الرئيسية / أخبار / جائزة الملك حمد للتعايش والتسامح ورسالتها الحضارية..بقلم نبيلة رجب

جائزة الملك حمد للتعايش والتسامح ورسالتها الحضارية..بقلم نبيلة رجب

أغلب‭ ‬الأسر‭ ‬البحرينية‭ ‬لها‭ ‬كبير‭ ‬تقصده،‭ ‬أب‭ ‬أو‭ ‬أخ‭ ‬أكبر‭ ‬أو‭ ‬أخت‭ ‬كبرى‭ ‬سلطته‭ ‬ليست‭ ‬في‭ ‬أمر‭ ‬يصدره،‭ ‬وإنّما‭ ‬في‭ ‬أنّ‭ ‬أهل‭ ‬البيت‭ ‬يثقون‭ ‬به‭ ‬معًا،‭ ‬فيجلس‭ ‬ويستمع‭ ‬وقد‭ ‬يطيل‭ ‬الاستماع،‭ ‬ثم‭ ‬يقول‭ ‬رأيه‭ ‬فيجد‭ ‬فيه‭ ‬صاحب‭ ‬الأمر‭ ‬مخرجًا‭ ‬لم‭ ‬يبصره‭ ‬وحده‭. ‬وفي‭ ‬بيت‭ ‬والدي‭ ‬عشت‭ ‬هذا‭ ‬ومازلت‭. ‬والذي‭ ‬يتعلّمه‭ ‬الصغير‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬المجلس‭ ‬أكبر‭ ‬ممّا‭ ‬يبدو‭ ‬عليه،‭ ‬فهو‭ ‬يرى‭ ‬رأيًا‭ ‬يخالف‭ ‬هواه‭ ‬ويقبله‭ ‬عن‭ ‬رضا،‭ ‬ويرى‭ ‬أخاه‭ ‬يُسمَع‭ ‬كما‭ ‬سُمِع‭ ‬هو‭. ‬هذه‭ ‬أول‭ ‬مدرسة‭ ‬يتعلّم‭ ‬فيها‭ ‬الإنسان‭ ‬أن‭ ‬يحتمل‭ ‬من‭ ‬يخالفه‭.‬

ومن‭ ‬هذا‭ ‬الباب‭ ‬يبدأ‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬يُقال‭ ‬عن‭ ‬التعايش،‭ ‬الطفل‭ ‬الذي‭ ‬تعود‭ ‬في‭ ‬بيته‭ ‬أن‭ ‬يُنصت‭ ‬لمن‭ ‬يخالفه‭ ‬يخرج‭ ‬إلى‭ ‬الجوار‭ ‬فيلعب‭ ‬مع‭ ‬من‭ ‬يختلف‭ ‬عنه‭ ‬في‭ ‬اللسان‭ ‬والدار،‭ ‬ثم‭ ‬يدخل‭ ‬المدرسة‭ ‬فيجلس‭ ‬إلى‭ ‬جوار‭ ‬من‭ ‬تختلف‭ ‬عائلته‭ ‬عن‭ ‬عائلته،‭ ‬ثم‭ ‬يصير‭ ‬رجلًا‭ ‬يعمل‭ ‬مع‭ ‬أهل‭ ‬بلاد‭ ‬شتّى‭ ‬ولا‭ ‬يجد‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬عناء‭. ‬والذي‭ ‬لم‭ ‬يتدرّب‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬في‭ ‬صغره‭ ‬يجد‭ ‬الأمر‭ ‬كلّه‭ ‬ثقيلًا‭ ‬عليه‭ ‬في‭ ‬كبره‭.‬

وأنا‭ ‬ابنة‭ ‬المنامة‭ ‬تعلّمته‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬أعرف‭ ‬له‭ ‬اسمًا‭ ‬مشيت‭ ‬في‭ ‬فرجانها‭ ‬وزرانيقها‭ ‬فرأيت‭ ‬المسجد‭ ‬والمأتم‭ ‬والكنيسة‭ ‬والمعبد‭ ‬في‭ ‬مساحة‭ ‬يقطعها‭ ‬الماشي‭ ‬في‭ ‬دقائق،‭ ‬ورأيت‭ ‬أهلها‭ ‬يمرّون‭ ‬بينها‭ ‬كأنّها‭ ‬من‭ ‬طبائع‭ ‬المكان‭. ‬والطفل‭ ‬الذي‭ ‬ينشأ‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬المنظر‭ ‬يحمله‭ ‬معه‭ ‬إلى‭ ‬آخر‭ ‬عمره،‭ ‬فما‭ ‬تراه‭ ‬العين‭ ‬في‭ ‬الصغر‭ ‬يستقرّ‭ ‬حيث‭ ‬لا‭ ‬يبلغه‭ ‬الدرس‭.‬

وقد‭ ‬عرف‭ ‬الأولون‭ ‬أنّ‭ ‬هذا‭ ‬الخُلق‭ ‬يُتعلَم‭. ‬قال‭ ‬أرسطو‭ ‬إنّ‭ ‬الإنسان‭ ‬لا‭ ‬يولد‭ ‬كريمًا‭ ‬ولا‭ ‬عادلًا،‭ ‬وإنّما‭ ‬يصير‭ ‬كذلك‭ ‬بتكرار‭ ‬الفعل‭ ‬حتى‭ ‬يعتاده‭. ‬وقبله‭ ‬بنحو‭ ‬قرن‭ ‬قال‭ ‬حكيم‭ ‬الصين‭ ‬كونفوشيوس‭ ‬إن‭ ‬إصلاح‭ ‬الناس‭ ‬يبدأ‭ ‬من‭ ‬تربيتهم،‭ ‬ووضع‭ ‬قاعدة‭ ‬قصيرة،‭ ‬وهي‭ ‬ألّا‭ ‬يفعل‭ ‬المرء‭ ‬بغيره‭ ‬ما‭ ‬يكره‭ ‬أن‭ ‬يُفعل‭ ‬به‭. ‬رجل‭ ‬في‭ ‬اليونان‭ ‬ورجل‭ ‬في‭ ‬الصين،‭ ‬ولا‭ ‬يعرف‭ ‬أحدهما‭ ‬الآخر،‭ ‬وقالا‭ ‬الكلام‭ ‬نفسه‭. ‬والأديان‭ ‬قالته‭ ‬أيضًا‭ ‬كل‭ ‬واحد‭ ‬بلسانه‭. ‬وما‭ ‬يتّفق‭ ‬عليه‭ ‬الناس‭ ‬في‭ ‬أماكن‭ ‬متباعدة‭ ‬يكون‭ ‬قاعدة‭ ‬في‭ ‬حياة‭ ‬البشر‭ ‬جميعًا،‭ ‬لا‭ ‬عادة‭ ‬في‭ ‬بلد‭ ‬واحد‭.‬

وقبل‭ ‬أيام‭ ‬قرأت‭ ‬أنّ‭ ‬باب‭ ‬الترشح‭ ‬فُتح‭ ‬للدورة‭ ‬الأولى‭ ‬من‭ ‬جائزة‭ ‬الملك‭ ‬حمد‭ ‬للتعايش‭ ‬والتسامح،‭ ‬وأنّ‭ ‬المرصود‭ ‬لها‭ ‬مليون‭ ‬دولار،‭ ‬وأنّها‭ ‬تُمنح‭ ‬لمن‭ ‬قدّم‭ ‬إسهامًا‭ ‬استثنائيًا‭ ‬في‭ ‬التقريب‭ ‬بين‭ ‬أتباع‭ ‬الأديان‭ ‬والثقافات‭. ‬وفي‭ ‬هذا‭ ‬التقدير‭ ‬معنى‭ ‬يستحق‭ ‬الوقوف‭ ‬عنده،‭ ‬فقد‭ ‬وُضع‭ ‬التقريب‭ ‬بين‭ ‬الناس‭ ‬في‭ ‬مرتبة‭ ‬اكتشاف‭ ‬الدواء‭ ‬وتأليف‭ ‬الكتاب،‭ ‬وهي‭ ‬مرتبة‭ ‬الأعمال‭ ‬التي‭ ‬يُرى‭ ‬أثرها‭ ‬ويُمسك‭ ‬باليد‭.‬

ولهذا‭ ‬العمل‭ ‬صعوبة‭ ‬تخصّه‭ ‬وحده‭. ‬الطبيب‭ ‬يشير‭ ‬إلى‭ ‬مريض‭ ‬شُفي‭ ‬على‭ ‬يديه،‭ ‬والمهندس‭ ‬يشير‭ ‬إلى‭ ‬جسر‭ ‬قائم‭ ‬يمرّ‭ ‬الناس‭ ‬عليه،‭ ‬ولكل‭ ‬منهما‭ ‬دليل‭ ‬يُرى‭. ‬أمّا‭ ‬الذي‭ ‬يقرّب‭ ‬بين‭ ‬الناس‭ ‬فثمرة‭ ‬عمله‭ ‬أن‭ ‬شيئًا‭ ‬لم‭ ‬يقع‭. ‬خصومة‭ ‬لم‭ ‬تبدأ،‭ ‬وسوء‭ ‬ظن‭ ‬انطفأ‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يتحوّل‭ ‬إلى‭ ‬قطيعة،‭ ‬وباب‭ ‬بقي‭ ‬مفتوحا‭ ‬بين‭ ‬جارين‭. ‬هذه‭ ‬كلّها‭ ‬لا‭ ‬تُصوَّر‭ ‬ولا‭ ‬تُحصى،‭ ‬ولا‭ ‬يعرف‭ ‬بها‭ ‬أحد‭ ‬سوى‭ ‬صاحبها‭. ‬والجائزة‭ ‬تكرّم‭ ‬هذا‭ ‬النوع‭ ‬من‭ ‬العمل،‭ ‬أي‭ ‬أنّها‭ ‬تكافئ‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬مُنِع‭ ‬لا‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬أُنجز،‭ ‬وهذا‭ ‬أنبل‭ ‬ما‭ ‬فيها‭ ‬وأصعبه‭ ‬في‭ ‬آن‭ ‬واحد‭.‬

والذين‭ ‬يجلسون‭ ‬إلى‭ ‬طاولات‭ ‬الحوار‭ ‬بين‭ ‬الحضارات‭ ‬لم‭ ‬يولدوا‭ ‬على‭ ‬تلك‭ ‬الطاولات‭. ‬كل‭ ‬واحد‭ ‬منهم‭ ‬كان‭ ‬طفلًا‭ ‬في‭ ‬بيت،‭ ‬وتعلّم‭ ‬الإنصات‭ ‬فيه‭ ‬أو‭ ‬لم‭ ‬يتعلّمه،‭ ‬ثم‭ ‬حمل‭ ‬ما‭ ‬تعلّمه‭ ‬إلى‭ ‬مجلسه‭ ‬الكبير‭ ‬بعد‭ ‬أربعين‭ ‬سنة‭. ‬الجائزة‭ ‬تكرّم‭ ‬آخر‭ ‬حلقة‭ ‬في‭ ‬سلسلة‭ ‬أولها‭ ‬بيت،‭ ‬والحلقة‭ ‬الأولى‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬تصنع‭ ‬ما‭ ‬بعدها‭.‬

والذي‭ ‬أدعو‭ ‬إليه‭ ‬أن‭ ‬تُصرف‭ ‬عناية‭ ‬أكبر‭ ‬إلى‭ ‬هذه‭ ‬الحلقة‭ ‬الأولى‭. ‬صفوف‭ ‬مدارسنا‭ ‬تضمّ‭ ‬منذ‭ ‬عقود‭ ‬خليطًا‭ ‬من‭ ‬البيوت‭ ‬والألسنة‭ ‬والجنسيات،‭ ‬والبيت‭ ‬هو‭ ‬الذي‭ ‬يقرّر‭ ‬ما‭ ‬يصنعه‭ ‬الطفل‭ ‬بهذا‭ ‬الخليط‭. ‬الأب‭ ‬الذي‭ ‬يسمع‭ ‬ابنه‭ ‬إلى‭ ‬آخر‭ ‬كلامه‭ ‬يعلّمه‭ ‬أكثر‭ ‬ممّا‭ ‬تعلّمه‭ ‬حصة‭ ‬كاملة،‭ ‬والأم‭ ‬التي‭ ‬ترسل‭ ‬الصحن‭ ‬إلى‭ ‬الجيران‭ ‬في‭ ‬عيدهم‭ ‬تضع‭ ‬في‭ ‬يد‭ ‬ابنتها‭ ‬درسًا‭ ‬لا‭ ‬يُنسى‭. ‬وهذا‭ ‬كلّه‭ ‬قليل‭ ‬الكلفة‭ ‬بعيد‭ ‬الأثر،‭ ‬ولا‭ ‬يظهر‭ ‬أثره‭ ‬في‭ ‬السنة‭ ‬التي‭ ‬يُبذل‭ ‬فيها‭.‬

وما‭ ‬تحمله‭ ‬البحرين‭ ‬إلى‭ ‬المحافل‭ ‬الدولية‭ ‬يبدأ‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬المواضع‭ ‬الصغيرة‭. ‬مجلس‭ ‬فيه‭ ‬كبير‭ ‬يُنصت،‭ ‬وبيت‭ ‬يتعلّم‭ ‬فيه‭ ‬الطفل‭ ‬أن‭ ‬يخالف‭ ‬أخاه‭ ‬بلا‭ ‬خصومة،‭ ‬وجيرة‭ ‬تُفتح‭ ‬فيها‭ ‬الأبواب‭ ‬على‭ ‬اختلاف‭ ‬أهلها‭. ‬من‭ ‬هذا‭ ‬الباب‭ ‬الصغير‭ ‬تُبنى‭ ‬الفكرة‭ ‬الكبيرة‭ ‬التي‭ ‬تكرّمها‭ ‬الجائزة‭.‬

قانونية‭ ‬وكاتبة‭ ‬بحرينية

rajabnabeela@gmail‭.‬com

عن صحيفة (أخبار الخليج) البحرينية