في وقت يواجه فيه العالم تحديات غير مسبوقة بسبب تغير المناخ، وتتصاعد فيه التحذيرات من اتساع رقعة التصحر وفقدان الغابات، وتراجع التنوع البيولوجي، اختارت إثيوبيا أن ترد على هذه التحديات بلغة العمل ففي صباح يوم الاثنين تستعد البلاد لتنفيذ واحدة من أكبر حملات التشجير في التاريخ، بزراعة 800 مليون شتلة في يوم واحد ضمن النسخة الثامنة من مبادرة البصمة الخضراء، في مشهد يجسد إيمان دولة بأكملها بأن مستقبل الإنسان يبدأ من حماية الطبيعة.
قد يبدو الرقم غير مسبوق، لكنه بالنسبة للإثيوبيين ليس مجرد هدف إحصائي أو محاولة لتسجيل رقم قياسي عالمي، بل هو امتداد لرؤية وطنية انطلقت عام 2019، عندما قررت البلاد أن تجعل من إعادة تأهيل البيئة واستعادة الغابات جزءًا من مشروعها التنموي. فمنذ ذلك الحين، لم تعد زراعة الأشجار نشاطًا موسميًا، بل تحولت إلى ثقافة وطنية وممارسة مجتمعية يشارك فيها الملايين من المواطنين، من طلاب المدارس والجامعات إلى المزارعين والموظفين، مرورًا بالمؤسسات الحكومية والقطاع الخاص، وصولًا إلى البعثات الدبلوماسية والجاليات الإثيوبية في الخارج.
ولم تأت هذه المبادرة من فراغ، فقد واجهت إثيوبيا، شأنها شأن العديد من الدول الأفريقية، تحديات بيئية متزايدة تمثلت في تدهور الأراضي الزراعية، وتراجع الغطاء النباتي، وتكرار موجات الجفاف، والضغوط المتزايدة على الموارد الطبيعية. وأدركت القيادة الإثيوبية أن مواجهة هذه التحديات لا يمكن أن تعتمد على الحلول التقليدية وحدها، بل تتطلب رؤية بعيدة المدى تجعل البيئة محورًا للتنمية الاقتصادية والاجتماعية، وتربط بين حماية الموارد الطبيعية وتحسين حياة المواطنين.
وخلال الأعوام الماضية، أثمرت هذه الرؤية عن نتائج لافتة، حيث نجحت إثيوبيا في زراعة أكثر من 48 مليار شجرة، ما أسهم في رفع نسبة الغطاء الحرجي من نحو 17 بالمائة إلى قرابة 24 بالمائة، في واحدة من أسرع عمليات استعادة الغطاء النباتي على مستوى القارة الأفريقية. واليوم، ومع دخول المبادرة عامها الثامن، تواصل البلاد الاقتراب من هدفها الاستراتيجي المتمثل في زراعة 65 مليار شجرة، في مسعى لا يهدف إلى زيادة المساحات الخضراء فحسب، بل إلى إعادة تشكيل العلاقة بين الإنسان والبيئة.
إن قيمة البصمة الخضراء لا تُقاس بعدد الأشجار التي تُزرع فقط، بل بما تحمله من أثر إنساني واقتصادي واجتماعي. فكل شجرة جديدة تعني حماية للتربة من الانجراف، وتعزيزًا لمصادر المياه، وتحسينًا لجودة الهواء، واستعادةً للتنوع البيولوجي، وزيادةً في إنتاجية الأراضي الزراعية. وهي في الوقت ذاته تمثل مصدرًا لفرص العمل والدخل، إذ وفرت المبادرة مئات الآلاف من الوظائف الخضراء، وأتاحت للنساء والشباب وصغار المزارعين فرصة المشاركة في إنتاج الشتلات، والعناية بها، وحماية الغابات، بما جعل البيئة وسيلة للتنمية الشاملة وليست مجرد قضية بيئية.
وتكتسب المبادرة أهمية خاصة بالنسبة للقارة الأفريقية، التي تسهم بأقل نسبة من الانبعاثات الكربونية عالميًا، لكنها تتحمل جزءًا كبيرًا من الآثار السلبية لتغير المناخ. ومن هنا، تقدم إثيوبيا نموذجًا يؤكد أن أفريقيا ليست مجرد متلقية للحلول، بل قادرة على ابتكار مبادراتها الخاصة وقيادة جهود التكيف مع التغيرات المناخية. وقد بدأت بالفعل عدة دول أفريقية في الاستفادة من التجربة الإثيوبية وإطلاق برامج مشابهة لإعادة التشجير واستعادة النظم البيئية.
ولا تقتصر أهمية المبادرة على الجانب البيئي، بل تمتد إلى الدبلوماسية المناخية، حيث عززت مكانة إثيوبيا على الساحة الدولية، خاصة مع استعدادها لاستضافة الدورة الثانية والثلاثين لمؤتمر الأمم المتحدة لتغير المناخ (COP32) عام 2027. وتدخل أديس أبابا هذا الاستحقاق وهي تحمل تجربة عملية قائمة على الإنجاز، تقدم من خلالها نموذجًا يؤكد أن العمل المناخي لا يُقاس بعدد التعهدات، بل بما يتحقق على أرض الواقع.
كما تفتح البصمة الخضراء آفاقًا اقتصادية واعدة، إذ يمكن لمليارات الأشجار، مع نموها وامتصاصها لثاني أكسيد الكربون، أن تمكن إثيوبيا من الاستفادة من أسواق الكربون العالمية، واستقطاب التمويل المناخي، ودعم مشاريع حماية الغابات والتنمية الريفية، بما يعزز الاقتصاد الأخضر ويخلق فرصًا جديدة للمجتمعات المحلية. وتطمح البلاد كذلك إلى أن تصبح هذه التجربة أساسًا لتعاون أفريقي أوسع في مجال حماية البيئة واستثمار رأس المال الطبيعي للقارة.
ورغم هذا النجاح، تدرك إثيوبيا أن زراعة الأشجار ليست سوى الخطوة الأولى، وأن التحدي الحقيقي يكمن في ضمان بقائها ونموها. ولذلك، تستثمر في تطوير المشاتل، وتحسين تقنيات الحفاظ على رطوبة التربة، واستخدام الأنظمة الحديثة لمتابعة الشتلات، إلى جانب نشر الوعي البيئي وترسيخ ثقافة المشاركة المجتمعية، باعتبار أن حماية البيئة مسؤولية جماعية تتطلب مساهمة الجميع.
وعندما يشارك ملايين الإثيوبيين في زراعة 800 مليون شتلة خلال يوم واحد، فإنهم لا يغرسون الأشجار فحسب، بل يغرسون الأمل أيضًا. فكل شتلة تمثل وعدًا بأرض أكثر خصوبة، وهواء أنقى، ومياه أكثر وفرة، وفرصة جديدة للحياة. إنها رسالة تؤكد أن الاستثمار في البيئة هو استثمار في الإنسان، وأن التنمية المستدامة تبدأ من احترام الطبيعة وحمايتها.
وفي عالم يبحث عن حلول حقيقية لأزمة المناخ، تقدم إثيوبيا نموذجًا مختلفًا، يقوم على الإرادة السياسية، والمشاركة الشعبية، والعمل الميداني. إنها قصة بلد قرر أن يحول التحديات إلى فرص، وأن يجعل من التشجير مشروعًا وطنيًا يعيد بناء البيئة والاقتصاد والمجتمع في آن واحد. ومع دخول مبادرة البصمة الخضراء عامها الثامن، لا تزرع إثيوبيا مليارات الأشجار فحسب، بل تزرع أيضًا الثقة في قدرة أفريقيا على قيادة مستقبل أكثر اخضرارًا واستدامة، وتؤكد أن أعظم الإنجازات قد تبدأ، أحيانًا، من غرس شتلة صغيرة في تربة تؤمن بالحياة.
*(صحفي إثيوبي )