حين قررت قطعة خشب أن تكتب التاريخ والأصل البداية بكان يا مكان… قطعة خشب صغيرة لا تعرف أن الزمن سيمنحها روحاً وصوتاً، لم تكن من عائلة الربابة؛ فالربابة ابنة الصحراء، تحمل حكايات البدو والشعراء، أما العُود فكان ابن المدن، ولد بين أيدي النجارين الذين نحتوا الجسد المقوس، ومدّوا فوق الصدر أوتارا.
قال: جذوري تعود إلى حضارات كِيميت وادي النيل، وبلاد الرافدين، حيث حاول الإنسان الأول أن يحول نبضه إلى نغم، كبرت بين الحضارات، وانتقلت من مجلس إلى قصر، حتى وصلت إلى العصر الأموي ثم العباسي، وهناك في بغداد أصبحت جزءاً من علم الموسيقى.
في قصور هارون الرشيد، لم يكن صوتي حكراً على الرجال؛ فقد جلست عازفات بارعات يحملنني بين أيديهن، مثل عريب المأمونية التي كانت من أشهر مغنيات وعازفات عصرها، وفضل الشاعرة وغيرهن من جواري القصور اللواتي كنّ يتقنّ عزف العُود والغناء ويشاركن في مجالس الأدب والطرب.
ثم جاء زرياب، الموسيقي ذو الأصول الأفريقية الذي عاش في القرن التاسع الميلادي، فغيّر مساري بأضافة الوتر الخامس إلى العُود وطوّر طرق العزف، ثم حملني معه إلى الأندلس سنة 822م، حيث أصبحت رفيقاً للموشحات والقصائد.
كنت أتحدث بلغة المقامات؛ فالراست يحمل الوقار والتوازن، والبياتي دفء الحنين، والحجاز روح السفر والروحانية، والسيكا رقة الشرق وأرباع صوته، والصبا مقام الشجن والبوح، هذه المقامات لم يصنعها شخص واحد، بل تراكمت عبر قرون من تجارب الموسيقيين، وساهم علماء مثل الفارابي في وضع أسس فهمها وتدوينها.
في الأندلس فتحت لي الأبواب نحو أوروبا، فأصبح اسمي هناك Lute، ومنها جاءت عائلة من الآلات الوترية التي أثرت لاحقاً في تطور الجيتار، ثم عدت شرقاً إلى المغرب وتونس، فاحتضنتني موسيقى المالوف والطرب الأندلسي، وبقي صوتي في فاس وتطوان وتونس شاهداً على حضارة لا تموت.
ثم وصلت إلى الخليج العربي، حيث وجدت بيتاً جديداً بين الفنانين في الكويت والبحرين والإمارات والسعودية أصبح العُود رفيق الأغنية الخليجية، وحمله عازفون كبار تركوا بصمة مهمة في عالم العزف، إلى جانب أجيال من العازفين الذين حافظوا على مكانة العود في الموسيقى الخليجية.
ولم يكن عالمي خالياً من النساء في العصر الحديث؛ فقد حملت عازفات كثيرات العُود إلى المسارح، منهن نصيرة بشير و دينا عبد الحميد وغيرهن ممن أثبتن أن أوتاري لا تعرف جنساً، بل تعرف فقط صوابع ماهرة و شغف.
أما في مصر، فقد عشت العصر الذهبي للطرب، لم تكن أم كلثوم تعزفني، لكنها أدركت قيمتي، فكان صوتي حاضراً في فرقتها وألحان زمنها، أما فريد الأطرش فكان من الذين جعلوني بطلاً لا مجرد آلة، وفتح لي محمد القصبجي ورياض السنباطي أبواب التلحين الخالد.
ثم جاء العراقيون ليحملوني إلى العالم؛ من الشريف محيي الدين حيدر إلى منير بشير ، سعد جواد وأصبح العود آلة تستمع إليها المسارح العالمية.
أنا العُود… صندوق صغير من الخشب، لكن داخلي مدن كاملة وفي أوتاري بغداد، وفي صدري قرطبة، وفي أنفاسي القاهرة وفاس وتونس والخليج، لم أكن يوماً آلة تعزف فقط؛ أنا ذاكرة الشعوب حين تختار أن تغني.