الرئيسية / أخبار / ريادة الأعمال.. ركيزة المستقبل الإقتصادي للبحرين..خالد أبوأحمد

ريادة الأعمال.. ركيزة المستقبل الإقتصادي للبحرين..خالد أبوأحمد

تقرير البحرين/المنامة/ لم يعد الحديث عن ريادة الأعمال في مملكة البحرين مجرد خطاب تشجيعي يُطلق في المناسبات ثم يخبو مع انتهائها، بل تحوّل على مدى السنوات الأخيرة إلى منظومة متكاملة تجمع بين التعليم والتمويل والتدريب والتحفيز، في مسار واضح المعالم يستهدف بناء اقتصاد وطني قائم على الابتكار والمعرفة والكفاءة البشرية، اقتصاد لا يراهن على الثروات الطبيعية وحدها، بل يضع في قلب معادلته الإنسانَ البحريني بما يحمله من طموح وإبداع وقدرة على المنافسة.

وقد جاء الحفل الختامي لمسابقة (ستارت أب بحرين – جامعة البحرين) ليجسّد هذا التوجه بصورة عملية ملموسة، إذ تجاوزت المسابقة حدود الفعالية الاحتفالية لتغدو نموذجاً وطنياً يحتذى به في تحويل أفكار الشباب إلى مشاريع اقتصادية حقيقية قابلة للنمو والتوسع، تبدأ من قاعة دراسية أو طاولة في مقهى وتنتهي بشركة فاعلة وفرص عمل حقيقية تُسهم في تعزيز تنافسية المملكة على الخارطة الاقتصادية الإقليمية والعالمية.

ولي العهد.. قائد مسيرة التحديث الاقتصادي

لا يمكن قراءة المشهد الاقتصادي البحريني الراهن دون التطرق للدور المحوري الذي يضطلع به صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن حمد آل خليفة ولي العهد رئيس مجلس الوزراء حفظه الله، إذ تقف خلف كل مبادرة تنموية ناجحة في المملكة رؤيته الإستراتيجية التي ترسم ملامح بحرين المستقبل بعيون واثقة وعقل يستشرف التحولات قبل وقوعها، وقد أرست توجيهات سموه دعائم منهج اقتصادي متكامل يرتكز على محاور رئيسية راسخة، في مقدمتها تمكين القطاع الخاص من قيادة النمو وحمل الحصة الأكبر من عبء التشغيل والإنتاج، وربط مخرجات التعليم ربطاً عضوياً باحتياجات سوق العمل بحيث لا يخرج الطالب من الجامعة إلا وهو مزوّد بأدوات تؤهله للمساهمة الفعلية في الاقتصاد الوطني، وبناء بيئة أعمال جاذبة تُحفز الابتكار وتُشجع الاستثمار وتُزيل من طريق رائد الأعمال كل عائق بيروقراطي يُعيق انطلاقه. وهذه المحاور لا تعيش في وثائق التخطيط والأدراج المغلقة، بل تتجسد يومياً في مبادرات ملموسة تمس حياة المواطن البحريني وتصنع له مساراً مهنياً وريادياً كان حلماً بعيد المنال في أجيال سابقة. وتعبّر منظومة (ستارت أب بحرين) في جوهرها عن هذه الرؤية، فقد انطلقت بدعم مباشر من سموه قبل ثلاث سنوات حين أريد لها أن ترسم مساراً حقيقياً ينقل الشاب البحريني من موقع المتلقي إلى موقع المبادر والمنتج والمؤسس، في ظل مفهوم “فريق البحرين” الذي يُعبّر عن شراكة وطنية حقيقية تجعل من الحكومة والقطاع الخاص والمؤسسات التعليمية رافدين متكاملين لا متنافسين، تتوحد جهودهم في خدمة هدف واحد هو بناء اقتصاد متنوع ومستدام يصمد أمام تحولات المستقبل ومتطلباته.

وزير المالية.. رؤية اقتصادية بعيدة الأفق

أكد معالي الشيخ سلمان بن خليفة آل خليفة وزير المالية والاقتصاد الوطني رئيس مجلس إدارة شركة ممتلكات البحرين القابضة، أن الإنسان البحريني هو الثروة الحقيقية للمملكة، وأن الشركات الناشئة باتت ركيزة أساسية في دعم النمو الاقتصادي وخلق فرص العمل واستحداث قطاعات إنتاجية جديدة لم تكن موجودة من قبل. وهي رؤية لا تعكس توجهاً سياسياً عابراً يتبدل مع تبدل الأولويات، بل تُترجم إلى قرارات ملزمة ذات أثر مستدام يبني على نفسه ويتراكم مع الزمن. ولعل أبرز ما أعلنه معاليه في هذا الحفل أن المشاركة في مسابقة “ستارت أب بحرين” ستصبح ابتداءً من العام المقبل متطلباً إلزامياً للتخرج من كلية إدارة الأعمال بجامعة البحرين، وهو قرار يحمل في طياته رسالة واضحة لا تقبل التأويل، مفادها أن الروح الريادية لم تعد خياراً اختيارياً يتركه الطالب لميله الشخصي، بل هي جزء لا يتجزأ من تأهيل الكفاءات الوطنية وإعدادها للمنافسة في سوق عمل متحول ومتسارع. وقد أشار معاليه إلى أن كل مشروع ناجح يبدأ بفكرة، غير أن نضوجها وتحوّلها إلى واقع ملموس يستلزم الالتزام والانضباط والعمل الجماعي والشجاعة في مواجهة الفشل واستيعاب دروسه، إلى جانب بيئة داعمة قادرة على رعاية هذه الأفكار في مراحلها الأولى الهشة وتحويلها تدريجياً إلى شركات فاعلة وفرص اقتصادية تُسهم في تعزيز الشعور بالانتماء والمشاركة الفعلية في بناء الوطن.

وزير التربية.. التعليم في خدمة الاقتصاد

وفي السياق ذاته أكد سعادة الدكتور محمد بن مبارك جمعة وزير التربية والتعليم رئيس مجلس أمناء جامعة البحرين “أن المؤسسة التعليمية لا يمكن أن تبقى محاطة بأسوار أكاديمية عازلة بمعزل عن متطلبات السوق واحتياجات الاقتصاد الوطني، وأن جامعة البحرين حرصت على أن يكون انخراطها في هذا البرنامج انخراطاً مؤسسياً فعلياً لا شكلياً، يستثمر إمكانات الجامعة ويربطها بمتطلبات المرحلة”، وقد تجلى ذلك جلياً في مشاركة أكثر من ألف طالب وطالبة ضمن ما يزيد على مئة وستين فريقاً، في تجربة تعليمية تطبيقية تحاكي البيئة الريادية الحقيقية وتضع الطالب أمام تحديات واقعية تشمل تشكيل الفرق وتطوير الأفكار وبناء النماذج الأولية وتقديم العروض الاستثمارية أمام لجان تحكيم متخصصة، في رحلة متكاملة تُخرجه من جدران القاعة الدراسية إلى فضاء ريادة الأعمال الرحب بكل ما يحمله من فرص وتحديات وإمكانات.

إن هذه المشاركة الواسعة ومستوى المشاريع المقدمة تكشف أن الشباب البحريني يمتلك من الطموح والإبداع والقدرة على الابتكار ما يؤهله للمنافسة في فضاء ريادة الأعمال محلياً وإقليمياً وربما عالمياً، ما دامت توافرت له الأدوات الداعمة والبيئة المحفزة التي يتكاتف في صنعها الجميع.

منظومة متكاملة لا مجرد مسابقة

ما يميز تجربة (ستارت أب بحرين) ويجعلها نموذجاً جديراً بالدراسة والاقتداء أنها لا تقف عند حدود التنافس على الجوائز والتصفيق في الحفلات الختامية، بل تُفضي إلى مسار متكامل الحلقات يبدأ من لحظة ولادة الفكرة الأولى في ذهن الطالب وصولاً إلى بناء النموذج الأولي وتقديم العروض الاستثمارية أمام لجان متخصصة تضم ممثلين عن عالم الأعمال والاستثمار والأكاديميا، وتسند هذا المسار شراكة فاعلة ومتوازنة بين وزارة المالية والاقتصاد الوطني، وصندوق العمل (تمكين)، ومجلس التنمية الاقتصادية، ووزارة الصناعة والتجارة، وجامعة البحرين، فضلاً عن دعم واسع من القطاع الخاص الذي وجد في هذه المنظومة فرصة حقيقية للاستثمار في المواهب وبناء شراكات مبكرة مع رواد الأعمال الشباب.

هذا التكامل المؤسسي العميق هو ما يمنح المنظومة الريادية في البحرين قوتها وديمومتها واتساق مساراتها، إذ يُخرجها من دائرة المبادرات العابرة التي تضيء لحظة ثم تنطفئ، ليرسخها بوصفها ركيزة بنيوية في استراتيجية التنمية الاقتصادية للمملكة، تلك الاستراتيجية التي يقودها ولي العهد رئيس مجلس الوزراء بنظرة ثاقبة ترى في كل شاب بحريني طموح رصيداً حقيقياً يُضاف إلى ثروات المملكة ويُسهم في صنع مستقبلها.

إن ما تشهده البحرين اليوم في مجال ريادة الأعمال ليس وليد اللحظة ولا ثمرة مبادرة فردية معزولة، بل هو حصاد رؤية متأنية ومجهود متراكم عبر سنوات من البناء الصبور، يجمع بين الإرادة السياسية الراسخة والتخطيط المؤسسي الرصين والشراكة الفعلية مع القطاع الخاص. ويبقى الرهان الأكبر على شباب البحرين الذي أثبت في هذه المسابقة وفي غيرها أنه يملك من الإبداع والطموح والقدرة على التجديد ما يكفي لكتابة فصل جديد ومشرق في مسيرة اقتصاد المملكة.