الرئيسية / أخبار / تجربة سوزانا كروسمان..بقلم د. منى الروبي

تجربة سوزانا كروسمان..بقلم د. منى الروبي

أثناء عملي كأكاديمية كنت أقرأ بنهم المقالات التي يكتبها التربويون والفنانون والمعالجون. كنت أجد فيها كبسولة مكمل غذائي؛ ممتعة ومفيدة في الوقت نفسه، وخصوصًا حين أجد فكرة تجعلني أعزز شيء أمارسه يوميًا دون أن أنتبه إلى عمقه.

ومن المقالات التي استوقفتني مؤخرًا مقال سوزانا كروسمن عن «التعافي باللعب». لم أقرأه باعتباره نصًا عن الأطفال، بل وجدتني أقرأه بعين المعلمة والفنانة التي قضت سنوات طويلة بين الأطفال والأنشطة والألوان. والمفارقة أنني كنت أظن أنني أعرف أهمية اللعب، إلى أن جاءت الكاتبة لتقول لي، بطريقة مختلفة: ربما نحن الكبار الذين نسينا معناه الحقيقي.

تطرح كروسمن، من خلال خبرتها الطويلة في العلاج بالفنون والعمل في مجال الصحة النفسية، فكرة بسيطة لكنها ليست ساذجة: اللعب يمكن أن يكون مساحة تساعد الإنسان على الاقتراب من تجاربه الصعبة، بدل الهروب منها. ففي البيئة العلاجية، لا يكون الرسم أو التمثيل أو الحركة مجرد وسيلة لتسلية المريض حتى ينتهي الوقت. أحيانًا يكون النشاط نفسه لغة بديلة للكلام.

الان سأصف لكم موقفًا يبدأ بقلم وورقة: «ارسم أينما تريد، وبالطريقة التي تريدها». اجعل القلم يقود يدك على الصفحة البضاء ، توقف حيث تريد ارسم مربعات كانها البيوت و استمر في الطريق، غير الألوان، شخبط السماء بكل الالوان . قد يبدو المشهد لطيفًا إلى درجة تجعل أحدهم يسألك: ( ايش عندك ترسم ؟ تذكرت ايام المدرسة ؟)

وهنا تحديدًا تكمن الفكرة.

فاللعب لا يعني أن نتعامل مع الإنسان كطفل، وإنما أن نمنحه مساحة يستطيع فيها أن يجرب دون خوف من الخطوط الصحيحة والخاطئة. وهذا ما وجدته شخصيًا في عملي داخل المدارس. كنت ألاحظ أن مجرد لعبي مع الأطفال ومشاركتي لهم في النشاط، بدل الوقوف بعيدًا وإعطاء التعليمات، كان يمنحهم شعورًا مضاعفًا بالحب والأمان. الطفل لا يسمع فقط ما نقوله له؛ هو يراقب هل نحن مستعدون لأن نكون معه فعلًا.

عندما أجلس على الأرض وألون معهم، أو أصنع قطعة من الطين، أو أشاركهم لعبة، يتغير شيء في العلاقة. تختفي المسافة الرسمية قليلًا، ويصبح المعلم إنسانًا يمكن الاقتراب منه، لا مجرد صاحب الإجابة النموذجية.

وهذا قريب مما تقترحه كروسمن في تجربتها: اللعب والفن يخلق مساحة تسمح للإنسان بأن يرى نفسه والعالم من زاوية أقل صرامة. وهي تستند في ذلك إلى أفكار فلاسفة ومفكرين اهتموا بطبيعة اللعب، ومنهم يوجين فينك، إضافة إلى تقاليد العلاج النفسي التي رأت في اللعب وسيلة للتعبير والاستكشاف.

لكنني أتوقف هنا عند نقطة مهمة: اللعب ليس علاجًا سحريًا، ولا ينبغي أن نضع له معطف الطبيب ونطلب منه أن يعالج كل شيء. العلاج النفسي له متخصصوه، والاضطرابات النفسية تحتاج إلى تقييم ومتابعة مهنية. أما اللعب والفن فقد يكونان ممارسة مساندة تفتح بابًا للتعبير والتواصل وتنظيم المشاعر.

ربما لهذا أحببت تجربة كروسمن. فهي لا تقول لنا إن علينا أن نعود أطفالًا، بل تذكرنا بأن الإنسان البالغ لم يكن يومًا آلة مكتملة النضج تعمل من التاسعة إلى الخامسة ثم تشكو من ضغط الحياة.

أحيانًا نحتاج إلى قلم، قطعة طين، لون، مسرح صغير، أو لعبة سخيفة جدًا… كي نتذكر أننا بشر.

والغريب أن بعض أكثر الأشياء التي نعتبرها «لعبًا» قد تكون أحيانًا أكثر ما يمنحنا شعورًا بالأمان.