الرئيسية / أخبار / الفن ليس دواءً… لكنه قد يكون عونًا..‏قراءة في دراسة للدكتورة منى الروبي حول العلاج بالفن والأدلة العلمية المتاحة‏

الفن ليس دواءً… لكنه قد يكون عونًا..‏قراءة في دراسة للدكتورة منى الروبي حول العلاج بالفن والأدلة العلمية المتاحة‏

خالد ابواحمد

تنطلق الدكتورة منى الروبي في دراستها (الفن بوصفه ممارسة علاجية مساندة: ‏قراءة نقدية في الأدلة العلمية للعلاج بالفن والتدخلات الفنية) من موقف واضح لا ‏لبس فيه: الفن ليس دواءً، وليس بديلًا عن الطبيب أو المعالج النفسي، ولا يمتلك اللون ‏طاقة غامضة تشفي الجسد أو النفس. لكنها في المقابل تؤمن بقوة بأن الفن يمكن أن ‏يكون وسيلة مساندة فعّالة في الرعاية النفسية والسلوكية، بشرط أن يستخدمه مختص ‏مؤهل داخل خطة علاجية واضحة وقابلة للتقييم‎.‎

وترى الباحثة أن المشكلة ليست في الفن نفسه، وإنما في المبالغة التي تحيط به. فحين ‏يقال إن اللون الأزرق يعالج القلق، أو إن الأحمر يرفع الطاقة، أو إن تشكيل قطعة من ‏الطين يكفي وحده لمعالجة اضطراب نفسي، تبدأ المشكلة العلمية. والقيمة العلاجية ‏الحقيقية للفن تكمن في العملية نفسها: التركيز، والحركة، والاختيار، واللمس، ‏والتخيل، والتعبير غير اللفظي، والتفاعل مع المعالج أو المجموعة. ولهذا فإن العلاج ‏بالفن في صورته المهنية ليس حصة رسم، بل تدخل نفسي يستخدم الوسائط الفنية ‏ضمن علاقة علاجية وأهداف محددة‎.‎

وتستعرض الدراسة الفارق بين النظم المهنية في العالم. ففي الولايات المتحدة ‏أصبحت الممارسة منظمة مهنيًا في خمس عشرة ولاية إضافة إلى مقاطعة كولومبيا، ‏مع شهادات مهنية تتطلب تعليمًا وتدريبًا وإشرافًا سريريًا. أما في المملكة المتحدة ‏فالنموذج أكثر مركزية، إذ ينظم مجلس مهن الصحة والرعاية مهنة معالجي الفنون، ‏ويحمي مسمياتها قانونًا فلا يجوز استخدامها دون تسجيل رسمي. وتخلص الباحثة ‏إلى أن السؤال العلمي الأهم ليس «هل يعترف العالم بالعلاج بالفن؟» بل «في أي نظام ‏مهني، وبأي مؤهلات، ولأي غرض، وبأي مستوى من الأدلة؟‎».‎

وتنتقل الدراسة بعد ذلك إلى مراجعة الأدلة في أربعة اضطرابات نفسية. ففي القلق ‏والتوتر، يمكن للتلوين والرسم الحر والكولاج وتشكيل الطين أن تساعد على تهدئة ‏الاستثارة الانفعالية وتحويل الانتباه من الاجترار الذهني إلى نشاط حسي منظم، غير ‏أن الأدلة تظل محدودة؛ إذ لم تستوفِ معايير إحدى المراجعات سوى ثلاث تجارب ‏عشوائية من أصل 776 نتيجة بحث، بإجمالي 162 مشاركًا فقط. كما ارتبطت ‏ممارسة الفن لمدة ثلاثين دقيقة بانخفاض القلق لدى طلاب جامعيين في إحدى ‏الدراسات‎.‎

وفي الاكتئاب، حيث تكون المشكلة في الانسحاب وفقدان الدافعية والشعور بالعجز ‏أكثر منها في الحزن وحده، تشير مراجعة منهجية وتحليل تلوي شمل خمس عشرة ‏دراسة و932 مشاركًا إلى انخفاض ذي دلالة في الأعراض لدى البالغين الذين تلقوا ‏تدخلات بالفنون البصرية، مع تنبيه واضح إلى أن جودة الأدلة ظلت منخفضة‎.‎

أما في اضطراب طيف التوحد، فترفض الباحثة القول إن الفن «يعالج التوحد»، ‏وترى أن الأدق هو دراسة قدرة الفنون على دعم مهارات محددة كالتواصل والتفاعل ‏الاجتماعي والانتباه وبعض المهارات الحركية. وقد أظهرت مراجعات حديثة ‏مؤشرات إيجابية في هذه المجالات، لكنها ظلت مصحوبة بمشكلات منهجية مثل ‏صغر العينات وقصر مدة التدخل‎.‎

وفي اضطراب ما بعد الصدمة، تبرز قيمة الفن بوصفه وسيلة غير لفظية للتعبير عن ‏خبرات يصعب وصفها بالكلمات. غير أن مراجعة وتحليلًا تلويًا شمل واحدًا ‏وعشرين تجربة عشوائية و868 مشاركًا أظهرا تفوق التدخلات الفنية في بعض ‏النتائج الإيجابية، بينما لم يبلغ أثرها على أعراض الاضطراب نفسها حد الدلالة ‏الإحصائية. وتعلق الباحثة بأن الفن قد يكون بابًا للتعبير عن الصدمة، لكنه ليس ‏علاجًا مضمونًا لها‎.‎

وتتوقف الدراسة عند الفصام بوصفه مثالًا على ضرورة الحذر، إذ أظهر أحد ‏التحليلات انخفاضًا في الأعراض السلبية لم يظهر في الدراسات التي استخدمت تقييمًا ‏أعمى، وهو ما يستدعي قراءة النتائج بتحفظ‎.‎

وتخصص الباحثة مساحة لتصحيح مفهوم «العلاج بالألوان»، فتؤكد أن اللون قد ‏يؤثر في الانتباه والمزاج والتفضيل الجمالي، لكن ذلك لا يعني أن له طاقة مستقلة ‏تشفي المرض. وتستشهد بتجربة عشوائية على مرضى كوفيد-19 أظهرت أن تلوين ‏الماندالا نصف ساعة يوميًا لستة أيام خفّض القلق مقارنة بالمجموعة الضابطة، وتعلق ‏بأن ما ثبت هنا هو فائدة النشاط المنظم لا قوة اللون في ذاته، وأن هذا الفارق البسيط ‏في اللغة هو في الحقيقة فارق كبير في العلم‎.‎

وتخلص الدكتورة منى الروبي إلى أن مستقبل الفن في الصحة النفسية لا يحتاج إلى ‏المبالغة كي يثبت نفسه، بل إلى مزيد من الانضباط العلمي. فالفن ليس علاجًا لكل ‏شيء، واللون ليس دواءً، واللوحة ليست وصفة طبية. وفي المقابل ليس من العلمي ‏اختزاله في هواية ترفيهية بينما تشير الدراسات إلى قدرته على دعم التنظيم الانفعالي ‏وتخفيف بعض أعراض القلق والاكتئاب وتعزيز التواصل. والموقع الأدق للعلاج ‏بالفن أن يكون ممارسة منظمة يقودها مختص مؤهل، وتعمل إلى جانب الرعاية ‏الطبية والنفسية لا بديلًا عنها‎.‎

وتختم بعبارة تلخص الدراسة كلها: لا نحتاج إلى القول إن الفن يشفي المرض كي ‏نعترف بأنه يستطيع أن يساعد الإنسان على مواجهته‎.‎

والجدير بالذكر أن د. منى الروبي فنانة ومربية بحرينية، أكاديمية ومؤسسة لـ ARTiTudE Creativity Hub، تمتلك خبرة تتجاوز 28 عاماً في الفن والتعليم والتدريب وتطوير الإبداع، تجمع في مسيرتها بين الفن والثقافة والتعليم والعمل المجتمعي، عضو في الامم المتحدة للتربية و السلام، حاملةً رؤية تؤمن بأن الإبداع وسيلة لصناعة الإنسان قبل أن يكون مجرد ممارسة فنية.