الرئيسية / أخبار / البحرين الصغيرة.. كبيرة الحضور..راسخة في وجه العواصف..بقلم خالد أبوأحمد

البحرين الصغيرة.. كبيرة الحضور..راسخة في وجه العواصف..بقلم خالد أبوأحمد

يدرك الصحفي المقيم في البحرين لسنوات طويلة، بحسّه المهني وتراكم معايشته اليومية للأحداث، حجمَ الاستهداف الممنهج الذي تتعرض له مملكة البحرين لا لشيء سوى أنها أضحت نموذجاً حياً وعالمياً في التطور ودولةَ المؤسسات والمنجزات، وأنا إذ أكتب هذه الكلمات فإنني لا أكتبها من موقع المجامل أو المزايد، بل من موقع الشاهد الذي عاش هذا الحضور وتشرّب تفاصيله على مدى ستة وعشرين عاماً، عملت خلالها في مهنة “ديسك الأخبار” في عدد من الصحف البحرينية، ثم رئيس تحرير بوكالة أنباء البحرين (بنا) لست سنوات متواصلة، ومن يعمل في ديسك الأخبار يعلم جيداً أن طبيعة هذه المهمة تعني استيعاب كل ما يجري في البلاد لحظةً بلحظة، وإعادة صياغته وفق الأسس المهنية المتعارف عليها، مما يجعل صاحبها على اطلاع دائم وشامل بمسار الأحداث وتحولاتها.

من هذا الموقع تحديداً جاءت المقارنة التلقائية والعفوية في ذهني بين ما تحقق في البحرين من تطورات إيجابية لفتت أنظار العالم وبين ما يجري في محيطها الخليجي والعربي، فكنت أرى البحرين متقدمة كثيراً على كل الأرقام ولا تزال متميزة ومتفردة حتى على المستوى الدولي بما تملكه من إمكانيات بشرية وفكرية وذهنية رفعتها إلى هذه المكانة الكبيرة.

شاهد على العصر..!

ومن حسن الطالع أنني شهدت بنفسي التصويت على ميثاق العمل الوطني الذي أطلقه جلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة حفظه الله ورعاه، ذلك الميثاق التأسيسي الذي أعاد رسم ملامح الدولة وانتقل بالبحرين إلى مصاف الدول المتقدمة، ومنذ عام 2001 وحتى اليوم والبحرين تسير بثبات في طريق طفرة غير مسبوقة لمست كل مجال من مجالات الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والرياضية دون استثناء، وقد عشت ذلك بنفسي بل كنت جزءاً من العديد من الأحداث التاريخية التي مرّت بها البحرين. والأرقام والمؤشرات والمناصب الدولية تتحدث عن نفسها بأعلى من كل صوت، ففي عام 2026 وحده تتولى مملكة البحرين حزمةً استثنائية من الرئاسات والمناصب الإقليمية والدولية التي تعكس ثقلها الدبلوماسي المتنامي؛ إذ تترأس مجلس منظمة الجمارك العالمية.

تولت البحرين رئاسة مجلس الأمن الدولي التابع للأمم المتحدة لشهر أبريل 2026 المنصرم في إطار عضويتها غير الدائمة في المجلس للفترة 2026-2027، وتتقلد الرئاسة الدورية لمجلس التعاون لدول الخليج العربية، فضلاً عن رئاسة المجلس الوزاري لجامعة الدول العربية في دورته الخامسة والستين بعد المئة، كما ترأست البرلمان العربي لدورتين، واستضافت (المنامة) أعمال الجمعية العامة الـ146 للاتحاد البرلماني الدولي وحققت نجاحا كبيرا في هذا المجال الذي أكد على رسوخ الدبلوماسية البرلمانية لمملكة البحرين وتأثيرها الدولي والإقليمي، وتقود  البحرين المنظمة الدولية للفن الشعبي لفترتين متتاليتين بعد أن اعتُمدت المنامة مقراً رئيسياً لقيادة المنظمة عالمياً، ويرأس هذه المنظمة العالمية الأستاذ الاديب والشاعر علي عبدالله خليفة وهو شخصية مرموقة في مجاله على مستوى العالم.

يُضاف إلى كل ذلك أن البحرين تشغل منصب النائب الأول للاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) كما تترأس الاتحاد الآسيوي لكرة القدم منذ عام 2013، والبحرين تقود هذا المجال بخبرة وحنكة لمعالي الشيخ سلمان بن ابراهيم آل خليفة الذي أصبح من أعلام الرياضة العالمية بشخصيته المعروفة بالتميز الإداري ومعرفته بالأسس التي تدار بها كرة القدم عالميا وقد أضاف لهذه الرياضة بعدا حضاريا يتسم بالنزاهة والشفافية.

مملكة البحرين قادت في مارس 2026 التحركات الدولية في مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة نيابةً عن دول مجلس التعاون الخليجي والأردن، للدفع نحو عقد مناقشات عاجلة لحماية المدنيين في الحروب، إن هذا الحضور الاستثنائي في المحافل الدولية هو نتاج تراكم منهجي للسياسة الحكيمة لحضرة صاحب الجلالة الملك وولي عهده حفظهم الله ورعاهم، سياسة محكمة قامت على مبدأ ثابت: أن البحرين تمتلك رصيداً كبيراً ومشهوداً به في عراقة الدبلوماسية والصلات الطيبة والمصالح المشتركة التي تخدم وتبني وتؤسس لواقع جديد، وقد تُرجم ذلك على أرض الواقع حين استضافت المنامة في مايو 2024 قمة جامعة الدول العربية في دورتها الثالثة والثلاثين، وهي المرة الأولى في تاريخها التي تستضيف فيها اجتماع مجلس الجامعة على مستوى القمة.

وتواصل مملكة البحرين استضافة (حوار المنامة) سنوياً، ذلك المنتدى الأمني الدولي الذي يُعدّ القمة الأمنية الأولى في الشرق الأوسط، ويجمع رؤساء الحكومات ووزراء الدفاع والخارجية ومستشاري الأمن القومي ورؤساء الجيوش والأجهزة الاستخباراتية من شتى أنحاء العالم على طاولة حوار واحدة في المنامة.

حديث الأرقام..

وإذا انتقلنا من الدبلوماسية إلى الاقتصاد وجدنا الصورة لا تقل إشراقاً؛ فمملكة البحرين تضم أكثر من 374 مؤسسة مالية متنوعة بين مصارف تقليدية وإسلامية وشركات تأمين، وتُعدّ مركزاً عالمياً للصيرفة الإسلامية ومركزاً إقليمياً لتقنيات التكنولوجيا المالية عبر مبادرات من قبيل “خليج البحرين للتكنولوجيا المالية”، كما تمتلك أحد أكبر مصاهر الألومنيوم في العالم من خلال (شركة ألبا)، التي تجعل الصناعات التحويلية ركيزةً أساسية تُسهم بنحو 14.2% من الناتج المحلي الإجمالي. وعلى صعيد بيئة الأعمال، أتاحت المملكة التملّك الأجنبي بنسبة 100% في معظم قطاعاتها الاقتصادية، وتتميز بتكاليف تشغيلية منخفضة وسهولة في إجراءات تأسيس الأعمال، حتى تصدّرت المركز الأول عالمياً في مؤشري حرية النقد وعبء الضرائب وفق مؤشر الحرية الاقتصادية لعام 2026. وفي ميدان الرقمنة، حققت البحرين المركز السابع عالمياً والثالث عربياً في مؤشر تنمية تقنية المعلومات والاتصالات الصادر عن الاتحاد الدولي للاتصالات لعام 2023، وهو ما يتسق مع حضورها في منظمة التعاون الرقمي التي تُعدّ أحد أعضائها المؤسسين.

قِبلة التعايش السلمي

أن ما يُميّز البحرين تميزاً حقيقياً عن سواها لا يُكّمن في الأرقام وحدها، بل في المنظومة القيمية التي تحتضنها وتُشعّ بها للعالم، فالبحرين منارة للتعايش السلمي بمفهومه الأعمق والأكثر حيوية؛ إذ هي البلد العربي الوحيد الذي يتعايش فيه المسلم مع اليهودي مع المسيحي ومع أصحاب كل الطوائف والمعتقدات، فتجد فيها الكنيس اليهودي على مقربة من المسجد، والكنيسة في جوار دور العبادة الأخرى في محبة وتآخي وتوادد، وجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة ليس فقط حاكماً يدير شؤون دولة، بل هو معماري لفلسفة تعايش أثبتت صمودها في وجه أعتى موجات الاستقطاب الديني والمذهبي التي اجتاحت المنطقة، وتجلّت هذه الفلسفة في تأسيسه مركز الملك حمد العالمي للتعايش السلمي، وكرسي الملك حمد للحوار بين الأديان في جامعة سابينزا الإيطالية العريقة، وفي رؤيته الثاقبة في مجال التعايش السلمي اتسع هذه الرؤية عمليا على امتداد واسع من التأثير في القرية الكونية التي نعيش فيها.

قد يظن البعض أن الدُول الصغيرة في مساحتها الجغرافية تكون بعيدة عن دوائر الاستهداف والصراع، بيد أن تجربة البحرين تثبت العكس تماماً، فالبحرين تُستهدف بسبب قوتها النسبية وموقعها وحضورها العالمي ودورها المؤثر؛ إذ يمنحها موقعها في قلب الخليج العربي، حيث تمر أهم خطوط الطاقة والتجارة العالمية، قيمةً جيوسياسية تتجاوز حدودها الجغرافية بمراحل، ويُضاف إلى ذلك نجاحها في بناء نموذج داخلي يقوم على الدولة الحديثة والمؤسسات والانفتاح الاقتصادي والتعايش المجتمعي، وهو نموذج ناجح يُزعج القوى التي تستثمر في الفوضى والانقسام.

تميز المنظومة الأمنية والدفاعية

لا يكتمل الحديث عن رسوخ البحرين في وجه العواصف دون الإشارة إلى المنظومة الدفاعية والأمنية التي أثبتت جدارتها في أحلك اللحظات؛ فقد خاضت قوة دفاع البحرين بكفاءة عالية وببسالة لا تُنكر مواجهة الهجمات الإيرانية الغاشمة، وأسقطت بيقظتها وجاهزيتها العملياتية كل محاولات الاختراق والإيذاء، مؤكدةً أن هذه المملكة تملك من الإرادة والقوة ما يجعلها عصية على كل من يحاول النيل منها. وفي الوقت ذاته أدّت الأجهزة الأمنية دورها بامتياز في ترسيخ الأمن النفسي والاجتماعي بين المواطنين، محافظةً على تماسك النسيج الوطني وسكينة المجتمع في مواجهة موجات الاستهداف والإرباك، مما يُثبت أن البحرين دولة راسخة لا تُبنى قوتها على الحضور الدولي وحده، بل على منظومة متكاملة من الأمن والاستقرار والثقة بالنفس.

حفظ الله مملكة البحرين قيادة وشعبا من كل شر ومن كل مكروه، ووفق قادتها لتحقيق التنمية والتطور والازدهار.