أغلب الأسر البحرينية لها كبير تقصده، أب أو أخ أكبر أو أخت كبرى سلطته ليست في أمر يصدره، وإنّما في أنّ أهل البيت يثقون به معًا، فيجلس ويستمع وقد يطيل الاستماع، ثم يقول رأيه فيجد فيه صاحب الأمر مخرجًا لم يبصره وحده. وفي بيت والدي عشت هذا ومازلت. والذي يتعلّمه الصغير في ذلك المجلس أكبر ممّا يبدو عليه، فهو يرى رأيًا يخالف هواه ويقبله عن رضا، ويرى أخاه يُسمَع كما سُمِع هو. هذه أول مدرسة يتعلّم فيها الإنسان أن يحتمل من يخالفه.
ومن هذا الباب يبدأ كل ما يُقال عن التعايش، الطفل الذي تعود في بيته أن يُنصت لمن يخالفه يخرج إلى الجوار فيلعب مع من يختلف عنه في اللسان والدار، ثم يدخل المدرسة فيجلس إلى جوار من تختلف عائلته عن عائلته، ثم يصير رجلًا يعمل مع أهل بلاد شتّى ولا يجد في ذلك عناء. والذي لم يتدرّب على هذا في صغره يجد الأمر كلّه ثقيلًا عليه في كبره.
وأنا ابنة المنامة تعلّمته قبل أن أعرف له اسمًا مشيت في فرجانها وزرانيقها فرأيت المسجد والمأتم والكنيسة والمعبد في مساحة يقطعها الماشي في دقائق، ورأيت أهلها يمرّون بينها كأنّها من طبائع المكان. والطفل الذي ينشأ على هذا المنظر يحمله معه إلى آخر عمره، فما تراه العين في الصغر يستقرّ حيث لا يبلغه الدرس.
وقد عرف الأولون أنّ هذا الخُلق يُتعلَم. قال أرسطو إنّ الإنسان لا يولد كريمًا ولا عادلًا، وإنّما يصير كذلك بتكرار الفعل حتى يعتاده. وقبله بنحو قرن قال حكيم الصين كونفوشيوس إن إصلاح الناس يبدأ من تربيتهم، ووضع قاعدة قصيرة، وهي ألّا يفعل المرء بغيره ما يكره أن يُفعل به. رجل في اليونان ورجل في الصين، ولا يعرف أحدهما الآخر، وقالا الكلام نفسه. والأديان قالته أيضًا كل واحد بلسانه. وما يتّفق عليه الناس في أماكن متباعدة يكون قاعدة في حياة البشر جميعًا، لا عادة في بلد واحد.
وقبل أيام قرأت أنّ باب الترشح فُتح للدورة الأولى من جائزة الملك حمد للتعايش والتسامح، وأنّ المرصود لها مليون دولار، وأنّها تُمنح لمن قدّم إسهامًا استثنائيًا في التقريب بين أتباع الأديان والثقافات. وفي هذا التقدير معنى يستحق الوقوف عنده، فقد وُضع التقريب بين الناس في مرتبة اكتشاف الدواء وتأليف الكتاب، وهي مرتبة الأعمال التي يُرى أثرها ويُمسك باليد.
ولهذا العمل صعوبة تخصّه وحده. الطبيب يشير إلى مريض شُفي على يديه، والمهندس يشير إلى جسر قائم يمرّ الناس عليه، ولكل منهما دليل يُرى. أمّا الذي يقرّب بين الناس فثمرة عمله أن شيئًا لم يقع. خصومة لم تبدأ، وسوء ظن انطفأ قبل أن يتحوّل إلى قطيعة، وباب بقي مفتوحا بين جارين. هذه كلّها لا تُصوَّر ولا تُحصى، ولا يعرف بها أحد سوى صاحبها. والجائزة تكرّم هذا النوع من العمل، أي أنّها تكافئ على ما مُنِع لا على ما أُنجز، وهذا أنبل ما فيها وأصعبه في آن واحد.
والذين يجلسون إلى طاولات الحوار بين الحضارات لم يولدوا على تلك الطاولات. كل واحد منهم كان طفلًا في بيت، وتعلّم الإنصات فيه أو لم يتعلّمه، ثم حمل ما تعلّمه إلى مجلسه الكبير بعد أربعين سنة. الجائزة تكرّم آخر حلقة في سلسلة أولها بيت، والحلقة الأولى هي التي تصنع ما بعدها.
والذي أدعو إليه أن تُصرف عناية أكبر إلى هذه الحلقة الأولى. صفوف مدارسنا تضمّ منذ عقود خليطًا من البيوت والألسنة والجنسيات، والبيت هو الذي يقرّر ما يصنعه الطفل بهذا الخليط. الأب الذي يسمع ابنه إلى آخر كلامه يعلّمه أكثر ممّا تعلّمه حصة كاملة، والأم التي ترسل الصحن إلى الجيران في عيدهم تضع في يد ابنتها درسًا لا يُنسى. وهذا كلّه قليل الكلفة بعيد الأثر، ولا يظهر أثره في السنة التي يُبذل فيها.
وما تحمله البحرين إلى المحافل الدولية يبدأ من هذه المواضع الصغيرة. مجلس فيه كبير يُنصت، وبيت يتعلّم فيه الطفل أن يخالف أخاه بلا خصومة، وجيرة تُفتح فيها الأبواب على اختلاف أهلها. من هذا الباب الصغير تُبنى الفكرة الكبيرة التي تكرّمها الجائزة.
قانونية وكاتبة بحرينية
rajabnabeela@gmail.com
عن صحيفة (أخبار الخليج) البحرينية