تقريرالبحرين/المنامة/ منذ تأسيسه قبل خمسة وعشرين عاماً، شكّل المجلس الأعلى للمرأة، برئاسة صاحبة السمو الملكي الأميرة سبيكة بنت إبراهيم آل خليفة، قرينة ملك البلاد المعظم، محطة مفصلية في مسيرة المرأة البحرينية نحو المشاركة الكاملة في بناء الوطن. ولم يكن اهتمام صاحبة السمو بقضايا المرأة اهتماماً عابراً أو موسمياً، بل كان – ولا يزال – متابعة شخصية ومباشرة، امتدت من رسم السياسات والاستراتيجيات الوطنية للنهوض بالمرأة، إلى إطلاق مبادرات وجوائز ملموسة تلامس حياة الأسرة البحرينية اليومية، وعلى رأسها دعم الأسر المنتجة وربات البيوت والمرأة العاملة على حد سواء.
وفي ظل الاحتفال بذكرى اليوبيل الفضي لتأسيس المجلس، ويوم المرأة البحرينية 2026، تحت شعار (25 عاماً في قلب المشروع الإصلاحي)، يستعرض هذا التقرير أحد أبرز الأذرع العملية لهذا الاهتمام الملكي الممتد، وهو جائزة صاحبة السمو الملكي الأميرة سبيكة بنت إبراهيم آل خليفة لتشجيع الأسر المنتجة، التي تحولت من مبادرة محلية متواضعة عام 2007، إلى تجربة عربية وعالمية يُحتذى بها.
ومن أبرز الأدوات التي اعتمدت عليها صاحبة السمو لترجمة هذه الرؤية إلى واقع اقتصادي ملموس، مبادرتها في دعم مشروع الأسر المنتجة، الذي شكّل واحداً من أهم الروافد التي مكّنت المرأة البحرينية، وخاصة ربات البيوت والأسر محدودة الدخل، من التحول من موقع المستفيد من المساعدات الاجتماعية إلى موقع المنتج الفاعل في الاقتصاد الوطني، بعد أن أدركت صاحبة السمو مبكراً أن تمكين المرأة اقتصادياً لا يبدأ بالضرورة من الوظيفة الحكومية أو القطاع الخاص التقليدي، بل يمكن أن ينطلق من المنزل نفسه، عبر تحويل المهارات الحرفية والمواهب الفردية إلى مشاريع إنتاجية مستدامة تدرّ دخلاً حقيقياً وتحفظ كرامة الأسرة واستقلاليتها المادية.
ولم يقتصر دور صاحبة السمو على هذا الجانب الاقتصادي المباشر، بل امتد ليشمل بناء منظومة مؤسسية متكاملة تحفّز المجتمع بكل مكوناته، الرسمية والأهلية، على الانخراط في دعم المرأة وتمكينها. فمن خلال تشجيع الوزارات والمؤسسات الحكومية والخاصة على تبني سياسات داعمة للمرأة العاملة، وزيادة نسب تأهيلها وتدريبها، وإدماجها في خطط التنمية الوطنية، نجحت صاحبة السمو في ترسيخ مبدأ أن تمكين المرأة ليس مسؤولية جهة واحدة، بل قضية وطنية جامعة تتطلب تضافر جهود القطاعين العام والخاص والمجتمع المدني على حد سواء. وقد انعكس هذا التوجه في التزام هذه الجهات بسياسات عدم التمييز ضد المرأة، وفتح المجال أمامها لتبوّؤ المراكز القيادية والتنفيذية ومواقع صنع القرار، وهو ما تجلى لاحقاً في وصول المرأة البحرينية إلى أرفع المناصب في القضاء والتشريع والإدارة العامة.
كما حرصت صاحبة السمو على أن يكون التمكين الاقتصادي للمرأة مصحوباً ببعد اجتماعي وإنساني عميق، فلم تكن المبادرات التي أطلقتها مجرد أدوات لتحفيز الإنتاج والربح المادي، بل امتدت لتشمل قيماً مثل إحياء الحرف التقليدية والصناعات الشعبية التي تمثل جزءاً أصيلاً من الهوية الوطنية، ودعم الفئات الأكثر حاجة داخل المجتمع، وتشجيع المشاريع ذات الأثر الإنساني والاجتماعي إلى جانب المشاريع التجارية البحتة. وهذا ما جعل من تجربة تمكين المرأة البحرينية نموذجاً متوازناً يجمع بين البعد الاقتصادي والبعد القيمي في آنٍ واحد.
ولم تتوقف هذه الرؤية عند الحدود المحلية، بل سعت صاحبة السمو إلى نقل التجربة البحرينية إلى الفضاء العربي والدولي، انطلاقاً من قناعة بأن نجاح أي تجربة تنموية يكتمل حين تتشارك فيه الشعوب الشقيقة والصديقة، فتحولت المبادرات التي أطلقتها من نطاقها المحلي إلى مبادرات إقليمية تحظى برعاية مؤسسات عربية جامعة، بل امتدت لتحظى بتبنٍّ من منظمات دولية معنية بقضايا المرأة، في اعتراف واضح بأن النموذج البحريني في تمكين المرأة يستحق أن يكون مرجعية يُستفاد منها على نطاق أوسع من حدود المملكة.
ولا يمكن فصل هذا الإنجاز النسائي عن سياقه الوطني الأشمل، المتمثل في المشروع الإصلاحي لحضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة، ملك البلاد المعظم الذي أرسى منذ بداياته دعائم دولة العدل والمؤسسات، وفتح الأبواب أمام مشاركة حقيقية لكل مكونات المجتمع البحريني، رجالاً ونساءً. كما لا يمكن إغفال الدور الداعم لصاحب السمو الملكي ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، من خلال حكومة تنموية أدركت أن تعظيم مشاركة المرأة في سوق العمل والحياة العامة ليس ترفاً اجتماعياً، بل ضرورة تنموية واقتصادية تصب في مصلحة الوطن ككل.
وحين يُنظر إلى مجمل هذه الجهود، من دعم الأسر المنتجة، إلى بناء منظومة تشريعية وتحفيزية شاملة، إلى ربط المرأة البحرينية بالتجربة العربية والعالمية، يتضح أن دور المجلس الأعلى للمرأة، بقيادة صاحبة السمو الملكي الأميرة سبيكة بنت إبراهيم آل خليفة، لم يكن عملاً مؤسسياً روتينياً، بل كان مشروعاً متكاملاً ومتراكماً عبر السنين، نقل المرأة البحرينية تدريجياً من موقع المشاركة المحدودة إلى موقع الشراكة الكاملة في مسيرة التنمية الاقتصادية والاجتماعية للمملكة، وجعل من تجربتها الوطنية في هذا المجال نموذجاً يستحق الدراسة والاقتداء إقليمياً ودولياً.