الرئيسية / أخبار / إفريقيا أمام اختبار جديد: حماية اتفاق بريتوريا ومنع عودة الحرب..بقلم : شوربيال ارايا  (صحفي اثيوبي)  

إفريقيا أمام اختبار جديد: حماية اتفاق بريتوريا ومنع عودة الحرب..بقلم : شوربيال ارايا  (صحفي اثيوبي)  

تقف القارة الإفريقية اليوم أمام مسؤولية تاريخية تتمثل في حماية السلام الذي تحقق في إثيوبيا بعد توقيع اتفاق بريتوريا، والعمل على منع أي تطورات قد تعيد البلاد إلى دوامة الصراع. فبعد سنوات من الحرب التي خلفت خسائر إنسانية واقتصادية جسيمة، أصبحت المحافظة على السلام مسؤولية مشتركة لا تقتصر على الأطراف الإثيوبية وحدها، بل تمتد إلى الاتحاد الإفريقي والدول الإفريقية كافة.

لقد مثل اتفاق بريتوريا، الموقع في نوفمبر 2022 برعاية الاتحاد الإفريقي، نقطة تحول مهمة في مسار الأزمة الإثيوبية. فقد نجح في وقف الأعمال القتالية، وفتح الباب أمام إيصال المساعدات الإنسانية، واستئناف الخدمات الأساسية، وإطلاق عملية سياسية تهدف إلى بناء الثقة ومعالجة آثار الحرب. ورغم أن تنفيذ الاتفاق واجه تحديات، فإنه لا يزال يمثل الإطار الأكثر أهمية للحفاظ على الاستقرار.

ومع تصاعد التوترات في إقليم تيغراي، وظهور تقارير وتصريحات من أطراف مختلفة تتحدث عن تحركات عسكرية وتعبئة داخل الإقليم، تتزايد المخاوف من احتمال تراجع مسار السلام. وفي مثل هذه الظروف، يصبح من الضروري أن تتعامل جميع الأطراف بأقصى درجات المسؤولية، وأن تمتنع عن أي خطوات قد تؤدي إلى التصعيد أو تقوض الثقة التي بُنيت منذ توقيع الاتفاق.

إن أي عودة إلى المواجهة العسكرية لن تحقق مكاسب حقيقية لأي طرف، بل ستكون الخسارة الأكبر من نصيب المدنيين الذين عانوا ويلات الحرب. فالحرب لا تعني سوى المزيد من النزوح، وتعطيل المدارس والمستشفيات، وتراجع الاقتصاد، وتأخير مشروعات التنمية التي تحتاجها إثيوبيا وشعوب المنطقة.

دور الاتحاد الإفريقي

يقع على عاتق الاتحاد الإفريقي دور محوري في هذه المرحلة، باعتباره الراعي الرئيسي لاتفاق بريتوريا. واليوم، تحتاج القارة إلى دبلوماسية نشطة وسريعة، تقوم على الحوار والوساطة ومتابعة تنفيذ الاتفاق، وتشجيع جميع الأطراف على الالتزام بتعهداتها.

كما يمكن للاتحاد الإفريقي أن يعزز آليات المراقبة والمتابعة، وأن يدعم جهود بناء الثقة، ويجمع مختلف الأطراف حول طاولة الحوار لمعالجة القضايا العالقة بعيدًا عن لغة السلاح.

لقد أثبتت التجارب الإفريقية أن الوساطة والحوار أكثر قدرة على تحقيق الاستقرار من المواجهات العسكرية، وهو ما يجعل استمرار الدور الإفريقي ضرورة لحماية ما تحقق من إنجازات.

مسؤولية إفريقية جماعية

إن استقرار إثيوبيا لا يخص الإثيوبيين وحدهم، بل يمثل ركيزة لاستقرار القرن الإفريقي بأكمله. فإثيوبيا تعد مركزًا سياسيًا واقتصاديًا مهمًا، وتستضيف مقر الاتحاد الإفريقي، كما تلعب دورًا رئيسيًا في جهود الأمن الإقليمي، ومشروعات البنية التحتية، والربط الاقتصادي، والتكامل القاري.

ومن هنا، فإن أي اضطراب جديد ستكون له انعكاسات تتجاوز الحدود الوطنية، وقد يؤثر على التجارة والاستثمار والأمن الإقليمي. ولذلك، فإن الدول الإفريقية مطالبة بتوحيد مواقفها دعماً للسلام، وتشجيع جميع الأطراف على معالجة خلافاتها عبر الحوار.

الشباب… وقود التنمية لا الحرب

إن شباب إثيوبيا يمثلون الثروة الحقيقية للبلاد، ومكانهم الطبيعي هو الجامعات، ومراكز التدريب، والمزارع، والمصانع، وشركات التكنولوجيا، وليس ساحات القتال. فالقارة الإفريقية تحتاج إلى طاقات شبابها لبناء المستقبل، وتحقيق أهداف التنمية، وتعزيز الابتكار والإنتاج.

ولهذا، فإن الاستثمار في التعليم وفرص العمل والمصالحة الوطنية هو الطريق الأمثل لضمان مستقبل آمن ومستقر، بعيدًا عن أي دعوات للعنف أو التصعيد.

السلام هو الخيار الوحيد

لقد دفعت إثيوبيا ثمناً باهظاً خلال سنوات الصراع، وحان الوقت لترسيخ ثقافة الحوار والتفاهم. إن اتفاق بريتوريا ليس مجرد وثيقة سياسية، بل فرصة لبناء مستقبل جديد يقوم على التعايش واحترام القانون والعمل المشترك من أجل التنمية.

إن الحفاظ على السلام يتطلب التزامًا من جميع الأطراف، ودعمًا مستمرًا من الاتحاد الإفريقي وشركاء القارة، حتى لا تضيع التضحيات التي بُذلت من أجل إنهاء الحرب.

وفي هذه المرحلة الحساسة، ينبغي أن تكون الرسالة واضحة: لا للحرب، نعم للسلام. لا للتصعيد، نعم للحوار. لا لإراقة الدماء، نعم لبناء المستقبل.

إن إفريقيا التي تسعى إلى تحقيق أجندة 2063، وإقامة منطقة التجارة الحرة القارية، وتعزيز التكامل الاقتصادي، لا يمكنها أن تسمح بعودة النزاعات التي تعطل التنمية وتبدد آمال الشعوب. ولهذا، فإن الوقت قد حان لتجديد الالتزام باتفاق بريتوريا، ودعم كل جهد يسهم في تثبيت السلام، لأن مستقبل إثيوبيا المزدهر سيكون مكسبًا لإفريقيا بأسرها، ورسالة قوية تؤكد أن القارة قادرة على حل تحدياتها بالحوار والتعاون، لا بالحرب والسلاح.