الرئيسية / أخبار / البحرين 2026: (شباب 2030) و(قدها جونيور) و(الملكية للشرطة) و(بحريننا)… 4 مسارات وضعت الناشئة والشباب في صدارة الأولويات الوطنية

البحرين 2026: (شباب 2030) و(قدها جونيور) و(الملكية للشرطة) و(بحريننا)… 4 مسارات وضعت الناشئة والشباب في صدارة الأولويات الوطنية

تقرير البحرين/ خالد أبوأحمد/ لم يمرَّ صيف في البحرين بكثافة ما شهده هذا العام 2026 من برامج موجَّهة للشباب والناشئة، ولا بهذا المستوى من الحضور الرسمي المباشر في مواقع تلك البرامج، فمن مركز البحرين العالمي للمعارض الذي احتضن مشروعين كبيرين في وقت واحد، إلى الأكاديمية الملكية للشرطة التي نظّمت معسكرها السادس عشر، تشكّلت خلال هذا العام صورة متكاملة لاهتمام رسمي متضاعف، توّجته زيارة ملكية سامية أعطت العمل الشبابي دفعة معنوية استثنائية.

وقد تفضّل حضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة ملك البلاد المعظم، بزيارة إلى مدينة شباب 2030، وكان في استقباله لدى وصوله سمو الشيخ ناصر بن حمد آل خليفة، ممثل جلالة الملك للأعمال الإنسانية وشؤون الشباب رئيس المجلس الأعلى للشباب والرياضة، وعدد من كبار المسؤولين والمشرفين على المدينة. واطّلع جلالته على عرض فني قدّمته مواهب المدينة، وسلّم على عدد من أعضاء الهيئات الشبابية والمشاركين في برامجها، ثم وجّه كلمة إلى أبنائه وبناته أعرب فيها عن شكره وتقديره لهم، وقال جلالته: “مثلما خدم الأولون البحرين فأنتم تستكملون المسيرة”، مضيفاً أن رؤية أعمال الشباب وأشغالهم وأحاديثهم تبعث الاطمئنان على المستقبل وعلى البحرين.

المسارات الأربعة: منظومة واحدة بأربعة مداخل

المسار الأول: مدينة شباب 2030 افتُتحت النسخة الخامسة عشرة في الثاني عشر من يوليو 2026 بمركز البحرين العالمي للمعارض، وتنظمها وزارة شؤون الشباب بالتعاون مع الشريك الاستراتيجي صندوق العمل (تمكين). وتعكس مؤشرات هذا العام مرحلة جديدة من النمو، بارتفاع عدد المشاركين إلى أكثر من ستة آلاف شاب وشابة مقارنة بـ5,309 مشاركين في العام الماضي، ووصول عدد الفرص التدريبية إلى 10,650 فرصة مقارنة بـ6,953 فرصة في عام 2025، ضمن 256 برنامجاً تدريبياً، وهي أكبر نسخة في تاريخ المشروع الذي انطلق بمبادرة من سمو الشيخ ناصر بن حمد آل خليفة عام 2010 بهدف جعل الشباب البحريني الخيار الأول في سوق العمل. وواكب التوسعُ في الأعداد توسعاً في البنية التنظيمية، حيث خُصص قسم كامل في القاعة رقم (9) للأنشطة الرياضية وقسم آخر في القاعة رقم (10) للمراكز التدريبية، بما أتاح عدداً أكبر من الفصول والبرامج. وانخرط القطاع الخاص في التجربة على نحو لافت، فقدّم بنك البحرين الوطني ورش “المصرفي الرقمي للمستقبل” التي عرّفت المشاركين بأساسيات الصيرفة العصرية ومبادئ إعداد الميزانية، إلى جانب استضافة 83 متدرباً ضمن برنامج EVOLVE للتدريب الصيفي، فيما زار فريق إدارة زين البحرين المدينة بمشاركة ممثلين من وزارة شؤون الشباب في جولة تعريفية بالبرامج التفاعلية.

المسار الثاني: معسكر (قدها جونيور) الحدث الأبرز على مستوى الفئة العمرية الأصغر، انطلق في الثامن من أغسطس 2026 بتوجيه من سمو الفريق الركن الشيخ ناصر بن حمد آل خليفة مستشار الأمن الوطني قائد الحرس الملكي، في مركز البحرين العالمي للمعارض، واستمر حتى الثالث من سبتمبر. ونُفّذ بالشراكة بين الحرس الملكي وشركة ستوديو ماستر، بإشراف سمو العميد الركن الشيخ خالد بن حمد آل خليفة قائد العمليات الخاصة بالحرس الملكي. وقُسّم المشاركون من الفئة العمرية 10 إلى 17 سنة إلى أربع مجموعات، بواقع ستة أيام لكل مجموعة من التاسعة صباحاً حتى الثانية ظهراً، على ميادين أُعدّت خصيصاً للمعسكر شملت ميدان الرماية وميدان القوة والميدان التكتيكي والميدان المائي وميدان الإخلاء وميدان التسلق وميدان الإمداد، إضافة إلى ميدان مخصص للأطفال من عمر سنتين إلى تسع سنوات. واختتمت الدفعة الثالثة، التي ضمّت 400 فتاة، رحلتها التدريبية مساء الخميس 27 أغسطس 2026، بعد أن شهد سمو الشيخ خالد بن حمد حفل تخرج الدفعة الثانية في العشرين من أغسطس. وما لفت الانتباه هو أثر التجربة في وعي المشاركين أنفسهم، فقد ألقى المشارك عبدالله سنان كلمة نيابة عن زملائه في حفل تخرج الدفعة الأولى أكد فيها أن التجربة علّمتهم معنى الانضباط والالتزام والعمل بروح الفريق وتحمّل المسؤولية، معرباً باسم زملائه عن اعتزازهم بما يحظى به أبناء البحرين من رعاية واهتمام من القيادة.

المسار الثالث: المعسكر الصيفي للأكاديمية الملكية للشرطة أقيم في نسخته السادسة عشرة خلال الفترة من 16 إلى 29 أغسطس 2026، عبر برنامج متكامل ضمّ فعاليات تثقيفية وتوعوية وتعليمية ورياضية وترفيهية، ويستهدف تحصين النشء ضد الانحراف والجريمة وتعزيز الأمن الفكري والمجتمعي لديهم، إلى جانب تعميق الحس الوطني وتنمية الإحساس بالمسؤولية الاجتماعية. وزاره الفريق طارق بن حسن الحسن رئيس الشرطة يرافقه اللواء عادل عبدالله أمين الوكيل المساعد لشؤون الموارد البشرية وعدد من المدراء العامين والضباط، للاطلاع على سير البرامج والأنشطة المقدمة للمشاركين والمشاركات. وامتد التفاعل المؤسسي مع المعسكر إلى مؤسسات الدولة الأخرى، إذ استقبلت الأمانة العامة للمجلس الأعلى للمرأة في مقرها بالرفاع خمسين طالباً وطالبة من المشاركين، كما استقبلت أمانة مجلس النواب المشاركين ضمن الإطار ذاته.

المسار الرابع: الخطة الوطنية (بحريننا) يمثل هذا المسار المظلة المرجعية التي تنتظم تحتها بقية المسارات، فالمعسكر الصيفي للأكاديمية الملكية للشرطة هو أصلاً أحد مبادرات الخطة الوطنية لتعزيز الانتماء الوطني وترسيخ قيم المواطنة. وقد نظّم المكتب التنفيذي لـ (بحريننا) بالتعاون مع وزارة شؤون الشباب والمراكز الشبابية بالمدن والقرى زيارات تثقيفية ميدانية إلى مدينة شباب 2030 خلال الفترة من 16 إلى 20 أغسطس، بواقع نحو خمسين مشاركاً من الناشئة والشباب في كل زيارة، وهو ما يربط المسار الأول بالمسار الرابع ربطاً عملياً لا شكلياً. وتقوم الخطة على توحيد جهود القطاعات العامة والخاصة ضمن استراتيجية واحدة، عبر مسارات تشمل برامج الانتماء وحملات العلاقات العامة والإعلام والمناهج والتشريعات، إلى جانب مؤشرات أداء وطنية تقيس فاعلية المبادرات وأثرها المجتمعي.

أثر البرامج في تكوين جيل المستقبل

القيمة الحقيقية لما قُدّم هذا العام لا تُقاس بعدد المشاركين ولا بساعات التدريب، بل بنوع المهارة التي انتقلت إلى المشارك وبقيت معه بعد انتهاء البرنامج. فالبرامج التي طرحتها مدينة شباب 2030 جاءت مواكبة لاحتياجات سوق العمل البحريني ومتطلباته، وركّزت على المجالات التقنية والبرمجيات والابتكار وريادة الأعمال والتصوير والتنمية الشخصية، وهي حقول تتقاطع مباشرة مع التخصصات التي يتشكّل حولها الاقتصاد الجديد. وهذا يعني أن الشاب الذي أنهى ورشة في البرمجة أو في إعداد الميزانية أو في صناعة المحتوى الرقمي لم يقضِ صيفاً ممتعاً فحسب، بل امتلك ميزة تنافسية قابلة للقياس عند دخوله سوق العمل بعد سنوات قليلة. والشراكة مع صندوق العمل “تمكين” تعزز هذا البعد تحديداً، إذ يقوم منطقها على ربط المهارة بفرصة العمل، لا على التدريب لذاته.

أما (قدها جونيور) فقد اشتغل على طبقة أعمق من المهارة التقنية، هي طبقة تكوين الشخصية، الناشئ الذي خاض الميدان التكتيكي أو ميدان التسلق أو ميدان الإخلاء اكتسب ما لا يُدرَّس في الفصول: القدرة على اتخاذ قرار تحت ضغط، وتقدير حدود قدرته الجسدية والذهنية، والثقة بالفريق الذي يعمل معه. وقيمة هذا المكتسب تتضاعف مع اتساع انشغال هذه الفئة العمرية بالشاشات الرقمية وانحسار الأنشطة البدنية والجماعية في يومها، فالمعسكر أعاد إليها تجربة الجهد المشترك والاحتكاك المباشر بالواقع. وعلى المسار الأمني التربوي، يعمل معسكر الأكاديمية الملكية للشرطة على هدف وقائي بعيد المدى لا يظهر في السنة نفسها، بل يُقرأ بعد عقد أو أكثر في معدلات انخراط هؤلاء الشباب في العمل التطوعي والمؤسسي، وفي درجة مناعتهم أمام الخطاب المتطرف ووسائط التأثير العابرة للحدود.

الحصيلة أن البحرين تبني عبر هذه المسارات الأربعة مخزوناً بشرياً مؤهلاً على ثلاثة مستويات متكاملة: مهارة مهنية تُقصّر المسافة بين التعليم وسوق العمل، وشخصية منضبطة قادرة على المبادرة والصمود، وانتماء وطني قائم على تجربة معيشة لا على تلقين. ومع ارتباط هذه البرامج بمرجعية واحدة هي الخطة الوطنية “بحريننا” ومؤشراتها، يصبح من الممكن قياس هذا الأثر ومتابعته عبر السنوات بدل تركه لتقديرات عامة. وهنا تحديداً يكمن الفارق بين نشاط صيفي يُطوى بانتهاء موسمه، ومشروع وطني يُراكم نتائجه جيلاً بعد جيل.

إن حصيلة 2026 تكشف عن ثلاثة تحولات جوهرية، الأول انتقال العمل الشبابي من برامج موسمية متفرقة إلى منظومة وطنية مترابطة تجد مرجعيتها في الخطة الوطنية (بحريننا) ورؤية البحرين الاقتصادية 2030، والثاني توسيع الفئة المستهدفة نزولاً إلى الناشئة والأطفال، بعد أن ظل التركيز لسنوات على الشريحة الشبابية الأكبر سناً. والثالث دخول القطاع الخاص شريكاً ممولاً ومنفذاً لا راعياً شكلياً، عبر المصارف والشركات والمبرات الخيرية التي أسهمت في تمويل المعسكرات وتقديم برامجها التدريبية، فالشباب البحريني يشكّل 62% من المجتمع بحسب ما أكدته مستشار التخطيط والتطوير بوزارة شؤون الشباب الشيخة دينا بنت راشد آل خليفة، وهي نسبة تجعل الاستثمار في هذه الفئة استحقاقاً تنموياً قبل أن يكون خياراً سياسياً.