الرئيسية / أخبار / دول الخليج العربي بين حربي العسكر والإعلام..بقلم: سميرة بن رجب

دول الخليج العربي بين حربي العسكر والإعلام..بقلم: سميرة بن رجب

مع‭ ‬بداية‭ ‬حرب‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬على‭ ‬إيران،‭ ‬التي‭ ‬واجهتها‭ ‬إيران‭ ‬بالحرب‭ ‬على‭ ‬دول‭ ‬الخليج،‭ ‬بدأت‭ ‬بالتوازي‭ ‬حرب‭ ‬إعلامية‭ ‬ومعلوماتية‭ ‬شرسة‭ ‬ضد‭ ‬دول‭ ‬الخليج،‭ ‬بتزييف‭ ‬الحقيقة‭ ‬وتشويه‭ ‬الصورة،‭ ‬للتأثير‭ ‬على‭ ‬المعنويات،‭ ‬والاقتصاد،‭ ‬وزرع‭ ‬الخلافات‭ ‬والضغائن،‭ ‬وإضعاف‭ ‬الجبهة‭ ‬الداخلية‭.. ‬وإنصافًا‭ ‬لمبادئ‭ ‬وقيم‭ ‬الحق‭ ‬والعدالة‭ ‬والتعايش‭ ‬السلمي‭ ‬والتسامح‭ ‬الديني‭ ‬التي‭ ‬نشأت‭ ‬عليها‭ ‬أجيال‭ ‬الخليج‭ ‬في‭ ‬نموذج‭ ‬تنموي‭ ‬وحضاري‭ ‬مميز،‭ ‬واستحقاقًا‭ ‬للتاريخ‭ ‬والمستقبل،‭ ‬سنحاول‭ ‬هنا‭ ‬سرد‭ ‬الواقع‭ ‬الذي‭ ‬تعيشه‭ ‬بلداننا‭ ‬وشعوبنا‭ ‬الخليجية،‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬اللحظات‭ ‬الاستثنائية‭ ‬الراهنة‭.‬

فجوة‭ ‬الإدراك‭ ‬بين‭ ‬الصورة‭ ‬الداخلية‭ ‬والخارجية

خلقت‭ ‬وسائل‭ ‬الإعلام‭ ‬فجوة‭ ‬كبيرة‭ ‬بين‭ ‬الحقيقة‭ ‬والتضليل؛‭ ‬بين‭ ‬حقيقة‭ ‬واقع‭ ‬الحياة‭ ‬اليومية‭ ‬الذي‭ ‬يعيشه‭ ‬الناس‭ ‬على‭ ‬الأرض‭ ‬في‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬خلال‭ ‬هذه‭ ‬الأزمة،‭ ‬والصورة‭ ‬المرعبة‭ ‬المضللة‭ ‬التي‭ ‬تعكسها‭ ‬في‭ ‬تقاريرها‭ ‬ونشراتها‭ ‬الإخبارية‭. ‬فقد‭ ‬أظهرت‭ ‬تحليلات‭ ‬وسائل‭ ‬الإعلام‭ ‬أن‭ ‬التغطية‭ ‬الإخبارية‭ ‬للصراع‭ ‬مسيسة‭ ‬إلى‭ ‬حد‭ ‬كبير،‭ ‬بينما‭ ‬كان‭ ‬الواقع‭ ‬أكثر‭ ‬استقرارًا‭ ‬مما‭ ‬توحي‭ ‬به‭ ‬العناوين‭ ‬الرئيسية‭. ‬هذا‭ ‬‮«‬التباين‭ ‬في‭ ‬الإدراك‮»‬‭ ‬يجعل‭ ‬الحياة‭ ‬اليومية‭ ‬تبدو‭ ‬طبيعية‭ ‬لمن‭ ‬يعيش‭ ‬في‭ ‬قلب‭ ‬المنطقة،‭ ‬بينما‭ ‬يراها‭ ‬العالم‭ ‬الخارجي‭ ‬مسرحًا‭ ‬للحرب‭ ‬الشاملة‭.‬

طوال‭ ‬خمسة‭ ‬أشهر‭ (‬منذ‭ ‬28‭ ‬فبراير‭ ‬2026‭) ‬والخليج‭ ‬يعيش‭ ‬مشهدًا‭ ‬حربيًّا‭ ‬سرياليًّا،‭ ‬قاسيًّا،‭ ‬حيث‭ ‬الأساطيل‭ ‬الأمريكية‭ ‬تستهدف‭ ‬إيران‭ ‬بأطنان‭ ‬من‭ ‬القاذفات‭ ‬انطلاقًا‭ ‬من‭ ‬أساطيلها‭ ‬وبوارجها‭ ‬في‭ ‬البحر‭ ‬القريب‭ ‬من‭ ‬سواحل‭ ‬إيران،‭ ‬والأخيرة‭ ‬لا‭ ‬ترد‭ ‬على‭ ‬مصادر‭ ‬النيران،‭ ‬بل‭ ‬نيرانها‭ ‬تستهدف‭ ‬دول‭ ‬الخليج،‭ ‬التي‭ ‬منذ‭ ‬اللحظة‭ ‬الأولى‭ ‬أعلنت‭ ‬أنها‭ ‬لا‭ ‬ترغب‭ ‬في‭ ‬الدخول‭ ‬بهذه‭ ‬الحرب،‭ ‬ولجأت‭ ‬إلى‭ ‬الدبلوماسية‭… ‬ومن‭ ‬واقع‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الدول‭ ‬ليست‭ ‬طرفًا‭ ‬في‭ ‬النزاع‭ ‬الأساسي،‭ ‬بل‭ ‬تجد‭ ‬نفسها‭ ‬في‭ ‬مرمى‭ ‬النيران‭ ‬رغمًا‭ ‬عنها،‭ ‬فلا‭ ‬يوجد‭ ‬وصف‭ ‬للسلوك‭ ‬الإيراني‭ ‬إلا‭ ‬بأنه‭ ‬ممارسة‭ ‬لسياسة‭ ‬توسيع‭ ‬ممنهجة‭ ‬للصراع،‭ ‬بهدف‭ ‬تحقيق‭ ‬أهداف‭ ‬استراتيجية‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬تحويل‭ ‬المنطقة‭ ‬بأكملها‭ ‬إلى‭ ‬ساحة‭ ‬مواجهة،‭ ‬لتشمل‭ ‬دولا‭ ‬لم‭ ‬تختر‭ ‬الانخراط‭ ‬فيها‭.‬

هذه‭ ‬الاستراتيجية،‭ ‬رغم‭ ‬أنها‭ ‬تهدف‭ ‬إلى‭ ‬كسب‭ ‬ورقة‭ ‬تفاوضية،‭ ‬فإن‭ ‬إيران‭ ‬تخاطر‭ ‬بتوحيد‭ ‬المنطقة‭ ‬ضدها‭ ‬ودفع‭ ‬هذه‭ ‬الدول‭ ‬إلى‭ ‬تحالفات‭ ‬دفاعية‭ ‬أكثر‭ ‬صلابة،‭ ‬ما‭ ‬قد‭ ‬يحقق‭ ‬عكس‭ ‬النتيجة‭ ‬التي‭ ‬ترجوها‭.‬

في‭ ‬الجانب‭ ‬الآخر‭ ‬تعيش‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬العربي‭ ‬ظاهرة‭ ‬فريدة‭ ‬من‭ ‬نوعها،‭ ‬بمعنى‭ ‬أنها‭ ‬لم‭ ‬تحدث‭ ‬في‭ ‬مناطق‭ ‬الأزمات‭ ‬الأخرى‭… ‬هي‭ ‬ليست‭ ‬فريدة‭ ‬من‭ ‬نوعها‭ ‬بمعنى‭ ‬أنها‭ ‬منيعة‭ ‬على‭ ‬التأثر،‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬ظاهرة‭ ‬تمثل‭ ‬نموذجًا‭ ‬استثنائيًّا‭ ‬في‭ ‬كيفية‭ ‬إدارة‭ ‬الأزمات‭ ‬الوجودية‭ ‬تحت‭ ‬الضغط،‭ ‬مع‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬تماسك‭ ‬الدولة‭ ‬والمجتمع،‭ ‬هذه‭ ‬الفرادة‭ ‬تنبع‭ ‬من‭ ‬ثلاثة‭ ‬مستويات‭ ‬مترابطة،‭ ‬بدءًا‭ ‬بمستوى‭ ‬البنية‭ ‬السياسية‭ ‬والاجتماعية‭ ‬العميقة،‭ ‬ثم‭ ‬مستوى‭ ‬المرونة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬واللوجستية،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬مستوى‭ ‬التحول‭ ‬الاستراتيجي‭ ‬في‭ ‬مفهوم‭ ‬الأمن،‭ ‬وإن‭ ‬كان‭ ‬هذا‭ ‬النموذج‭ ‬يواجه‭ ‬الآن‭ ‬اختبارًا‭ ‬قاسيًا‭.‬

استثنائية‭ ‬النموذج‭ ‬السياسي‭ ‬والاجتماعي‭ ‬الخليجي

تُشير‭ ‬تحليلات‭ ‬السياسة‭ ‬إلى‭ ‬مفهوم‭ ‬‮«‬الاستثنائية‭ ‬الخليجية‭ (‬Gulf‭ ‬Exceptionalism‭) ‬الذي‭ ‬يرى‭ ‬أن‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬تعمل‭ ‬بمنطق‭ ‬مختلف‭ ‬عن‭ ‬باقي‭ ‬المنطقة‭. ‬هذا‭ ‬الاستثناء‭ ‬لا‭ ‬يقوم‭ ‬على‭ ‬الثروة‭ ‬النفطية‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬على‭ ‬بنية‭ ‬أعمق،‭ ‬هي‭ ‬بنية‭ ‬الشرعية‭ ‬التاريخية‭ ‬والاجتماعية،‭ ‬بجانب‭ ‬البنى‭ ‬القانونية‭ ‬والاقتصادية‭ ‬الراسخة‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الدول‭. ‬هنا‭ ‬أثبتت‭ ‬الدول‭ ‬الخليجية‭ ‬أنها‭ ‬ممالك‭ ‬عربية‭ ‬مسلمة‭ ‬متجذرة‭ ‬في‭ ‬الروابط‭ ‬القبلية‭ ‬العربية،‭ ‬والاستمرارية‭ ‬الأسرية،‭ ‬والمرجعية‭ ‬الدينية،‭ ‬وعلاقة‭ ‬تاريخية‭ ‬وأخلاقية‭ ‬وإنسانية‭ ‬عميقة‭ ‬بين‭ ‬الحاكم‭ ‬والمحكوم‭ (‬Why‭ ‬Gulf‭ ‬exceptionalismis‭ ‬being‭ ‬revised‭, ‬not‭ ‬broken‭ – ‬Oman‭ ‬Observer‭).‬

هذه‭ ‬الاستثنائية‭ ‬الخليجية‭ ‬أسست‭ ‬تماسكًا‭ ‬اجتماعيًّا‭ ‬أثبتت‭ ‬قوتها‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬الأزمات،‭ ‬وخصوصًا‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الأزمة‭ ‬التي‭ ‬فُرِضَت‭ ‬على‭ ‬المنطقة،‭ ‬لذلك‭ ‬لم‭ ‬تؤدِ‭ ‬الحرب‭ ‬الحالية،‭ ‬رغم‭ ‬وصولها‭ ‬إلى‭ ‬الأراضي‭ ‬الخليجية،‭ ‬إلى‭ ‬انهيار‭ ‬الدولة‭ ‬أو‭ ‬المجتمع‭. ‬هذا‭ ‬التماسك‭ ‬أساسًا‭ ‬يعود‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬مرونة‮»‬‭ ‬النموذج‭ ‬السياسي‭ ‬الخليجي،‭ ‬الذي‭ ‬يجمع‭ ‬بين‭ ‬الردع‭ ‬العسكري،‭ ‬والرفاه‭ ‬الاجتماعي،‭ ‬والقدرة‭ ‬على‭ ‬التكيف‭. ‬هذا‭ ‬ما‭ ‬يفسر‭ ‬استمرار‭ ‬ملامح‭ ‬الحياة‭ ‬الطبيعية‭ ‬التي‭ ‬يعيشها‭ ‬الخليجيون‭ ‬رغم‭ ‬الأزمة،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يمثل‭ ‬تحديًا‭ ‬للسيناريوهات‭ ‬التشاؤمية‭ ‬التي‭ ‬تتنبأ‭ ‬بانهيار‭ ‬هذه‭ ‬الدول‭.‬

مرونة‭ ‬استثنائية‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬الصدمات

في‭ ‬المستوى‭ ‬الثاني‭ ‬فإن‭ ‬المرونة‭ ‬الخليجية‭ ‬الاستثنائية‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬الصدمات،‭ ‬التي‭ ‬أيضًا‭ ‬عاصرناها‭ ‬في‭ ‬أزمة‭ ‬كوفيد‭-‬19،‭ ‬أثبتت‭ ‬نجاحًا‭ ‬ملموسًا‭ ‬في‭ ‬الجمع‭ ‬بين‭ ‬التخطيط‭ ‬الاستباقي‭ ‬والقدرة‭ ‬على‭ ‬التكيف‭ ‬السريع‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬الحرب‭ ‬التي‭ ‬تستهدف‭ ‬البنى‭ ‬التحتية‭ ‬والاقتصاد‭.‬

أظهرت‭ ‬الحرب‭ ‬أن‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬التي‭ ‬استثمرت‭ ‬في‭ ‬البنية‭ ‬التحتية‭ ‬كخط‭ ‬دفاع‭ ‬أول،‭ ‬وفي‭ ‬أمن‭ ‬البنية‭ ‬التحتية‭ ‬للطاقة،‭ ‬وفي‭ ‬بدائل‭ ‬استراتيجية،‭ ‬مثل‭ ‬خطوط‭ ‬الأنابيب‭ ‬التي‭ ‬تتجاوز‭ ‬مضيق‭ ‬هرمز‭ (‬كخط‭ ‬الشرق‭-‬الغرب‭ ‬في‭ ‬السعودية،‭ ‬وخط‭ ‬حبشان‭-‬الفجيرة‭ ‬في‭ ‬الإمارات‭) ‬كانت‭ ‬أقل‭ ‬تضررًا‭ ‬من‭ ‬الدول‭ ‬التي‭ ‬تعتمد‭ ‬على‭ ‬ممر‭ ‬بحري‭ ‬واحد‭. ‬هذا‭ ‬يُظهر‭ ‬أن‭ ‬‮«‬المرونة‮»‬‭ ‬تُبنى‭ ‬قبل‭ ‬الأزمة‭.‬

واجهت‭ ‬الحكومات‭ ‬الخليجية‭ ‬صدمة‭ ‬إغلاق‭ ‬المضيق‭ ‬وارتفاع‭ ‬تكاليف‭ ‬التأمين‭ ‬والشحن‭ ‬بسرعة،‭ ‬وأثبتت‭ ‬قدرتها‭ ‬على‭ ‬التكيف‭ ‬الاقتصادي‭ ‬والإداري‭ ‬السريع‭ ‬في‭ ‬أصعب‭ ‬الأزمات،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬تمديد‭ ‬فترات‭ ‬الاعتماد‭ ‬الجمركي،‭ ‬وتقديم‭ ‬تسهيلات‭ ‬ائتمانية‭ ‬للشركات،‭ ‬ودعم‭ ‬الشركات‭ ‬الوطنية‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬لمنع‭ ‬أزمة‭ ‬السيولة‭ ‬من‭ ‬التحول‭ ‬إلى‭ ‬إفلاس‭. ‬هذه‭ ‬الاستجابة‭ ‬السريعة،‭ ‬التي‭ ‬صقلتها‭ ‬تجربة‭ ‬جائحة‭ ‬كورونا،‭ ‬حالت‭ ‬دون‭ ‬انهيار‭ ‬اقتصادي‭ ‬شامل‭ (‬Beyond‭ ‬Hormuz‭)‬،‭ ‬ومَكّنَت‭ ‬الدول‭ ‬من‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬المعيشة‭ ‬المعتاد‭ ‬لشعوبها،‭ ‬رغم‭ ‬أزمة‭ ‬الحرب‭.‬

إنَّ‭ ‬المرونة‭ ‬والتكيف‭ ‬السريع‭ ‬مع‭ ‬الأزمة‭ ‬يثبتان‭ ‬مدى‭ ‬استفادة‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬من‭ ‬تجارب‭ ‬دول‭ ‬أخرى‭ ‬تعرضت‭ ‬بنيتها‭ ‬التحتية‭ ‬للهجوم،‭ ‬ونجحت‭ ‬في‭ ‬حماية‭ ‬خطوط‭ ‬الأنابيب‭ ‬وبناء‭ ‬مراسي‭ ‬بحرية‭ ‬بديلة،‭ ‬كما‭ ‬نجحت‭ ‬في‭ ‬تحصين‭ ‬شبكات‭ ‬الكهرباء‭ ‬وإنشاء‭ ‬فرق‭ ‬صيانة‭ ‬سريعة‭ ‬وربط‭ ‬شبكات‭ ‬الطاقة‭ ‬إقليميًّا‭… ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬يظهر‭ ‬القدرة‭ ‬الاستثنائية‭ ‬في‭ ‬التعلّم‭ ‬المؤسسي‭ ‬وتطبيق‭ ‬الدروس‭ ‬في‭ ‬سياق‭ ‬محلي‭ ‬معقد‭.‬

إعادة‭ ‬هيكلة‭ ‬مفهوم‭ ‬الأمن‭ ‬في‭ ‬‮«‬عالم‭ ‬متعدد‭ ‬الأقطاب‮»‬

تجاوزت‭ ‬ظاهرة‭ ‬الفرادة‭ ‬الخليجية‭ ‬الجانب‭ ‬الدفاعي‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الأزمة،‭ ‬لتصل‭ ‬إلى‭ ‬إعادة‭ ‬هيكلة‭ ‬مفهوم‭ ‬الأمن‭ ‬ذاته،‭ ‬وهو‭ ‬تحول‭ ‬استراتيجي‭ ‬لربما‭ ‬يعود‭ ‬إلى‭ ‬تراجع‭ ‬الثقة‭ ‬في‭ ‬التحالفات‭ ‬الأمنية‭ ‬التقليدية،‭ ‬والوصاية‭ ‬الأمريكية،‭ ‬التي‭ ‬استمرت‭ ‬عقودا،‭ ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬استشرفناه‭ ‬في‭ ‬مقالات‭ ‬سابقة‭ ‬نشرت‭ ‬في‭ ‬بداية‭ ‬الأزمة،‭ ‬وبات‭ ‬اليوم‭ ‬أقرب‭ ‬إلى‭ ‬الواقع‭.‬

من‭ ‬البديهي‭ ‬أن‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬أدركت‭ ‬مبكرًا‭ ‬من‭ ‬واقع‭ ‬الأزمة‭ ‬الراهنة‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬يسبق‭ ‬لها‭ ‬مثيل‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭ ‬منذ‭ ‬بداية‭ ‬عهد‭ ‬النفط‭ ‬ما‭ ‬يستدعي‭ ‬التوجه‭ ‬إلى‭ ‬تحالفات‭ ‬أكثر‭ ‬مرونة،‭ ‬تتغير‭ ‬بحسب‭ ‬المصلحة،‭ ‬كنهج‭ ‬عملي‭ ‬لا‭ ‬يشبه‭ ‬التحالفات‭ ‬القديمة‭ ‬الجامدة‭… ‬كما‭ ‬أدركت‭ ‬أن‭ ‬الأمن‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬مجرد‭ ‬ردع‭ ‬عسكري،‭ ‬بل‭ ‬يشمل‭ ‬أمن‭ ‬الطاقة،‭ ‬وبنيتها‭ ‬التحتية،‭ ‬في‭ ‬مشاريع‭ ‬تهدف‭ ‬إلى‭ ‬خلق‭ ‬ترابط‭ ‬اقتصادي،‭ ‬قد‭ ‬يكون‭ ‬أكثر‭ ‬متانة‭ ‬من‭ ‬المعاهدات‭ ‬الرسمية‭.‬

إنَّ‭ ‬خلجنة‭ ‬الحرب‭ ‬كشفت‭ ‬الفجوة‭ ‬بين‭ ‬كتابة‭ ‬وتوقيع‭ ‬الاتفاقيات‭ ‬الأمنية‭ ‬وتنفيذها‭… ‬وأثبتت‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الاتفاقيات‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬درعًا‭ ‬واقيًا‭ ‬لحماية‭ ‬أمن‭ ‬الخليج‭ ‬وأمن‭ ‬الطاقة،‭ ‬ما‭ ‬أجبر،‭ ‬أو‭ ‬سيجبر،‭ ‬الدول‭ ‬الخليجية‭ ‬على‭ ‬إعادة‭ ‬ترتيب‭ ‬معادلاتها‭ ‬ومفاهيمها‭ ‬الأمنية‭ ‬بالكامل‭.‬

من‭ ‬المهم‭ ‬هنا‭ ‬تأكيد‭ ‬أن‭ ‬وصف‭ ‬الظاهرة‭ ‬بـ«الفريدة‮»‬‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬أنها‭ ‬ظاهرة‭ ‬منيعة‭.. ‬إذ‭ ‬واقع‭ ‬الحرب‭ ‬يكشف‭ ‬نقاط‭ ‬ضعف‭ ‬جوهرية،‭ ‬أهمها‭ ‬هو‭ ‬أن‭ ‬استمرار‭ ‬الحياة‭ ‬الطبيعية‭ ‬لا‭ ‬يلغي‭ ‬حقيقة‭ ‬أن‭ ‬الحرب‭ ‬أوقعت‭ ‬خسائر‭ ‬اقتصادية‭ ‬فادحة‭ ‬في‭ ‬قطاعات‭ ‬محددة‭. ‬ورغم‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬الأمر‭ ‬يعد‭ ‬طبيعيًّا‭ ‬في‭ ‬فترات‭ ‬الحرب،‭ ‬فإن‭ ‬النظام‭ ‬الاقتصادي‭ ‬الخليجي‭ ‬يرفضه،‭ ‬لينتقل‭ ‬مباشرة‭ ‬إلى‭ ‬إيجاد‭ ‬بدائل‭ ‬مساندة،‭ ‬ومحافظة‭ ‬على‭ ‬استمرار‭ ‬نمط‭ ‬الحياة‭ ‬الطبيعية‭ ‬التي‭ ‬يعيشها‭ ‬الشعب‭ ‬الخليجي‭ ‬عمومًا‭… ‬حتى‭ ‬انتهاء‭ ‬الأزمة‭.‬

الفرادة‭ ‬الخليجية‭ ‬بالإجمال‭ ‬تظهر‭ ‬في‭ ‬القدرة‭ ‬الاستثنائية‭ ‬لدول‭ ‬الخليج‭ ‬على‭ ‬الصمود‭ ‬وإعادة‭ ‬اختراع‭ ‬نفسها‭ ‬في‭ ‬خضم‭ ‬الحرب‭. ‬إنها‭ ‬نموذج‭ ‬يجمع‭ ‬بين‭ ‬شرعية‭ ‬سياسية‭ ‬متجذرة،‭ ‬ومرونة‭ ‬اقتصادية‭ ‬مبنية‭ ‬على‭ ‬استباقية‭ ‬وتخطيط،‭ ‬وتحول‭ ‬استراتيجي‭ ‬في‭ ‬مفهوم‭ ‬الأمن‭ ‬نحو‭ ‬شبكة‭ ‬مرنة‭ ‬من‭ ‬التحالفات‭ ‬والمصالح‭.‬

ورغم‭ ‬ذلك،‭ ‬وبكل‭ ‬مرونة،‭ ‬نؤكد‭ ‬لأنفسنا‭ ‬أن‭ ‬التحدي‭ ‬الحقيقي‭ ‬اليوم‭ ‬هو‭ ‬ما‭ ‬إذا‭ ‬كانت‭ ‬هذه‭ ‬الآليات‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬تحويل‭ ‬هذا‭ ‬الصمود‭ ‬إلى‭ ‬استقرار‭ ‬دائم‭ ‬بعد‭ ‬زوال‭ ‬العاصفة،‭ ‬أم‭ ‬أن‭ ‬الحرب‭ ‬ستغير‭ ‬من‭ ‬طبيعة‭ ‬الاستثناء‭ ‬الخليجي‭ ‬نفسه‭. ‬كما‭ ‬نؤكد‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬التحدي‭ ‬الاستفزازي‭ ‬يدركه‭ ‬الخليجيون،‭ ‬قيادات‭ ‬وشعوبا،‭ ‬إرادات‭ ‬وعقولا،‭ ‬والعمل‭ ‬به،‭ ‬بالتخطيط‭ ‬الهادئ،‭ ‬قد‭ ‬بدأ‭ ‬مبكرًا‭ ‬برؤية‭ ‬واثقة‭ ‬نحو‭ ‬التقدم‭ ‬إلى‭ ‬الأمام‭.‬

sr@sameerarajab‭.‬net

عن صحيفة (أخبار الخليج) البحرينية