تقرير البحرين/المنامة/ الشعوب حين تُمتحن في مصيرها لا تُقاس بما تملكه من عتاد، بل بما يجيش في صدورها من إرادة وانتماء. وحين شنّت إيران هجماتها الغاشمة على البحرين واستهدفت منشآتها المدنية وأحياءها السكنية وبنيتها التحتية، أجابت هذه المملكة الراسخة بما لا يُقهر – بروح شعب لم تزده المحنة إلا تلاحماً، ولم تزده الهجمات إلا التفافاً حول قيادته وتمسكاً بهويته.
ما تشهده البحرين اليوم ليس مجرد ردود فعل عابرة، بل هو تجلٍّ حضاري حقيقي لمجتمع يعرف قيمة ما يملك ويدرك ثمن ما بناه على مدى عقود، موجة وطنية عارمة لم تتوقف عند أبواب المؤسسات الرسمية، بل اخترقت بيوت الناس ومجالسهم وجامعاتهم وأماكن عملهم، وقالت بصوت واحد: البحرين راسخة، وشعبها أعمق انتماءً مما يظن أعداؤه.
المشهد الذي تشهده البحرين هذه الأيام علامة تاريخية بكل ما تحمله الكلمة من معنى. الوزارات الحكومية توقّع وثائق الولاء بحضور وزرائها، والجامعات تشهد فعاليات يشارك فيها الأساتذة والطلبة جنباً إلى جنب، ومجالس الأسر البحرينية بمئاتها تضج بعبارات الحب للقيادة والتأكيد على الانتماء للوطن. ورجال الأعمال والأطباء والمثقفون والشباب والمرأة، كل هؤلاء يجدون أنفسهم في هذا المشهد الواحد الذي تصنعه إرادة شعب لا يُكسر.
وكانت جمعية البحرين لتسامح وتعايش الأديان (تعايش) قد أطلقت منصة رقمية أسمتها “وثيقة الولاء”، فكان ما أعقب ذلك مفاجأة حتى لأكثر المتفائلين. سجّلت الوثيقة أكثر من 100 ألف توقيع في أقل من 24 ساعة من إطلاقها، ولم تتوقف الأرقام عند ذلك، إذ أعلن رئيس الجمعية يوسف بوزبون أن عدد الموقعين بلغ 688 ألفاً في تصاعد مستمر، مشيراً إلى أن هذه الأرقام لا تُقرأ كإحصاءات، بل باعتبارها مؤشرات حية على قوة الانتماء الوطني وعمق الارتباط بالمشروع الإصلاحي الشامل الذي أرسى دعائمه جلالة الملك المعظم. وبحلول مساء السبت تجاوز العدد سبعمائة ألف توقيع، أي أن نحو نصف سكان المملكة قال كلمته في وثيقة واحدة.
ولم يكن دور وزارة الإعلام في هذا المشهد هامشياً، فقد حرصت على توثيق هذه اللحظة التاريخية ومتابعة تفاصيلها بعناية، مدركةً أن ما يجري ليس حدثاً عادياً يمر ويُنسى، بل صفحة مضيئة تستحق أن تُحفظ في ذاكرة الوطن.
أما الصحف البحرينية ووسائل الإعلام فقد كانت في قلب هذا المشهد ترصده وتوثّقه ولا تكتفي بنقله. خصصت صفحاتها يوماً بعد يوم لبيانات الأسر والمؤسسات والنقابات والأندية، ليعبّر من خلالها أطياف المجتمع كافة – الأسر والشخصيات المجتمعية ورجال الأعمال والأندية الرياضية والثقافية – عن أسمى معاني الولاء والتلاحم الوطني ووحدة الصف. ومنصات التواصل الاجتماعي لم تكن بعيدة، فامتلأت بمقاطع الفعاليات وعبارات الاعتزاز في تيار لم ينقطع، حتى غدت هذه الفضاءات الرقمية امتداداً طبيعياً للمشاعر التي يعيشها الناس على أرض الواقع.
وفي كل بيان وكل فعالية، كانت الإشادة بقوة دفاع البحرين والأجهزة الأمنية حاضرة بقوة، الناس يعرفون أن جنود هذا البلد يقفون في الميدان ويتصدون للهجمات الإيرانية الغاشمة بكفاءة واقتدار، ويُثمّنون جهود وزارة الداخلية وجميع قطاعاتها في التعامل مع تداعيات العدوان، معربين عن اعتزازهم العميق بكوادر الوطن المخلصة ضمن فريق البحرين الذين يتصدرون الصفوف في مختلف الميادين. وكأن الشعب يقول لجنوده: نحن معكم كما أنتم معنا.
وثائق الولاء ليست مجرد تسجيل إلكتروني، إنها بصمة وطنية تعكس أصالة المجتمع البحريني وتماسكه، ورسالة وفاء يرسلها الشعب من قلبه إلى قيادته وإلى العالم أجمع. وهي في الوقت ذاته رد بليغ على كل من راهن على أن الأزمة ستفرق ما جمعه التاريخ – فإذا بها تجمع أكثر مما كان مجتمعاً، وتُعمّق ما كان ضارباً في الجذور.
البحرين لم تردّ على العدوان بالخوف ولا بالصمت. ردّت بشيء أبلغ من الصواريخ وأدوم من الشعارات – ردّت بشعب يعرف من هو ويعرف أين ينتمي، وبقيادة يثق بها أبناؤها في السراء والضراء على حد سواء.
في الخلاصة ان البحرين ليست مجرد أرض وحدود، بل هي رابطة من الروح والوفاء بين قيادة تعمل لشعبها وشعب يثق بقيادته، وهذا النوع من الترابط هو الذي لا تستطيع أي هجمة مهما بلغت قسوتها أن تنال منه أو تزعزعه.