاج مرصع. إنه مجرد ذرات كربون عاشت تحت الأرض ملايين السنين، تعرضت لضغط هائل وحرارة لا ترحم، حتى خرجت أصلب مادة عرفتها الطبيعة. لذلك كلما رأيت ماسة، ابتسمت وقلت: يبدو أن الأرض أيضًا تؤمن بأن الشخصية القوية لا تُصنع في الرفاهية.
لكن الغريب أن الضغط لم يكن من نصيب الأحجار وحدها… بل كان من نصيب الشعوب أيضًا.
خذوا مثلًا كوهينور بطلة مقالتنا “جبل النور”. أشهر ماسة في العالم، لكنها ربما أقل ماسة حظيت بحياة مستقرة. فمنذ أكثر من سبعة قرون خرجت من مناجم غولكوندا في الهند، تزن قرابة 793 قيراطًا. ثم جاء الإنسان، ذلك الكائن الذي لا يكتفي بسرقة الشيء، بل يصر على تغييره. فأعاد صقلها حتى فقدت للأسف معظم وزنها، وكأن السرقة وحدها لم تكن كافية، فقرر أن يقتطع جزءًا من جسدها أيضًا.
ومنذ تلك اللحظة بدأت الماسة رحلة تشبه المجرم الهارب [تحتاج توضيحًا].
انتقلت بين سلاطين الهند وأباطرة المغول، حتى دخل نادر شاه دلهي سنة 1739، وعندما وقعت عيناه عليها صاح: “كوه نور”… جبل النور. والمفارقة أن الضوء الوحيد في القصة كان لمعان الحجر، أما ما حوله فكان دخان مدافع ودماء مدن.
وبعد اغتيال نادر شاه، واصلت الماسة السفر قسرًا بين حكام أفغانستان والسيخ، إلى أن استقرت بين يدي طفل لم يبلغ الحادية عشرة؛ المهراجا دليب سينغ، وهنا دخلت الإمبراطورية البريطانية المشهد، ليس كسائح مهذب يحمل كاميرا، بل كضيف يغادر المنزل وهو يحمل معه الأثاث أيضًا.
أُجبر الطفل عام 1849 على التنازل عن مملكته وماسته للملكة فيكتوريا، في واحدة من أكثر الصفقات غرابة في التاريخ؛ المنتصر يكتب العقد، والخاسر يوقّع عليه، ثم يسمى ذلك “اتفاقًا”، بل يعطي هدايا لعدوّته. ومنذ ذلك اليوم تستقر كوهينور في التاج البريطاني، بينما لا تزال الهند وباكستان وأفغانستان وإيران تتجادل حول من يملك الحق في المطالبة بها. أما الماسة نفسها، فهي أثمن ما في التاج الملكي.
وحين ننظر حولنا، نكتشف أن كوهينور ليست استثناءً.
حجر رشيد… برونزيات بنين… رخام البارثينون… متاحف العالم مليئة بقطع تحمل بطاقات تعريف أنيقة، لكنها تخفي خلفها سؤالًا محرجًا: هل هذه مقتنيات… أم غنائم أُعيد ترتيبها داخل خزائن مضاءة؟
والقصة لم تنتهِ.
ففي السودان، الأرض التي أغرت الجميع بالذهب منذ آلاف السنين، يتسرب المعدن الأصفر اليوم عبر بلد جار، وآخر صديق [تحتاج توضيحًا]، وذلك مستثمر. لدرجة أن أصبحت الحروب ذريعة للتهريب إلى خزائن دول لا تملك منجمًا واحدًا. عجيب أمر العالم؛ الأرض تنجب الثروة، لكن غيرها يكتب شهادة الميلاد باسمه. وكأن بعض الدول تخصصت في التعدين دون أن تحفر حفرة واحدة، بينما تتقن فقط الحفر في أوطان الآخرين.
يسمي البعض ذلك مصالح دولية، ويسميه آخرون اقتصادًا عالميًا. أما الشعوب فلها قاموس مختلف؛ تسميه سرقة، احتلالًا وانحلالًا، حتى لو ارتدت ربطة عنق، أو ختمًا رسميًا، أو قرارًا دبلوماسيًا.
وأنا مؤمنة بأن للتاريخ ذاكرة أطول من أعمار الإمبراطوريات. قد نسميها كارما، أو عدالة الزمن، أو دورة الأيام، لكن المعنى واحد: لكل شيء فاتورة.
تيجان صُنعت من أحجار مسروقة… ذهب خرج من أرضٍ جائعة ليملأ خزائن بعيدة… آثار اقتُلعت من حضاراتها لتعرض في معرض بالملايين [تحتاج توضيحًا]… وأوطان دُفعت أثمانها من دماء أهلها. كلها ديون قد يتأخر تحصيلها، لكنها لا تسقط بالتقادم.
تأملوا الإمبراطوريات التي كانت تظن أن الشمس لا تغيب عنها… أين أصبحت؟ وتأملوا الثروات التي جُمعت على أنين الآخرين… كم من بلاد أصحابها يعيشون المرارة، والبعض يحرسون ما سرقوه أكثر مما يستمتعون به.
في النهاية، يبقى الألماس كربون مصقول، أما الإنسان فيصقله ضميره.
فالتيجان تستطيع أن تخدع الأبصار… لكنها لا تستطيع أن تخدع التاريخ.
والشعوب، مهما طال الزمن، لا تنسى من سرق نور جبالها ليزين به رأسه.