الرئيسية / أخبار / الغذاء الحيوي: الجهود المبذولة والفرص الواعدة للإستثمار في الصحة – البريبايوتك الطبيعي نموذجاً (١)..بقلم د. أحمد حسن

الغذاء الحيوي: الجهود المبذولة والفرص الواعدة للإستثمار في الصحة – البريبايوتك الطبيعي نموذجاً (١)..بقلم د. أحمد حسن

الحديث عن الإستثمار في البريبايوتيك والبروبيوتيك لا يكتمل دون فهم الخلفية الطبيعية والإقتصادية للمواد ‏الخام التي تقوم عليها هذه الصناعة، فالبريبايوتيك، كونه أليافاً ومركبات نباتية غير قابلة للهضم ، تعتمد في ‏كثير من تطبيقاتها الصناعية على مصادر طبيعية ذات جودة عالية ، من أهم هذه المصادر الصمغ العربي ‏المستخرج من أشجار الأكاشيا، و أشجار الهشاب والطح والكتر، وهي أشجار تنمو في الحزام الإفريقي شبه الجاف ، ويُعد السودان تاريخيًا ‏أكبر منتج ومصدر عالمي للصمغ العربي‎.‎

الصمغ العربي بإعتباره مادة تستخدم في الصناعات الغذائية حيوية أو كمثبت أو مستحلب ، أيضاً هو ألياف ذائبة ذات ‏خصائص بريبايوتيكية مثبتة علمياً ، إذ تصل إلى القولون دون أن تتحلل ، وتعمل على تغذية البكتيريا النافعة ‏وتعزيز نشاطها منتجة احماضاً دهنية قصيرة السلسة يسهل هضمها وبالتالي تعمل على تعزيز المناعة بالإضافة الى أنشطة بايلوجية أخرى كمضادات للسرطان والأمراض الناجمة عن زيادة الوزن. هذا المعطى العلمي يمنح السودان – بحكم إمتلاكه مورداً طبيعياً إستراتيجياً – فرصة ‏تتجاوز التصدير الخام إلى الدخول في سلاسل تصنيع ذات قيمة مضافة أعلى ولذلك الفرق الإقتصادي بين بيع طن ‏من الصمغ كمادة أولية أو خامة، وبيعه بعد معالجته وتوحيد معاييره وتحويله إلى منتج بريبايوتيك معتمد ، فرق كبير ‏في العائد وفي فرص التشغيل ونقل المعرفة‎.‎

تكمن أهمية هذا التحول في كونة يرتبط أيضاً بمفهوم أوسع هو “الغـذاء الطبيعي” بوصفه اتجاهاً عالمياً متنامياً.

خلال العقود ‏الماضية، حيث هيمنت الصناعات الغذائية المعتمدة على الإضافات الصناعية والسكريات المكررة والدهون ‏المهدرجة ، ونتج عن ذلك إرتفاع في معدلات السمنة، وإضطرابات الأيض، وأمراض الأمعاء الإلتهابية مما دفع منظمة الغذاء والدواء الأمريكية لعكس الهرم الغذائي الذي تم الإعلان عنه عبر مؤتمراً صحفياً بالبيت الأبيض قبل الأيام القليلة الماضية. هذه ‏التحولات دفعت المستهلكين إلى إعادة النظر في علاقتهم بالغذاء، والبحث عن مكونات أقرب إلى أصلها ‏البروتيني النباتي أو الحيواني يحتوي على مواصفات الغذاء الحيوي، بحيث يكون أقل تدخلاً كيميائياً. في هذا السياق، يبرز البريبايوتيك والبروبيوتيك كمكونين يعيدان الإعتبار لفكرة ‏‏“التغذية الوظيفية”؛ أي الغذاء الذي يؤدي دوراً حيوياً يتجاوز الإشباع إلى دعم الوظائف الفسيولوجية‎.‎

البروبيوتيك، من جهتها، تعتمد على عزل سلالات بكتيرية نافعة وتنميتها في بيئات مختبرية متحكم فيها، ثم يتم ‏إدماجها في منتجات غذائية أو مكملات. نجاح هذه الصناعة يتطلب بيئـة بحثيـة قويـة، وبنية تحتية للتقنيات ‏الحيوية، وأنظمة رقابية دقيقة. هنا تتضح طبيعة التكامل الممكن لبناء الثقة بين الشركات والباحثين ذوي الخبرة لدى الدول التي تمتلك موارد طبيعية غنية بالألياف ‏البريبايوتيك، حيث يمكنها أن تطور شراكات مع مراكز بحثية لتوسيع نطاق إنتاج البروبيوتيك، بحيث ‏يتشكل قطاع متكامل قائم على دعم الميكروبيوم من بمفهوم التغذية والإضافة الحيوية‎.‎

من الناحية الاقتصادية، السوق العالمي للمنتجات الداعمة للميكروبيوم يشهد نمواً سنوياً مستمراً، مدفوعاً ‏بإرتفاع وعي المستهلك وبإزدياد الإنفاق على الرعاية الوقائية. هذا النمو لا يقوم فقط على الطلب الفردي، بل ‏على تحولات أعمق في سياسات الصحة العامة التي تشجع على تقليل كلفة العلاج طويل الأمد عبر الإستثمار ‏في الوقاية الغذائية. لذلك فإن الإستثمار في مواد طبيعية مثل الصمغ العربي (كبربايوتك طبيعي)، وتطويرها وفق معايير علمية، ‏يمكن أن يضع دول الإنتاج في موقع متقدم داخل هذا التحول العالمي‎.‎

كما أن للموضوع بعداً بيئياً مهماً، أشجار الأكاشيا، التي يُستخرج منها الصمغ العربي، تسهم في مكافحة ‏التصحر وتحسين خصوبة التربة في المناطق شبه الجافة للمزيد أرجو الإضطلاع على المقال (الطاق والمطوق الملح الهندى نموذجاً). أي أن دعم هذه السلسلة الإنتاجية لا يحقق عائداً ‏إقتصادياً فحسب، بل يعزز الإستدامة البيئية ويخلق توازناً بين التنمية والحفاظ على الموارد الطبيعية. هذا ‏البعد ينسجم مع الإتجاه العالمي نحو الإستثمار المسؤول بيئياً وإجتماعياً.

لكن الإنتقال من مورد طبيعي إلى صناعة متقدمة يتطلب معالجة تحديات حقيقية: حيث أن ضعف البنية التصنيعية في ‏بعض الدول المنتجة، تقلبات الأسعار العالمية، الحاجة إلى توحيد المواصفات القياسية، وضرورة حماية ‏المنتج من المنافسة غير المنضبطة. لذلك فإن الإستثمار الذكي لا يقتصر على التمويل، بل يشمل بناء منظومة ‏متكاملة : تركز على تدريب المزارعين، تطوير تقنيات الجمع والمعالجة، إنشاء مختبرات جودة، وتمويل أبحاث سريرية ‏تثبت الفعالية وفق معايير معترف بها دولياً.‎

بهذا المعنى، يصبح الإستثمار في البريبايوتيك والبروبيوتيك أكثر من مشروع تجاري في قطاع المكملات ‏الغذائية. إنه نموذج لتحويل مورد طبيعي إلى صناعة معرفية، ولإعادة صياغة العلاقة بين الزراعة ‏والصناعة والبحث العلمي، وإذا أُدِيرت هذه العملية برؤية طويلة المدى، فإن دولاً مثل السودان يمكن أن ‏تنتقل من موقع المورّد التقليدي إلى شريك فاعل في صناعة عالمية متنامية تقوم على الغذاء الطبيعي ودعم ‏صحة الإنسان من الداخل‎.‎

للمزيد ارجو الاضطلاع على البحوث الروابط أدناه:

https://pmc.ncbi.nlm.nih.gov/articles/PMC10624802

https://scholar.google.com/citations?user=undo98wAAAAJ&hl=en

د. أحمد حسن-كيمياء الأصماغ وتطبيقاتها البالوجية. جامعة ثاوث هامتون -المملكة المتحدة – كلية الهندسة، قسم الهندسة الكيميائية.جامعة دار العلوم – السودان- كلية الطب.

gummosis@gmail.com