الرئيسية / أخبار / البحرين: 30% تراجعاً في الجريمة.. حصاد منظومة أمن متكاملة- خالد أبوأحمد
الفريق أول معالي الشيخ راشد بن عبدالله آل خليفة وزير الداخلية

البحرين: 30% تراجعاً في الجريمة.. حصاد منظومة أمن متكاملة- خالد أبوأحمد

تقرير البحرين/ خالد أبوأحمد/ إن المتابع عن قرب لما يجري في مملكة البحرين من تطورات يدرك أن المملكة قد حققت قفزة نوعية في معالجة الملفات الأمنية، ولذلك فهي تُقدّم نموذجاً استثنائياً يستحق الوقوف عنده والتأمل فيه بعمق، فقد أعلن الفريق أول معالي الشيخ راشد بن عبدالله آل خليفة وزير الداخلية، في كلمته بمناسبة يوم الشراكة المجتمعية والانتماء الوطني الذي يُحتفل به في الثامن عشر من مارس من كل عام، عن تراجع ملموس في معدل الجريمة بلغت نسبته 30%.

هذا الرقم لا يُقرأ بمعزل عن السياق الذي أنتجه، ولا يُفهم بمجرد النظر إلى الأداء الأمني المجرد، بل هو ثمرة طبيعية لمنظومة متكاملة من السياسات الاجتماعية والوطنية والأمنية التي تعمل معاً بانسجام نادر، وتعكس رؤية استراتيجية متماسكة تتجاوز النظرة التقليدية الضيقة لمفهوم الأمن.

ما يجعل هذا الإنجاز ذا دلالة تحليلية عميقة أنه لم يتحقق عبر تصعيد القبضة الأمنية أو مضاعفة أعداد الدوريات فحسب، بل تحقق في جوهره عبر رهان استراتيجي واضح على المواطن نفسه شريكاً فاعلاً في صناعة الأمن لا متلقياً سلبياً لخدماته. فالمجتمعات التي يشعر أفرادها بانتماء حقيقي وعميق إلى وطنهم تُنتج تلقائياً رقابةً اجتماعيةً ذاتيةً لا تستطيع أجهزة الأمن وحدها توفيرها مهما بلغت درجة كفاءتها وتطور إمكاناتها. وقد آمنت وزارة الداخلية البحرينية بهذه الحقيقة وبنت عليها، فكانت النتائج على قدر هذا الإيمان.

ولعل أبرز ما يُميّز التجربة البحرينية في هذا الملف ذلك التواصل المستمر والمنهجي الذي تحرص وزارة الداخلية على إدامته مع مختلف مكونات المجتمع وشرائحه. فقد أدركت القيادة الأمنية مبكراً أن القضايا المجتمعية لا تُعالج من خلف المكاتب ولا بالأدوات التقليدية وحدها، بل تستوجب حضوراً ميدانياً دائماً وحواراً مفتوحاً مع القيادات المجتمعية وأصحاب المجالس وأئمة المساجد والمآتم ومؤسسات المجتمع المدني بمختلف توجهاتها. هذا التواصل لم يكن بروتوكولياً أو موسمياً، بل تحوّل إلى ثقافة مؤسسية راسخة داخل الوزارة وإداراتها المختلفة، أسهمت في بناء جسور ثقة متينة بين الجهاز الأمني والمجتمع، وجعلت المواطن يرى في رجل الأمن شريكاً يحمي مجتمعه لا مجرد سلطة تفرض القانون.

وقد جاءت هذه الشراكة الاجتماعية لتُكمّل منظومة الأساليب الحديثة التي تتبناها وزارة الداخلية في معالجة القضايا المجتمعية، وفي مقدمتها برنامج مكافحة العنف والإدمان (معاً) الذي نوّه به وزير الداخلية صراحةً في كلمته، فالإدمان والعنف من أكثر المحركات المباشرة لارتكاب الجرائم في أي مجتمع، والتصدي لهما في مرحلة الوقاية ونشر الوعي يقطع الطريق على الجريمة قبل أن تقع ويُجفّف منابعها قبل أن تتدفق. وهذا النهج الوقائي الذي اختارته البحرين أثبتت تجارب دولية كثيرة أنه أجدى وأبعد أثراً وأقل كلفةً بكثير من الاكتفاء بالملاحقة الجنائية بعد وقوع الجريمة. ويُكمل هذا النهجَ الوقائيَّ دورُ شرطة خدمة المجتمع التي باتت حاضرة في النسيج الاجتماعي اليومي، تحمل هموم المواطنين وتتفاعل مع احتياجاتهم قبل أن تتحول إلى مشكلات أمنية.

والإقبال الواسع الذي شهدته منصة التطوع من عشرات الآلاف من المواطنين الراغبين في خدمة وطنهم، الذي أشار إليه وزير الداخلية بفخر واعتزاز، ليس تفصيلاً عابراً في هامش الصورة، بل هو في صميمها ويكشف عن مؤشر عميق الدلالة: أن المواطن البحريني بات يرى في خدمة وطنه غايةً ذاتية نابعة من الداخل لا واجباً مفروضاً من الخارج. وهذا التحول في الوعي الجمعي هو الرصيد الحقيقي الذي يجعل الإنجازات الأمنية قابلةً للاستدامة والتعمق، لأنها تنبع من إرادة مجتمعية حرة لا من إكراه مؤسسي.

وفي علم الجريمة والأمن المجتمعي، يُعدّ تراجع بنسبة 30% رقماً استثنائياً يستوقف الباحثين والمختصين، إذ إن كثيراً من الدول المتقدمة تعتبر تراجعاً بنسبة خمسة إلى عشرة بالمئة في عام واحد إنجازاً يستحق الاحتفاء والدراسة. وهذا يطرح سؤالاً جوهرياً مشروعاً: ما الذي فعلته البحرين بشكل مختلف حتى وصلت إلى هذه النتيجة؟ الجواب الذي تكشفه قراءة متأنية للتجربة هو أن المعادلة البحرينية نجحت في الجمع بين ثلاثة عناصر نادراً ما تجتمع في تجربة واحدة: كفاءة الجهاز الأمني واحترافيته، وفاعلية البرامج الوقائية الاجتماعية وعمقها، وعمق الانتماء الوطني لدى المواطن وإحساسه بالمسؤولية تجاه مجتمعه. وحين تجتمع هذه العناصر الثلاثة في منظومة متناسقة تقودها رؤية واضحة وإرادة سياسية صادقة، تصبح نتائج كالتي أعلنتها البحرين اليوم ليست مفاجئة بل منطقية ومتوقعة.

وما يمنح هذه التجربة ألقاءها وتميزها وتفردها في المشهد الإقليمي والدولي أنها لم تكتفِ بإطلاق الشعارات البراقة أو الاحتفاء بالمبادرات اللحظية، بل ترجمت مفاهيم كالانتماء الوطني والمواطنة والتماسك المجتمعي إلى خطة وطنية مؤسسية راسخة لها لجنة وزارية متخصصة ومؤشرات قابلة للقياس والمحاسبة. هذا التحول من الخطاب إلى المؤسسة، ومن الشعار إلى السياسة، هو ما يضمن لهذه التجربة ديمومةً واستدامةً تتجاوز الحماسة اللحظية وتبقى حتى حين تتبدل الظروف وتتغير الأولويات.

وإن كانت هذه النتائج المتميزة قد تحققت وترسّخت لتُعزز الاستقرار المجتمعي وتنشر الأمن والأمان في ربوع المملكة، فإنها في الوقت ذاته تشهد شهادةً لا تقبل الجدل على المستوى الرفيع الذي بلغه منسوبو وزارة الداخلية من كفاءة وقدرة واحترافية في كافة المجالات، الأمنية والإعلامية والقانونية والاقتصادية والإدارية وسواها. فالمؤسسة الأمنية في مملكة البحرين لا تُدار بالعقلية التقليدية التي تختزل الأمن في الضبط والردع، بل تُدار بمفاهيم استراتيجية حديثة تنظر إلى الأمن نظرة شاملة ومتكاملة تستوعب الأبعاد الاجتماعية والنفسية والاقتصادية والإعلامية جنباً إلى جنب مع البعد الأمني الكلاسيكي.

هذا التحول في فلسفة إدارة المؤسسة الأمنية هو ما انعكس تلقائياً وبصورة مباشرة في تراجع معدلات الجريمة، إذ حين ترتفع كفاءة المؤسسة وتتسع رؤيتها وتتعمق صلتها بالمجتمع، تتراجع الجريمة لا لأن الخوف من العقوبة ازداد، بل لأن الأرضية الاجتماعية التي تنمو فيها باتت أكثر مناعةً وأشد تحصيناً.

خلاصة القول، ما تُقدّمه البحرين اليوم ليس مجرد إحصاء أمني يُتلى في مناسبة رسمية، بل هو نموذج ناضج لإدارة المجتمع بأدوات ناعمة وصلبة في آنٍ معاً، نموذج يقول بوضوح إن الأمن الحقيقي والدائم لا يُبنى خلف الأسوار والحواجز وحدها، بل يُبنى أولاً وأخيراً في وجدان المواطن الذي يرى في وطنه امتداداً لكرامته وهويته وكرامة أبنائه، لا مجرد جغرافيا يسكنها وينتظر ممن يحكمونها أن يحموها.