ليست البحرين وطناً عادياً يمكن الحديث عنه بلغة الأرقام والجغرافيا فقط، فهي أكبر من حدود المكان، وأعمق من وصفٍ عابر، البحرين وطن يسكن وجدان أبنائه والمقيمين فيه، ويقيم في ذاكرتهم اليومية، لذلك كان طبيعياً أن تتحول البحرين إلى قصيدة، وإلى أغنية، وإلى حنين دائم يتردد في القلوب قبل الأصوات.
في البحرين، لا ينفصل حب الوطن عن تفاصيل الحياة، البحر حاضر في الروح، والنخيل شاهد على الصبر والعطاء، والناس يصنعون من البساطة جمالاً ومن التكاتف قوة، ولهذا أحبها أبناؤها حباً صادقاً ونحن المقيمون ايضا، ليس حب الشعارات المؤقتة بل حب التجربة والمعايشة والانتماء الحقيقي، ومن هنا جاءت الأغنيات الوطنية البحرينية لتكون ترجمة صادقة لما يشعر به الناس تجاه وطنهم.
حين يردد الفنان الكبير ابراهيم حبيب:
تبين عيني… لچ عيوني…
أنا وكل ما أملك…فدا أرضچ يا شوق إللي إذا أبعد يناديني
يقول أنت عزيز الراس… وأهلك من أعز الناس
يا ساحل البحرين… يا ريحة هلي الطيبين…
أشمك طيب كل عمري… يا أغلى من نظير العين..
يا دانة كل مداينها… أهي مني وأنا منها…
يا شوق إللي إذا أبعد يناديني…
إن العبارة لا تبدو مجرد كلمات، بل شهادة فخر وهوية، أن تكون بحرينياً يعني أن تنتمي إلى أرضٍ عزيزة الرأس، وإلى شعب عُرف بالكرم والمروءة والانفتاح والمحبة، وحين يصدح صوت إبراهيم حبيب بهذا المعنى، فإنه يمنح الانتماء لحناً يلامس القلب.
وفي أعمال أخرى، تبدو البحرين أماً حنوناً وداراً لا تغلق أبوابها، كما في الصور التي قدمها الفنان خالد الشيخ التي صاغها حبا وهياما الشاعر الكبير علي الشرقاوي متعه الله بالصحة والعافية، حيث تظهر البحرين حلماً وسنداً وأملاً وموعداً غالياً
في العالي ولا انطفى نورج
انتي حلمنا وانتي سندنا
وانتي املنا ياوعدنا الغالي تاج(ن)
على راسي يا بحريني اسم(ن)
نبع بالشوق هذا صوتي
وهذي مواويلي وهذي امجادي
وهذا تاريخي ياغاليه في القلب والعين
صوتج ضوى نجمة يناديني
لين اظلمت دنياي وسنيني
يا اول الافراح في عيني
لمه فرح وياج تكفيني
انتي الأبو والأم وعيالي
وانتي كلام النور في بالي
وانتي الهوى في اول وتالي
أحلى الاسامي انتي يا بحرين
أما صوت أحمد الجميري، فقد ظل جزءاً من ذاكرة الوطن الجميلة، يحمل دفء المكان وصدق المحبة، وهكذا لم تكن الأغنية في البحرين فناً فقط، بل وثيقة وجدانية تحفظ مشاعر الناس تجاه وطنهم:
أنتَ يا سيدَ الحنينْ
يا بحرينْ.. يا بحرينْ
يا حبيبةْ.. يا قريبةْ
في حنايا الروحِ، في نبضِ الوتينْ
أنتِ يا بحرَ المدى
يا قصيدةْ.. يا وليدةْ
في عيونِ الشوقِ، في نبضِ المدى
يا بحرينْ.. يا بحرينْ
في كلِ أرضٍ، في كلِ دارْ
صوتُكِ العالي، كضوءِ النهارْ
يا حبيبةْ.. يا قريبةْ
في حنايا الروحِ، في نبضِ الوتينْ
يا بحرينْ.. يا بحرينْ
أنتِ يا أرضَ الجدودْ
يا سنابلَ.. يا جداولْ
في قلوبِ العشقِ، في نبضِ الوجودْ
يا بحرينْ.. يا بحرينْ
البحرين وطن عظيم في أثره على قلوب أهله ومحبيه، وكلما غنّى أبناؤها لها، كانوا في الحقيقة يردّدون ما يسكن أعماقهم منذ زمن “أن البحرين ليست مجرد وطن نعيش فيه، بل وطن نعيش به”.
(بلد عيني) غناها الفنان الخالد المقيم علي بحر مع الأخوة البحرينية:
بلد عيني بلد قلبي بلد روحي
بلد مثل عشق ما ينقسم نصين
بلد أصلي بلد فصلي وبلد أهلي
شكل البحر فوق سما بحرين
خلود بلد عيني وبلد قلبي
لهذا ستبقى البحرين تُحَب، وتُروى، وتُغنّى… لأن بعض الأوطان لا تكفيها الكلمات العادية، بل تحتاج إلى لحن، والبحرين مثل الصندل، كلما اشتدت عليها المحن والتحديات ازداد طيبها وفاح أثرها، فتخرج من المحن أكثر قوةً وأجمل حضوراً.