تقرير البحرين/أديس أبابا/ لم يكن تسلّم إثيوبيا رسمياً رئاسة منظمة دول أفريقيا والكاريبي والمحيط الهادئ (OACPS)، التي تضم 79 دولة عضواً وتُعنى بالتنمية المستدامة والحد من الفقر، حدثاً بروتوكولياً عابراً، بل جاء ليتوّج مساراً إثيوبياً متصاعداً من الانفتاح على التكتلات الاقتصادية الدولية الكبرى، في وقت تسعى فيه أديس أبابا لترجمة حضورها الدبلوماسي المتنامي إلى مكاسب تنموية ملموسة لمواطنيها ولمحيطها الإفريقي.
وجاء تولّي الرئاسة، بحسب ما ذكرت وكالة الأنباء الإثيوبية (إينا) نقلاً عن وزارة المالية الإثيوبية، خلال اجتماع مجلس وزراء المنظمة الذي جمع وزراء ومسؤولين حكوميين رفيعي المستوى من الدول الأعضاء الـ79، لمناقشة أولويات السياسات والقضايا المؤسسية والاستراتيجية الرئيسية، خلال الفترة من 15 إلى 16 يوليو الجاري. وعقب التسليم الرسمي، قالت وزيرة الدولة للمالية الإثيوبية سمريتا سواسيو إن إثيوبيا “ملتزمة برئاسة قائمة على تحقيق النتائج، تركز على توسيع الفرص الاقتصادية، وحشد التمويل المستدام، وتعزيز الشراكات، وتحقيق فوائد ملموسة للمواطنين في جميع الدول الأعضاء بمنظمة دول أفريقيا والكاريبي والمحيط الهادئ”، مؤكدة مجدداً التزام بلادها بتعزيز دور المنظمة باعتبارها منصة ديناميكية للتعاون الاقتصادي والتنمية المستدامة والتنسيق المشترك بشأن القضايا العالمية.
هذا الالتزام المعلن لا ينفصل عن سياق أوسع، إذ تسجل أديس أبابا في الفترة الأخيرة سلسلة خطوات نحو الانخراط الفاعل في المحافل الاقتصادية العالمية، أبرزها انضمامها الفعلي إلى مجموعة “بريكس”، حيث شاركت لأول مرة كعضو كامل في قمة عام 2024 بروسيا، إلى جانب إيران ومصر والإمارات. ووصف تقرير حكومي إثيوبي حديث هذا الانضمام بأنه إنجاز دبلوماسي كبير يعكس تقدماً ملموساً في بناء اقتصاد أكثر تنافسية وشمولاً واستدامة، يستند إلى إصلاحات هيكلية وتطوير القطاعات المختلفة. وتترجم هذه الشراكات إلى فرص تصدير ملموسة، إذ تستعد إثيوبيا لتزويد السوق الروسية بالقهوة والزهور وغيرها من المنتجات الزراعية، فيما أبدت شركات هندية وصينية اهتمامها بالاستثمار في تطوير البنية التحتية وتكنولوجيا الاتصالات في البلاد. ويندرج ضمن هذا المسار أيضاً تصدّر إثيوبيا للدبلوماسية المناخية واختيارها لاستضافة مؤتمر الأمم المتحدة للمناخ (COP32) عام 2027، إلى جانب مساعيها المستمرة لتأمين منفذ بحري للبلاد، وهي ملفات تجعل من رئاسة منظمة “ACP” أداة إضافية لتعزيز حضور إثيوبيا الدولي المرتبط بالبعد الاقتصادي والتنموي.
وعلى هامش الاجتماع، عقدت إثيوبيا مباحثات مع الرئيس المنتهية ولايته للمنظمة، موسى صالح بطراكي، تناولت أولويات الرئاسة الإثيوبية الجديدة، والإجراءات الكفيلة بتعزيز فعالية المنظمة وحضورها الدولي، وسبل تعميق التعاون مع الشركاء الدوليين، واتفق الجانبان على العمل بشكل وثيق طوال فترة الرئاسة لدفع الأهداف الاستراتيجية للمنظمة قدماً.
وبالنسبة للدول الإفريقية الأعضاء في المنظمة، فإن تولّي إثيوبيا الرئاسة يحمل دلالة إضافية كونها تأتي من دولة إفريقية ذات ثقل سياسي واقتصادي متنامٍ، ما قد يمنح أولويات المنظمة زخماً أكبر في ملفات التصنيع والتجارة البينية وجذب الاستثمار، خصوصاً في ظل التوجه نحو تفعيل اتفاقية “ساموا” التي تنظم الشراكة مع الاتحاد الأوروبي في مجالات التنمية والاستثمار والتجارة والعمل المناخي.
ويبقى الاختبار الحقيقي لهذه الرئاسة مرتبطاً بقدرتها على ترجمة الأولويات التي أعلنتها سواسيو إلى نتائج ملموسة على صعيد الحد من الفقر في الدول الأعضاء، فيما يضع الجمع بين رئاسة “ACP” وعضوية “بريكس” إثيوبيا في موقع يتيح لها لعب دور جسر بين المجموعتين، بما قد ينعكس إيجاباً على مسار التنمية المستدامة في القارة الإفريقية خلال السنوات المقبلة. ويمثل تولّي إثيوبيا هذه الرئاسة، في مجمله، محطة مهمة في مسار انخراطها الدولي، وفرصة لتعزيز التعاون بين الدول النامية، والمضي نحو نظام متعدد الأطراف أكثر شمولاً وفعالية.
خلفية تاريخية:
تأسست منظمة دول أفريقيا والكاريبي والمحيط الهادئ بموجب اتفاقية جورج تاون عام 1975، وتضم اليوم أكثر من 79 دولة تسعى إلى التنمية المستدامة والحد من الفقر وتعزيز اندماجها في الاقتصاد العالمي. وباستثناء كوبا، فإن جميع الدول الأعضاء موقعة على اتفاقية كوتونو مع الاتحاد الأوروبي، التي حلّت محلها مؤخراً اتفاقية “ساموا” كإطار ناظم للشراكة بين الطرفين.