الرئيسية / أخبار / زيارة جلالة الملك لمدينة شباب 2030.. البحرين تقدم أنموذجها للعالم..بقلم- خالد أبوأحمد

زيارة جلالة الملك لمدينة شباب 2030.. البحرين تقدم أنموذجها للعالم..بقلم- خالد أبوأحمد

تقرير البحرين/المنامة/ زيارة واحدة تكفي أحيانًا لتقول كل شيء.. حين دخل حضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة ملك البلاد المعظم حفظه الله ورعاه إلى مدينة شباب 2030 في أرض البحرين للمعارض الدولية لم تكن الزيارة بروتوكولًا يُسجّل في جدول الأعمال، كانت رسالة مفتوحة قرأها الناس في البحرين قبل أن تقرأها الصحافة، رسالة تقول إن الشباب في هذا البلد ليسوا ملفًا من ملفات الدولة بل هُم الدولة وهي تُبنى من جديد كل صيف.

جولة جلالة الملك التي رافقه فيها سمو الشيخ ناصر بن حمد آل خليفة ممثل جلالة الملك للأعمال الإنسانية وشؤون الشباب رئيس المجلس الأعلى للشباب والرياضة، وعدد من كبار المسؤولين لم تكن جولة مشاهدة بل جولة إصغاء، جلالته يسأل ويستمع ويتوقف عند مشروع صغير يقدمه ناشئ لم يبلغ الخامسة عشرة.

النسخة الخامسة عشرة من المدينة ليست حدثًا ترفيهيًا يملأ فراغ الصيف تضم أكثر من 324 برنامجًا تدريبيًا توفر أكثر من 10 آلاف فرصة تدريبية متنوعة بمشاركة 9635 شابًا وشابة إلى جانب 204 شراكات محلية ودولية. هذه أرقام دولة تعرف ماذا تريد، ولو وُزّعت هذه البرامج على عام كامل في أي بلد لاعتُبرت خطة وطنية للتأهيل، أن تُنجز في أسابيع معدودة وتحت سقف واحد فهذا ما يجعل التجربة البحرينية أنموذجًا يستحق أن يُدرَس خارج حدود المملكة.

تنقّل جلالته بين مراكز المدينة ومساراتها.. مركز العلوم والتكنولوجيا، ومركز الفنون والثقافة، ومركز القيادة وريادة الأعمال، ومركز الإعلام والترفيه، والمدينة الرياضية الصيفية، خمسة عوالم مفتوحة أمام فتى وفتاة في سن يتشكّل فيها الميل ويُحسم فيها الاتجاه، من يدخل مركز العلوم قد يخرج مهندسًا، ومن يجلس في استوديو الإعلام قد يخرج صحفيًا. ومن يعرض فكرته في مركز ريادة الأعمال قد يخرج صاحب شركة بعد عشر سنوات، المدينة تفتح الأبواب ثم تترك للشاب أن يختار بابه.

الانتماء لا يُلقَّن.. يُعاش

أهم محطة في الجولة من وجهة نظري ليست الأجهزة ولا المختبرات هي وقوف جلالته عند منصة الخطة الوطنية لتعزيز الانتماء الوطني وترسيخ قيم المواطنة (بحريننا) وعند مشاريع التاجر الصغير حيث استمع إلى شرح من المشاركين الناشئين عن أفكارهم وتجاربهم في ريادة الأعمال.

هنا يكمن المعنى العميق للمدينة، الانتماء الوطني لا يُصنع بمحاضرة ولا يُحفظ في كرّاسة يُصنع حين يشعر الشاب أن وطنه منحه فرصة قبل أن يطلبها. حين يجد من يمنحه جهازًا ومدربًا ومساحة ليجرب ويخطئ ويعيد المحاولة، الشاب الذي بنى مشروعه الصغير داخل المدينة وشاهد ملك بلاده يقف أمام طاولته ويسأله عن فكرته لن يحتاج أحدًا ليقنعه بحب البحرين لقد عاش السبب.

وحين ألقى جلالته كلمته على أبنائه وبناته اختصر المسافة كلها بجملة واحدة قال فيها “مثلما خدم الأولون البحرين فأنتم تستكملون المسيرة” جملة بسيطة تحمل فلسفة كاملة في العلاقة بين الأجيال لا قطيعة بين ماضٍ ومستقبل، سلسلة واحدة يتسلّم فيها الابن من أبيه ثم يمضي أبعد.

في لحظة لم يخطط لها أحد ولم يرد ذكرها في أي جدول تحوّل المشهد إلى ما هو أبلغ من كل الكلام، رفع الأطفال والشباب هواتفهم الذكية والتفّوا حول جلالته يلتقطون الصور، سيلفي بعد سيلفي وأيدٍ صغيرة تمتد فوق الرؤوس بحثًا عن زاوية أفضل رحّب جلالته بحب وامتنان وقف بينهم، وابتسم ابتسامة تغني عن كل وصف وتختصر كل ما يمكن أن يُقال عن العلاقة بين ملك وأبنائه.

لن تجد في أدبيات العلاقات العامة درسًا يعادل هذه اللحظة، طفل في العاشرة يعود إلى بيته يحمل في هاتفه صورة تجمعه بملك بلاده، تلك الصورة ستبقى معه سنوات وسيريها لأصدقائه وسيحكي عنها لأبنائه بعد عشرين عامًا، ولن يحتاج أحد أن يشرح له معنى الانتماء الصورة وحدها شرح كافٍ.

وهنا يظهر الفرق بين البروتوكول والقرب الوجداني الحقيقي، البروتوكول يصنع مسافة والقرب يمحوها. وما رآه البحرينيون هو ملك بلا مسافة، رجل يعرف أن أثره في هؤلاء الصغار لن يأتي من منصة ولا من خطاب بل من ابتسامة صادقة وكف تربت على كتف.

هواتف مرفوعة وابتسامة لا تُوصف

ما لم يره الحاضرون بأعينهم نقله تلفزيون البحرين إلى البيوت، تقرير مصوّر تابعه المواطنون والمقيمون على حد سواء ووقفت عنده العائلات في مجالسها، لحظات لا تجد الكلمات ما يوازيها، الصورة وحدها كانت تقول كل شيء والصمت أمام الشاشة كان أبلغ من أي تعليق.

وللمقيمين على هذه الأرض حكاية أخرى مع هذا التقرير، رجل ترك بلده خلفه وهو يحترق وامرأة تركت مدينتها تحت القصف، جلسوا يشاهدون ملكًا يمشي بين الأطفال ويبتسم لهم ويسمع لمشاريعهم الصغيرة، ويشجعهم ويفتح لهم الأفق للمستقبل المشرق، وفي داخل كل فرد من المقيمين سؤال واحد يتكرر متى نرى هذا المشهد في بلادنا..؟، متى يجلس أطفالنا في قاعة تدريب بدل أن يجلسوا في خيمة نزوح.؟ متى يرفعون هواتفهم ليلتقطوا صورة فرح بدل أن يرفعوها ليوثقوا خرابًا.؟.

هذه المقارنة الصامتة هي أصدق شهادة تُكتب للبحرين، أن يتمنى الغريب لبلده ما يراه في بلد استضافه، أن ينظر إلى أبناء البحرين وهم يبنون مستقبلهم فيتمنى مثله لأبنائه، الأمن نعمة لا يعرف قيمتها من لم يفقدها، وحين يجتمع الأمن مع قيادة تنشغل بأبنائها إلى هذا الحد يصبح البلد وطنًا لأهله ومحطة أمان لمن حلّ به.

مخرجات المدينة أكبر من شهادة تدريب تُعلَّق على جدار. أولها مهارة عملية يدخل بها الشاب سوق العمل وهو يعرف ما ينتظره، وثانيها شبكة علاقات تتكوّن بين المشاركين ومع 204 جهة شريكة تفتح أبوابها لاحقًا للتوظيف والاحتضان. وثالثها اكتشاف مبكر للموهبة، كم من فتاة عرفت أنها مصممة داخل هذه القاعات وكم من فتى اكتشف صوته الإذاعي في استوديو صغير.

ورابع المخرجات وأثمنها ثقة الشاب البحريني بنفسه وببلده، الجيل الذي يقضي صيفه في التعلم والإنتاج والتطوع لا تجد الأفكار الهدّامة إليه سبيلًا، المدينة سدّ منيع بالمعنى الفكري قبل أن تكون منصة تدريب، هي إجابة عملية على السؤال الذي يقلق كل المجتمعات. أين يذهب أبناؤنا في إجازتهم.

خلاصة

في أرض المعارض اجتمع كل شيء في يوم واحد، عقدان ونصف العقد من مشروع وطني عنوانه الإنسان. ملك  يخصص من وقته الثمين ويذهب إلى حيث يتجمع أبناؤه يسمع منهم ويشكرهم ويقول لهم إن المستقبل بين أيديهم، وشباب يردّون التحية بمشاريع وأفكار وطاقة لا تنضب.

البحرين التي تراهن على شبابها لن تخسر الرهان. وهذه المدينة التي تُقام كل صيف على أرض المعارض ستبقى شاهدة على أن أثمن ما تملكه المملكة ليس تحت الأرض، بل يمشي على قدمين ويحمل بين ضلوعه حب هذا الوطن.