البحرين الرابعة عربياً والحادية عشرة عالمياً: قراءة في أسباب النجاح الأمني
تقرير البحرين/المنامة/ جاء في صحيفة (البلاد) عبر موقعها الالكترون عصر اليوم الجمعة خبرا مفاده أن مملكة البحرين حلّت في المركز الرابع عربياً والحادي عشر عالمياً ضمن مؤشر Numbeo العالمي للأمان لمنتصف عام 2026، بعدما سجلت المملكة 77.7 نقطة من أصل 100 في مؤشر الأمان، مقابل 22.3 نقطة فقط في مؤشر الجريمة، ولم تتقدم عليها عربياً سوى الإمارات وقطر وسلطنة عُمان. وهذا الإنجاز ثمرة رعاية ملكية سامية للملف الأمني، وجهود وزارة الداخلية وجهاز الأمن الوطني معاً، في منظومة عمل متكاملة رسّخت الاستقرار وبسطت الطمأنينة بين المواطنين والمقيمين على حد سواء.
يحظى الملف الأمني في مملكة البحرين باهتمام مباشر ومتواصل من لدن حضرة صاحب الجلالة الملك، وسمو ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، انطلاقاً من إيمان راسخ بأن الأمن ركيزة أساسية لا غنى عنها لتحقيق التنمية المستدامة وجذب الاستثمار وضمان استقرار مسيرة البناء والتحديث التي تشهدها المملكة. وتعكس النظرة الثاقبة لجلالة الملك إدراكاً عميقاً بأن الاستقرار الأمني هو الأساس الذي تُبنى عليه كل مكتسبات التنمية الاقتصادية والاجتماعية.
وقد أثمرت هذه الرؤية جهوداً مشهودة قادها معالي الفريق الركن الشيخ راشد بن عبدالله آل خليفة، وزير الداخلية، في تطوير المنظومة الأمنية البحرينية وتحديثها بما يواكب المتغيرات، وترجمة التوجيهات الملكية إلى سياسات وبرامج عملية أثمرت هذا التقدم الملموس في المحافل الدولية.
جهاز الأمن الوطني: خط دفاع استباقي
إلى جانب الدور الميداني المباشر لوزارة الداخلية، يضطلع جهاز الأمن الوطني بدور جوهري في حماية أمن واستقرار المملكة، من خلال الرصد الاستخباراتي المبكر وتحليل المخاطر قبل تفاقمها، بما يوفر طبقة حماية إضافية تعمل في تكامل تام مع الأجهزة الأمنية التنفيذية. وهذا التنسيق بين الجهدين الاستخباراتي والتنفيذي هو ما يمنح المنظومة الأمنية البحرينية قدرتها على استباق التهديدات بدل الاكتفاء بمواجهتها بعد وقوعها، ويفسر إلى حد بعيد ثبات معدلات الأمان وانخفاض الجريمة رغم التحديات الإقليمية المحيطة بالمملكة.
اللافت في هذا التصنيف أنه يمثل حصيلة مسار تصاعدي ممتد، إذ ارتقت مملكة البحرين من المركز السادس عشر عالمياً برصيد 75.2 نقطة في منتصف عام 2024، إلى المركز الخامس عشر برصيد 76.2 نقطة في منتصف عام 2025، وصولاً إلى المركز الحادي عشر في تصنيف منتصف عام 2026، بزيادة إجمالية بلغت 2.5 نقطة وتقدم خمس مراتب خلال عامين. هذا الثبات في التحسن يعكس عملاً مؤسسياً ممنهجاً لا يعتمد على إجراءات آنية، بل على سياسات أمنية متجددة تراكم نتائجها عاماً بعد عام.
كما اقتربت نتائج البحرين من المستويات التي سجلتها اليابان وسنغافورة، وهما من أكثر الدول تقدماً في العالم على صعيد الأمن والنظام العام، ما يضع التجربة البحرينية في مصاف تجارب دولية رائدة رغم الفوارق في الحجم والإمكانيات.
النموذج البحريني المتفرد: الشراكة الأمنية المجتمعية
من أبرز ما يميز التجربة الأمنية البحرينية عن كثير من التجارب الإقليمية، تبنّيها لفلسفة “الشراكة الأمنية” بدلاً من الاكتفاء بالنهج الأمني التقليدي القائم على الردع فقط. ويأتي في قلب هذا النموذج دور شرطة المجتمع، التي تمثل حلقة الوصل المباشرة بين رجل الأمن والمواطن والمقيم في الحي والمنطقة السكنية، بما يرسّخ الشعور اليومي بالأمان قبل أن تكون هناك حاجة للتدخل الأمني الكلاسيكي.
وهذا النهج التشاركي يفسر إلى حد بعيد التطابق اللافت بين الانطباع الشعبي الذي رصده مؤشر Numbeo والبيانات الرسمية الصادرة عن وزارة الداخلية، والتي تشير إلى انخفاض معدلات الجريمة في البحرين بنسبة 30% خلال الأعوام الخمسة والعشرين الماضية، فيما شكلت قضايا المخدرات أقل من 3% من إجمالي القضايا الجنائية. فحين يشعر المواطن بأن رجل الأمن قريب منه شريك له لا مجرد سلطة رادعة، تنعكس هذه الثقة مباشرة في تصوراته عن الأمان، كما تنعكس في الأرقام الرسمية للجريمة.
ولا يمكن فصل نجاح هذا النموذج التشاركي عن المستويات العالية من التدريب والتأهيل التي يخضع لها كافة منسوبي شرطة البحرين، والتي تؤهلهم للجمع بين الكفاءة المهنية العالية والقدرة على التواصل الإنساني مع أفراد المجتمع.
أظهرت نتائج الاستطلاع ارتفاع مستويات الشعور بالأمان، حيث بلغ مؤشر السلامة عند المشي منفرداً خلال ساعات النهار نحو 87 نقطة، فيما سجل نحو 76 نقطة خلال الليل، كما جاءت مستويات القلق من السرقة والاعتداء وسرقة المركبات والمنازل ضمن الفئات المنخفضة أو المنخفضة جداً. وهذا المؤشر يقيس الأمن كما يعيشه الناس فعلياً في تفاصيل يومهم، لا كما تصفه التقارير الرسمية فقط.
وتبرز في هذا السياق إدارة الإعلام الأمني بوزارة الداخلية كمنظومة رائدة أسهمت في ترجمة هذه الإنجازات الأمنية إلى وعي مجتمعي راسخ، من خلال حملاتها التوعوية المستمرة وتواصلها المباشر مع الجمهور عبر مختلف المنصات، وحرصها على تقريب صورة رجل الأمن من المواطن والمقيم، بما عزز الثقة المتبادلة بين المؤسسة الأمنية والمجتمع، وشكّل رافداً أساسياً في هذا التقدم الذي سجلته المملكة عالمياً.
ثقة متبادلة بين القيادة والمؤسسة والشعب
يشكّل هذا الإنجاز حصيلة معادلة متكاملة الأطراف: قيادة حكيمة تضع الأمن في صدارة أولوياتها الاستراتيجية باعتباره شرطاً لا غنى عنه لأي تنمية مستدامة، ووزارة داخلية وجهاز أمن وطني يترجمان هذه الرؤية إلى سياسات وبرامج ونماذج عمل غير تقليدية كشرطة المجتمع، ومجتمع بحريني ومقيمون يبادلون هذا الجهد بثقة واحترام وتقدير ينعكسان في شعورهم اليومي بالأمان.
إن تقدم مملكة البحرين خمس مراتب عالمياً خلال عامين فقط في مؤشر بحجم Numbeo يعُد شهادة دولية مستقلة على نجاح نموذج أمني بحريني يجمع بين الرعاية الملكية السامية، والإدارة الحصيفة لوزارة الداخلية، والدور الاستخباراتي لجهاز الأمن الوطني، والشراكة المجتمعية الحقيقية عبر شرطة المجتمع، والكفاءة العالية لمنسوبي الجهاز الأمني. وهو نجاح يستحق أن يُبنى عليه ويُستثمر في ترسيخ صورة البحرين كوجهة آمنة للعيش والعمل والاستثمار والزيارة.