تخيّلوا ألبوم صور قديمًا، أوراقه صفراء ورائحته تشبه خزائن البيوت العتيقة، نفتح الصفحة الأولى، فنجد أوروبا في بداية القرن العشرين مصانع تكبر، مدن تزدحم، قطارات تسبق أصحابها، وإمبراطوريات تقف على رأس دبوس، وفي وسط هذا كله كان الفن الأكاديمي ما يزال يطالب الفنان باتباع المنظومة المنظور، التشريح والانضباط وهنا تحديدًا ينبت التمرد.
المدرسة التعبيرية أنا أشعر إذن أنا أرسم.
دريسدن ألمانيا، 1905 أربعة فنانين شباب: كيرشنر، هكل، شميدت-روتلوف وفريتز بليل، يؤسسون جماعة «الجسر» Die Brücke.
كانوا يعيشون في مجتمع محافظ سريع التصنيع، وأكاديميات تعشق النظام أكثر مما تعشق الحرية.
وهنا أقول وأنا التي لا تثق كثيرًا في كلمة «انضباط» عندما تتحول إلى سجن: «الفن ليس طابور صباح، اتركوا الفنان يتنفس».
فقال التعبيريون، عمليًا: لن نرسم العالم كما تراه العين، بل كما تشعر به الروح.
أصبحت الألوان حادة، والأجساد ممدودة، والوجوه مشوهة، والخطوط متوترة، وكأن اللوحة نفسها لم تنم جيدًا.
ثم ظهرت جماعة «الفارس الأزرق» في ميونخ عام 1911، مع كاندينسكي وفرانز مارك، بينما كانت أوروبا تتجه نحو الحرب العالمية الأولى.
أما إدفارد مونك الذي سبق التعبيرية فقد منحنا «الصرخة»: الطبيعة لم تعد منظرًا جميلًا، بل أصبحت شريكة في القلق.
التكعيبية: ومن قال إن للشيء وجهًا واحدًا؟
باريس 1907 بيكاسو وبراك يقرران أن الواقع يحتاج إلى إعادة نظر حرفيًا.
كان المطلوب من الفنان أن يرسم الأشياء من زاوية واحدة وبمنظور منطقي. فجاء الاثنان وقالا: ولماذا؟
في «آنسات أفينيون»، فكك بيكاسو الشكل الإنساني والمنظور إلى زوايا ومساحات حادة، ثم جاءت التكعيبية التحليلية، ففُككت الأشياء إلى مستويات هندسية، قبل أن تظهر التكعيبية التركيبية بأشكال ومواد أكثر بساطة.
وسرعان ما انتشرت الفكرة في أوروبا.
أما الطريف أن اسم «التكعيبية» ارتبط بسخرية من لوحات براك التي بدت للمتفرجين وكأنها تحوّل العالم إلى مكعبات.
هكذا قد تبدأ ثورة فنية أحيانًا بنكتة ناقد، السريالية: العقل في إجازة
باريس، 1924 بعد الحرب العالمية الأولى، لم تعد أوروبا تثق كثيرًا في عقلها، وهنا ظهر أندريه بريتون وبيان السريالية.
تأثر السرياليون بفرويد، بالأحلام واللاوعي والصدفة، وقرروا تحرير الخيال من رقابة المنطق فأصبحت الساعة تذوب، والأشياء تطفو، والأماكن تتصرف بطريقة لا يعترف بها أي مهندس محترم.
وجاء سلفادور دالي ليجعل الحلم يبدو أكثر واقعية من الواقع نفسه، كما في «إصرار الذاكرة» عام 1931.
ثلاث مدارس وثلاثة تمردات:
التعبيرية قالت: «أشعر، لذلك أرسم».
التكعيبية قالت: «أرى من أكثر من زاوية، فلماذا أختار واحدة؟»
والسريالية قالت: «أحلم، ومن قال إن العقل مدير أعمالي؟»
لم تكن هذه المدارس نزوة فنانين أرادوا مخالفة القواعد. كانت ابنة عصر مضطرب: صناعة، مدن، حروب، أزمات، وتحولات اجتماعية هزّت كل ما كان يبدو ثابتًا.
ولذلك، حين نقلب ألبوم الفن الحديث، نرى عصرًا كاملًا يتغير:
إنسانًا يصرخ ووجهًا يتكسر إلى مكعبات، وساعة تذوب، لربما كنت محقة في شيء واحد:
حين يصبح الانضباط أهم من الحرية، يبدأ الفن بالبحث عن باب للخروج.
وبعد كل ما فعله الإنسان باسم العقل والمنطق، ربما لم يكن الفنانون هم المجانين فعلًا.
ربما كانوا فقط أول من لاحظ أن الغرفة كلها مائلة.
