الرئيسية / أخبار / ذات الخمار الأبيض..بقلم د. منى الروبي

ذات الخمار الأبيض..بقلم د. منى الروبي

هل لا تزالون تمارسون الحياة ما استطعتم إليها سبيلاً؟ أترسم، أتقرأ، أترقص مع الموسيقى، وأتلعب مع الأطفال؟  أما عني فنعم طبعا اهناك خيار اخر؟  ما زلت ارفض  كثير من التعليمات التي يفترض أن تجعل الإنسان (معقولاً) مع مرور العمر!

أما بعد… وجدت اليوم بين أوراق قديمة نسخاً مطبوعة من إيميلاتنا، مرّ عليها ما يقارب عشرين عاماً. قرأتها وابتسمت، خصوصاً عند عبارتك: «أراكِ لا زلتِ متذبذبة بين صخب ورزانة الفن والتعليم».

وأظن أنني أستطيع الآن أن أفسر لك ذلك.

لطالما قلت لي: «لا تتحمسي كثيراً». وها أنا، بعد كل هذه السنوات، ما زلت أتحمس لطفل يخطو خطوته الأولى، كأنها خطوتي الأولى، وحتى لغزال يهرب من براثن أسد في برنامج «عالم الحيوان»! أصرخ أمام الشاشة وكأن الغزال ابن خالتي وأنا المسؤولة عن إنقاذه.

وقلت لي أيضاً: «اعتزلي الناس، سافري وحدك». فسافرت وحدي إلى إسبانيا. وأصدقك القول؟ كانت من أسوأ السفرات في حياتي! اكتشفت أن الوحدة أقل رومانسية حين تتناول قهوتك وحدك، أو تجلس أمام طبق كبير في مطعم فخم ولا تجد من يقول لك: Bon Appétit، أو تضع في طبقه قطعة لحم وتقول: تذوق، ستعجبك!

أما التناقض الذي رأيته فيّ، فلم أره أنا تناقضاً يوماً، بل حياة كاملة. فالفن نفسه لا يعيش إلا بين النقيضين: الفوضى والنظام، التمرد والهدوء، الصخب والتأمل. الفنان ليس مطالباً بأن يكون نسخة مؤدبة من نفسه طوال الوقت؛ هو بين تقسيم وتحرير، بين المقام والخروج عنه.

ولعل بيت الدارمي الشهير يلخص هذا كله:

«قُل للمليحة في الخمار الأسودِ ماذا فعلت بناسكٍ متعبّدِ»

ثم يأتي ابن عربي ليزيد المساحة اتساعاً:

«أدينُ بدينِ الحبِّ أنَّى توجَّهتْ ركائبُهُ، فالحبُّ ديني وإيماني.»

فالحب عنده ليس مجرد عاطفة، بل اتساع للقلب حتى لا يُختصر الإنسان في صورة واحدة.

لطالما راقت لي صورة الإنسان الذي يحمل صفاء الروح ويمسك فرشاة، أو الراهب الذي يتأمل ويكتب قصيدة، أو الفنان الذي يحول اللون إلى سؤال. كأن البعض يتخيل أن الروحانية الإنسانية تقتضي أن نغلق باب الفن ونخفي المفتاح تحت سجادة الرزانة!

لكن التاريخ أوسع من ذلك فرا أنجيليكو كان راهباً وفناناً، وجورج هربرت كان كاهناً وشاعراً، وميكيلانجلو ملأ سقف كنيسة سيستينا بالإنسان وأسئلته. وفي الشرق، جعل جلال الدين الرومي من الشعر طريقاً للروح، بينما تحولت ضربة الحبر ومساحة الفراغ في الفن الشرقي إلى تأمل كامل.

لذلك لم أفهم يوماً إصرار الناس على أن نكون نسخة واحدة من أنفسنا: فنانة ولكن «عاقلة»، متمردة ولكن ضمن الحدود، متأملة ولكن بلا صخب… وكأن للحياة موظف موارد بشرية يقف عند الباب ليتأكد من التزامنا بالوصف الوظيفي!

أنا أؤمن أن الإنسان أوسع من التصنيف.

قد أكون صاخبة في لوحتي، جامحة في ألواني، متمردة في أفكاري، ثم أجلس أمام البحر في صمت كامل.

فأين التناقض؟

أليست الفلسفة نفسها أن تعرف متى تصرخ ومتى تهمس، متى تتمرد ومتى تهدأ، وأن تصالح فوضاك الداخلية حتى تصبح أقرب إلى ذاتك العليا؟

الفن والروحانية الإنسانية ليسا خصمين؛ كلاهما محاولة للاقتراب من شيء أكبر من قدرتنا على الشرح: من أنا؟ وإلى أين أصل حين أتوقف عن الالتزام بمعايير لا أعرف مصدرها، وأبدأ في رسم معاييري؟

وربما لهذا بقيت «ذات الخمار الأسود» حية في الذاكرة؛ لأنها لم تكن مجرد امرأة أربكت ناسكاً، بل صورة للدهشة والجمال والحياة التي نحاول أحياناً أن نهرب منها في داخلنا، ثم نكتشف أننا نحتاجها.

صديقي، تعلّم أن تمنح روحك روحاً مرحة، مغامرة، لها أكثر من صوت، وارسم لحياتك أكثر من طريق.

فالإنسان، في النهاية، ليس أبيض أو أسود… بل ذلك «الأبيض المسود» الذي تتجاور فيه الفوضى مع الرزانة، والتمرد مع الصفاء، والفن مع الروح.