الرئيسية / أخبار / حكاية (الهوبوز) الذين نحتوا الجوع على الفضة..! بقلم منى الروبي
د. منى الروبي

حكاية (الهوبوز) الذين نحتوا الجوع على الفضة..! بقلم منى الروبي

إذا أردت أن تشاهد فيلماً أمريكياً قديماً، فلا تبدأ بالبطل الذي يمتطي حصاناً أبيض، ولا بالشريف الذي ينظف المدينة من الأشرار، ابحث عن الرجل الذي يقف عند سكة القطار، يحمل كيساً مهترئاً وقبعة تخفي نصف وجهه هذا ليس راعي بقر، بل “هوبو”. رجل فقد منزله لكنه لم يفقد قدرته على النجاة.

في عام 1929 انهارت بورصة وول ستريت، وسقط معها ما كان يسمى بالحلم الأمريكي أغلقت البنوك أبوابها، وتبخرت مدخرات الناس وأقفلت المصانع، وقفزت البطالة إلى نحو ربع القوى العاملة، كان الرئيس آنذاك هربرت هوفر يطمئن المواطنين بأن الاقتصاد سيتعافى قريباً، بينما كانت طوابير الخبز تزداد طولاً، حتى أصبح العثور على رغيف أسهل من العثور على وظيفة.

ولأن الكوارث تحب الرفقة جاءت عواصف “وعاء الغبار” لتبتلع المزارع في ولايات الغرب الأوسط، ثم جاءت البنوك لتبتلع ما بقي منها بالأوراق الرسمية، آلاف العائلات فقدت أراضيها بعد أن عجزت عن سداد الديون، فاكتشفت أن البنك يستطيع أن ينتزع الأرض بهدوء أكثر مما يفعل الإعصار.

ويبدو أن بعض الدول، كلما أصابها ضيق اقتصادي، نسيت أن تعالج جراحها، وانشغلت بتفتيش جيوب الآخرين فإذا فرغت خزائنها، بدأت تنظر إلى ثروات الشعوب وكأنها وجبة مؤجلة. فالتاريخ يخبرنا أن الجشع لا يعترف بالحدود، وأن الاقتصاد عندما يفقد ضميره، يصبح الخراب بنداً عادياً في الميزانية.

وسط هذا المشهد خرج (الهوبوز)؛ رجال ونساء يجوبون الولايات الأمريكية متخفين داخل عربات قطارات الشحن، يبحثون عن عمل موسمي، أو وجبة ساخنة، أو سرير رخيص في نزل متواضع، وكان لهم عالمهم الخاص، حتى إنهم ابتكروا رموزاً صغيرة يرسمونها على الجدران وأعمدة السكك الحديدية، تخبر من يأتي بعدهم: هنا منزل يقدم الطعام، وهناك صاحب بيت كريم، وفي الجهة الأخرى شرطي لا يعرف معنى الابتسامة، أو كلب يظن نفسه مالك المدينة.

لكن أعجب ما تركه (الهوبوز) لم يكن تلك الرموز، بل فن صغير بحجم قطعة نقدية.

بدأ بعض الفنانين الفقراء ينحتون العملات الفضية الأمريكية، خاصة فئة النيكل والدولار ونصف الدولار، مستخدمين أدوات بدائية لا تزيد على مسمار وإبرة ومطرقة صغيرة، كانت ملامح الحرية والرؤساء تتحول إلى بحارة، أو متشردين بلحى كثيفة، أو رجال عجائز بقبعات بالية لم يكن ذلك عبثاً، بل ولادة فن عرف لاحقاً باسم (Hobo Nickels).

ويعد (جورج واشنطن هيوز) الأب الحقيقي لهذا الفن كان يحول قطعة نقدية بسيطة إلى تحفة مصغرة، ثم يبيعها بثمن يكفي لشراء وجبة، أو يدفع بها أجرة ليلة في فندق رخيص، أو يستبدلها بمساعدة من عامل في محطة قطار، وبعده جاء (بيرت ويغاند) الذي أوصل هذا الفن إلى مستوى مذهل من الدقة، حتى أصبحت كل قطعة تحمل شخصية مستقلة وحكاية مختلفة.

المفارقة الساخرة أن الدولار الذي عجز عن إنقاذ صاحبه، أنقذته يد فنان فقير العملة التي لم تعد تكفي لسد الجوع، أصبحت بعد قليل من النحت أغلى من قيمتها بعشرات المرات، واليوم تُباع بعض تلك القطع في المزادات بآلاف، بل عشرات الآلاف من الدولارات، ويقف الأثرياء يتنافسون عليها، بينما كان أصحابها الأوائل يبيعونها مقابل طبق حساء وقطعة خبز.

ربما لهذا السبب لا أصدق أن الفن يولد في القصور، كثيراً ما يولد في محطة قطار، أو في جيب ممزق، أو على قطعة فضة صغيرة حملت يوماً قيمة دولار واحد، ثم حملت بعد ذلك قيمة تاريخ كامل.

أحياناً لا يكتب التاريخ المنتصرون، بل نراة في ابتزاز الشعوب واجبارها على الدفع كما أجبر (الهوبوز) على النحت وهم  جوعى.