تقرير البحرين/المنامة/ في لقاء حواري لافت جمع الفريق أول ركن معالي الشيخ راشد بن عبدالله آل خليفة وزير الداخلية برؤساء تحرير الصحف المحلية أمس الأربعاء تناول خلاله جملة من الملفات الأمنية والوطنية ذات الحساسية البالغة، برزت مجددا قيمة هذا النمط من اللقاءات المباشرة بين القيادة الأمنية والمؤسسة الإعلامية، باعتبارها محطة مهمة تكشف عمق التنسيق بين الجهتين في خدمة الوطن، وتؤكد في الوقت ذاته أن ما تنعم به البحرين اليوم من أمان وسلام واستقرار، إنما يستند بالدرجة الأولى إلى حكمة قيادة حضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة ملك البلاد المعظم حفظه الله ورعاه، وما يعززه صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن حمد آل خليفة ولي العهد رئيس مجلس الوزراء حفظه الله.
فحكمة القيادة لم تكن يوما شعارا عابرا، بل نهجا راسخا يقوم على الاعتدال وسيادة القانون والحرص الدائم على وحدة النسيج الوطني بكل أطيافه، وهو ما مكن البحرين رغم صغر مساحتها الجغرافية، من أن تبني على مدى السنوات الماضية منظومة أمنية واستراتيجية متطورة، قادرة على التعامل بكفاءة ومهنية مع أدق الظروف وأشدها تعقيدا، وهذه الحكمة هي الإطار الوطني الجامع الذي يلتف حوله الشعب بكل أطيافه، والذي تنطلق منه كل الجهود المؤسسية بما في ذلك الجهود الأمنية التي تتخذها وزارة الداخلية في مواجهة أي محاولة للمساس بأمن الوطن وسيادته واستقراره، باعتبارها مرتكزات لا مساومة عليها بأي حال من الأحوال.
وفي هذا السياق يمثل لقاء وزير الداخلية برؤساء تحرير الصحف المحلية نموذجا يستحق التوقف عنده مليا لما يحمله من دلالة عميقة على العلاقة التكاملية بين المؤسسة الأمنية والمؤسسة الإعلامية في بناء الوعي الوطني، فمثل هذه اللقاءات تمثل أداة فاعلة ومقصودة في ترسيخ المعرفة الصحيحة لدى الرأي العام حول التحديات الكبرى التي تواجه البحرين وشعبها، وتمكن الإعلاميين من نقل الصورة الدقيقة للمواطنين والمقيمين على حد سواء، بعيدا عن الشائعات ومحاولات التضليل التي كثيرا ما تحيط بالملفات الأمنية الحساسة، لا سيما في مرحلة إقليمية تزداد فيها التعقيدات وتتشابك فيها التهديدات.
فحين تتاح الفرصة لرؤساء التحرير للاستماع المباشر إلى الرؤية الأمنية الرسمية، ولطرح الأسئلة ومناقشة القضايا بشفافية ووضوح، فإن ذلك يسهم في بناء جسر ثقة متين بين المؤسسات الرسمية والرأي العام، ويحصن المجتمع من محاولات بعض الأطراف توظيف الغموض أو نقص المعلومة لخدمة أجندات مغايرة لا تخدم مصلحة الوطن. وهذا بالضبط ما يفسر حرص وزارة الداخلية على تكرار هذا النمط من اللقاءات الحوارية بشكل دوري ومنتظم، باعتبارها جزءا أصيلا من استراتيجية شاملة تقوم على الشفافية والمكاشفة، وعلى إشراك الإعلام كطرف رئيسي وفاعل في معادلة الأمن الوطني، لا كمتلق سلبي للأخبار فحسب، بل كشريك حقيقي في صياغة الوعي العام وحمايته.
وتزداد أهمية هذه اللقاءات كلما اتسعت رقعة التحديات التي تواجهها المنطقة بأسرها فالإعلام الوطني حين يُمنح المعلومة الدقيقة من مصدرها الرسمي، يصبح قادرا على أداء دوره في التوعية والتنوير بثقة ومسؤولية، ويتحول من مجرد ناقل للأخبار إلى شريك فاعل في حماية النسيج الاجتماعي من محاولات الاختراق الفكري والأيديولوجي التي تستهدف بعض دول المنطقة ومن بينها البحرين.
أما على صعيد الكفاءة الأمنية فقد أثبتت الأجهزة الأمنية البحرينية، عبر تراكم خبراتها ومتابعتها المستمرة على مدى السنوات الماضية، قدرة لافتة على استباق المخططات الخارجية قبل أن تتحول إلى تهديدات فعلية، لا التعامل معها بعد وقوعها وهذا ما يعكس مستوى عاليا من الاحترافية والجاهزية، ويؤكد أن منظومة الأمن الوطني في البحرين تعمل وفق رؤية استراتيجية طويلة المدى، بعقلية الدولة التي قوامها الاعتدال وسيادة القانون، لا بمنطق ردود الأفعال المؤقتة أو الارتجالية. فالجهود الاستخباراتية المتراكمة التي أفضت إلى إفشال محاولات عديدة لزعزعة الاستقرار، لم تأت وليدة اللحظة، بل هي ثمرة عمل دؤوب ومتواصل، يقوم على الرصد المبكر للأفكار المتطرفة، وتجفيف مصادر تمويلها، وتحصين المجتمع منها بشكل مستمر ومنهجي.
ويبقى الدرس الأبرز من هذا النهج المتكامل أن الأمن الحقيقي والمستدام لا يُبنى بعيدا عن الوعي المجتمعي، وأن كفاءة الأجهزة الأمنية مهما بلغت من الاحترافية، تظل بحاجة إلى شريك إعلامي وطني واع قادر على نقل الحقيقة بمصداقية وموضوعية إلى الرأي العام، وهذا التكامل الفريد بين حكمة القيادة العليا التي ترسم الإطار الاستراتيجي العام، وكفاءة المنظومة الأمنية التي تترجم هذه الرؤية إلى إجراءات عملية على أرض الواقع، وحضور الإعلام الوطني المسؤول الذي ينقل هذه الجهود إلى المجتمع بأمانة ووضوح، هو ما يفسر في نهاية المطاف، ما تنعم به البحرين اليوم من أمان وسلام واستقرار، رغم كل ما يحيط بالمنطقة من تحديات وتعقيدات متسارعة.
وفي النهاية تبقى البحرين شاهدة على أن الأمن حين يقترن بالحكمة يصنع الاستقرار، وحين يقترن بالإعلام الصادق يصنع الوعي، وهذان معا هما سر الثبات الذي عرفت به المملكة عبر تاريخها، فما تعيشه البحرين اليوم من أمان وسلام هو ثمرة قيادة حكيمة وأجهزة أمنية يقظة وإعلام وطني مسؤول، يعمل الجميع فيها بروح واحدة لحماية هذا الوطن الغالي.