الرئيسية / أخبار / في اليوم الدولي لمكافحة الاتجار بالبشر امرأة بريئة.. ضحية في قفص الاتهام!- بقلم نبيلة رجب
نبيلة رجب
نبيلة رجب

في اليوم الدولي لمكافحة الاتجار بالبشر امرأة بريئة.. ضحية في قفص الاتهام!- بقلم نبيلة رجب

في‭ ‬محكمة‭ ‬ما‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬العالم‭ ‬تقف‭ ‬امرأة‭ ‬مكبّلة‭ ‬اليدين‭ ‬تنتظر‭ ‬حكمها‭. ‬تبدو‭ ‬في‭ ‬نظر‭ ‬المحكمة‭ ‬جانية،‭ ‬والحقيقة‭ ‬أنها‭ ‬أول‭ ‬من‭ ‬وقع‭ ‬عليه‭ ‬الأذى‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬القضية،‭ ‬فمن‭ ‬استغلها‭ ‬هو‭ ‬من‭ ‬دفعها‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬تُحاكَم‭ ‬عليه‭ ‬اليوم‭. ‬أمام‭ ‬القاضي‭ ‬ملف‭ ‬مكتمل،‭ ‬حقيبة‭ ‬ضُبطت‭ ‬معها‭ ‬في‭ ‬المطار،‭ ‬ومواد‭ ‬مخدرة‭ ‬مخبّأة‭ ‬داخل‭ ‬بطانتها،‭ ‬واعتراف‭ ‬بخط‭ ‬يدها‭. ‬كل‭ ‬ورقة‭ ‬فيه‭ ‬تدينها،‭ ‬والعقوبة‭ ‬واضحة‭ ‬صريحة‭.‬

وفي‭ ‬المحضر‭ ‬الطويل‭ ‬عبارة‭ ‬مقتضبة‭ ‬تحمل‭ ‬ما‭ ‬قالته‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يُطوى‭ ‬محضرها،‭ ‬أن‭ ‬رجلًا‭ ‬أرسلها،‭ ‬وأنها‭ ‬تعرف‭ ‬من‭ ‬اسمه‭ ‬كلمة‭ ‬واحدة‭. ‬ذلك‭ ‬السطر‭ ‬يعني،‭ ‬في‭ ‬نظر‭ ‬القانون‭ ‬الدولي،‭ ‬أنها‭ ‬هي‭ ‬الضحية‭ ‬وأن‭ ‬من‭ ‬استعملها‭ ‬مازال‭ ‬طليقًا‭ ‬في‭ ‬مكان‭ ‬بعيد‭. ‬أما‭ ‬في‭ ‬أوراق‭ ‬القضية‭ ‬فهي‭ ‬متهمة‭ ‬أُدينت‭ ‬بفعل‭ ‬ارتكبته‭ ‬يداها‭.‬

وهذه‭ ‬الصورة‭ ‬تتكرر‭ ‬في‭ ‬نماذج‭ ‬هذه‭ ‬التجارة‭ ‬كما‭ ‬توثّقها‭ ‬التقارير‭ ‬الدولية،‭ ‬وكما‭ ‬يعرفها‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬عمل‭ ‬قريبًا‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬الميدان‭. ‬فالطريق‭ ‬إلى‭ ‬تلك‭ ‬الحقيبة‭ ‬يبدأ‭ ‬قبل‭ ‬المطار‭ ‬بشهور‭. ‬إعلان‭ ‬عمل‭ ‬في‭ ‬مطعم‭ ‬أو‭ ‬محل‭ ‬أو‭ ‬بيت،‭ ‬وراتب‭ ‬يعادل‭ ‬ما‭ ‬يكسبه‭ ‬والدها‭ ‬في‭ ‬سنة‭ ‬كاملة،‭ ‬ووسيط‭ ‬لطيف‭ ‬الكلام‭ ‬يتكفل‭ ‬بالسفر‭ ‬والأوراق‭ ‬ويطلب‭ ‬منها‭ ‬الثقة‭ ‬وحدها‭.‬

تصل‭ ‬فتجد‭ ‬العمل‭ ‬الموعود‭ ‬شيئًا‭ ‬آخر،‭ ‬وتُسلَّم‭ ‬أوراقها‭ ‬في‭ ‬أول‭ ‬ليلة‭ ‬إلى‭ ‬من‭ ‬يحفظها‭ ‬لها‭. ‬ثم‭ ‬تكتشف‭ ‬أن‭ ‬عليها‭ ‬دَينًا‭ ‬لم‭ ‬توقّع‭ ‬عليه‭: ‬ثمن‭ ‬التذكرة،‭ ‬وأجرة‭ ‬الوسيط،‭ ‬والغرفة‭ ‬التي‭ ‬تنام‭ ‬فيها‭ ‬مع‭ ‬أخريات،‭ ‬والطعام‭ ‬الذي‭ ‬يُقدَّم‭ ‬لها‭. ‬تعمل‭ ‬شهورًا‭ ‬فيزداد‭ ‬الدَّين‭ ‬كل‭ ‬شهر،‭ ‬لأن‭ ‬الحساب‭ ‬بيد‭ ‬صاحبه‭ ‬وحده‭.‬

وعندما‭ ‬تطلب‭ ‬العودة‭ ‬إلى‭ ‬بلدها،‭ ‬يُعرض‭ ‬عليها‭ ‬مخرج‭ ‬واحد‭: ‬رحلة‭ ‬قصيرة،‭ ‬وحقيبة‭ ‬تحملها،‭ ‬وكل‭ ‬شيء‭ ‬ينتهي‭ ‬بعدها‭. ‬ترفض،‭ ‬فيأتي‭ ‬ذكر‭ ‬أهلها‭ ‬بأسمائهم،‭ ‬ووصف‭ ‬بيتهم،‭ ‬وطريق‭ ‬مدرسة‭ ‬أختها‭ ‬الصغيرة‭. ‬توافق‭ ‬وهي‭ ‬تعرف‭ ‬تمامًا‭ ‬ما‭ ‬في‭ ‬الحقيبة،‭ ‬وتعرف‭ ‬كذلك‭ ‬أن‭ ‬ثمن‭ ‬الرفض‭ ‬أغلى‭. ‬هكذا‭ ‬تُصنع‭ ‬اليد‭ ‬التي‭ ‬حملت‭ ‬الحقيبة،‭ ‬ويبقى‭ ‬صاحبها‭ ‬الحقيقي‭ ‬بعيدًا‭ ‬عن‭ ‬كل‭ ‬ورقة‭ ‬رسمية‭.‬

ينظر‭ ‬القانون‭ ‬عادة‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬فعله‭ ‬المتهم،‭ ‬ثم‭ ‬يعاقبه‭ ‬بقدر‭ ‬فعله،‭ ‬وهذا‭ ‬عدل‭ ‬في‭ ‬أغلب‭ ‬القضايا‭. ‬ويختل‭ ‬الميزان‭ ‬أمام‭ ‬صورة‭ ‬استثنائية‭: ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬الفعل‭ ‬ذاته‭ ‬ثمرة‭ ‬جريمة‭ ‬وقعت‭ ‬على‭ ‬صاحبه‭. ‬فالمرأة‭ ‬التي‭ ‬حملت‭ ‬الحقيبة‭ ‬نفّذت‭ ‬إرادة‭ ‬رجل‭ ‬آخر‭ ‬بيديها‭ ‬هي،‭ ‬ويداها‭ ‬وحدهما‭ ‬ما‭ ‬وصل‭ ‬إلى‭ ‬المحكمة‭.‬

وقد‭ ‬تنبّه‭ ‬العالم‭ ‬لهذه‭ ‬المفارقة‭ ‬مبكرًا،‭ ‬فأقرّت‭ ‬المبادئ‭ ‬الأممية‭ ‬قاعدة‭ ‬واضحة‭: ‬من‭ ‬ثبت‭ ‬أنه‭ ‬ضحية‭ ‬اتجار‭ ‬لا‭ ‬يُحاكَم‭ ‬على‭ ‬فعل‭ ‬ارتكبه‭ ‬تحت‭ ‬سيطرة‭ ‬من‭ ‬اتّجر‭ ‬به‭. ‬قاعدة‭ ‬مكتوبة‭ ‬منذ‭ ‬سنوات‭ ‬في‭ ‬وثائق‭ ‬تعرفها‭ ‬كل‭ ‬دولة،‭ ‬وتطبيقها‭ ‬كله‭ ‬يتوقف‭ ‬على‭ ‬دقيقة‭ ‬واحدة‭ ‬في‭ ‬غرفة‭ ‬التحقيق،‭ ‬دقيقة‭ ‬يقرر‭ ‬فيها‭ ‬محقق‭ ‬مرهق‭ ‬أن‭ ‬يمضي‭ ‬في‭ ‬الطريق‭ ‬السهل‭ ‬أو‭ ‬يبحث‭ ‬عمن‭ ‬أرسلها‭.‬

والبحث‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الطريق‭ ‬أصعب‭ ‬مما‭ ‬يبدو‭. ‬فالضحية‭ ‬لا‭ ‬تصل‭ ‬إلى‭ ‬المحكمة‭ ‬وعلى‭ ‬وجهها‭ ‬علامة‭ ‬تدل‭ ‬عليها،‭ ‬تصل‭ ‬صامتة‭ ‬خائفة،‭ ‬تنفي‭ ‬أن‭ ‬أحدًا‭ ‬أجبرها،‭ ‬وتكرر‭ ‬الرواية‭ ‬التي‭ ‬لُقّنت‭ ‬إياها‭ ‬حرفًا‭ ‬بحرف‭. ‬تقول‭ ‬بصوت‭ ‬خافت‭ ‬إنها‭ ‬هي‭ ‬من‭ ‬وضعتها‭ ‬في‭ ‬حقيبتها،‭ ‬وإن‭ ‬لا‭ ‬أحد‭ ‬معها‭ ‬في‭ ‬هذا‭.‬

تقولها‭ ‬لأنها‭ ‬تخاف‭ ‬الشرطة‭ ‬أكثر‭ ‬مما‭ ‬تخاف‭ ‬من‭ ‬استغلها،‭ ‬ولأن‭ ‬أحدًا‭ ‬لم‭ ‬يخبرها‭ ‬يومًا‭ ‬أن‭ ‬لها‭ ‬حقًا‭ ‬تطلبه،‭ ‬ولأن‭ ‬الصوت‭ ‬الذي‭ ‬هدّدها‭ ‬مازال‭ ‬يصل‭ ‬إليها‭ ‬من‭ ‬بعيد‭. ‬ومن‭ ‬يقرأ‭ ‬أوراقها‭ ‬يرى‭ ‬امرأة‭ ‬تعترف‭ ‬بجريمتها‭ ‬وتصرّ‭ ‬عليها،‭ ‬فيغلق‭ ‬القضية‭ ‬مطمئنًا‭. ‬وبهذا‭ ‬يفلت‭ ‬المستغِل‭ ‬مرتين،‭ ‬مرة‭ ‬وهو‭ ‬يستعمل‭ ‬ضحيته‭ ‬أداة،‭ ‬ومرة‭ ‬وهي‭ ‬تدفع‭ ‬وحدها‭ ‬ثمن‭ ‬ما‭ ‬فعله‭.‬

واختيار‭ ‬امرأة‭ ‬لهذه‭ ‬المهمة‭ ‬أمر‭ ‬مقصود‭. ‬فالأرقام‭ ‬الأممية‭ ‬تقول‭ ‬إن‭ ‬النساء‭ ‬والفتيات‭ ‬يمثلن‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬ستين‭ ‬في‭ ‬المائة‭ ‬من‭ ‬ضحايا‭ ‬الاتجار‭ ‬المكتشفين‭ ‬حول‭ ‬العالم،‭ ‬وتسعين‭ ‬في‭ ‬المائة‭ ‬ممن‭ ‬يُستغلون‭ ‬جنسيًا‭. ‬والسبب‭ ‬أن‭ ‬الفقر‭ ‬يطاردهن‭ ‬قبل‭ ‬غيرهن‭ ‬في‭ ‬بلدانهن،‭ ‬فتصير‭ ‬أي‭ ‬فرصة‭ ‬عمل‭ ‬بعيدة‭ ‬طوق‭ ‬نجاة‭ ‬لأسرة‭ ‬كاملة‭ ‬تنتظر‭ ‬ما‭ ‬ترسله‭.‬

ويعرف‭ ‬تاجر‭ ‬الأشخاص‭ ‬أنه‭ ‬يمسك‭ ‬بها‭ ‬من‭ ‬أهلها‭ ‬متى‭ ‬شاء،‭ ‬وأنها‭ ‬تثير‭ ‬شكًا‭ ‬أقل‭ ‬عند‭ ‬حدود‭ ‬المطارات،‭ ‬فيدفعها‭ ‬إلى‭ ‬المقدمة‭ ‬ويبقى‭ ‬هو‭ ‬في‭ ‬الظل‭. ‬ويضيف‭ ‬التقرير‭ ‬الدولي‭ ‬ملاحظة‭ ‬ثقيلة،‭ ‬أن‭ ‬الجهات‭ ‬المختصة‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬تخفق‭ ‬في‭ ‬التعرّف‭ ‬على‭ ‬النساء‭ ‬والفتيات‭ ‬بوصفهن‭ ‬ضحايا،‭ ‬وأن‭ ‬كثيرات‭ ‬منهن‭ ‬يمررن‭ ‬أمام‭ ‬أعين‭ ‬من‭ ‬يستطيع‭ ‬إنقاذهن‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬ينتبه‭ ‬إليهن‭ ‬أحد‭.‬

وفي‭ ‬الثلاثين‭ ‬من‭ ‬يوليو‭ ‬يقف‭ ‬العالم‭ ‬عند‭ ‬اليوم‭ ‬الدولي‭ ‬لمكافحة‭ ‬الاتجار‭ ‬بالأشخاص‭ ‬أو‭ ‬البشر‭. ‬والبحرين‭ ‬ولله‭ ‬الحمد‭ ‬من‭ ‬الدول‭ ‬القليلة‭ ‬التي‭ ‬سبقت‭ ‬غيرها‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الميدان،‭ ‬بقانون‭ ‬خاص‭ ‬صدر‭ ‬عام‭ ‬2008،‭ ‬ولجنة‭ ‬وطنية‭ ‬تتابع‭ ‬تنفيذه،‭ ‬ونيابة‭ ‬متخصصة‭ ‬ومركز‭ ‬إيواء‭ ‬يرعى‭ ‬الضحايا،‭ ‬وتصنيف‭ ‬دولي‭ ‬متقدم‭ ‬حافظت‭ ‬عليه‭ ‬سنوات‭ ‬متتالية‭.‬

وهذه‭ ‬المنظومة‭ ‬التي‭ ‬نفخر‭ ‬بها‭ ‬هي‭ ‬نفسها‭ ‬ما‭ ‬يجعلنا‭ ‬مؤهلين،‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬غيرنا،‭ ‬لأن‭ ‬نظل‭ ‬الأكثر‭ ‬يقظة‭ ‬لأحدث‭ ‬ما‭ ‬تبتكره‭ ‬هذه‭ ‬التجارة‭ ‬من‭ ‬حيل‭. ‬فمتى‭ ‬يخفي‭ ‬المستغِل‭ ‬ضحيته‭ ‬خلف‭ ‬صورة‭ ‬متهمة،‭ ‬تبقى‭ ‬العدالة‭ ‬الحقيقية‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬ترى‭ ‬الإنسان‭ ‬خلف‭ ‬الاتهام‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬ترى‭ ‬الفعل‭. ‬ونجاح‭ ‬مكافحة‭ ‬الاتجار‭ ‬بالأشخاص‭ ‬يقاس‭ ‬بعدد‭ ‬الجناة‭ ‬الذين‭ ‬وصلنا‭ ‬إليهم،‭ ‬ويقاس‭ ‬أيضًا‭ ‬بعدد‭ ‬الضحايا‭ ‬الذين‭ ‬نجونا‭ ‬بهم‭ ‬من‭ ‬عقوبة‭ ‬لم‭ ‬يستحقوها‭.‬

rajabnabeela@gmail‭.‬com

عن صحيفة (أخبار الخليج) البحرينية

عن admin

صحفي وكاتب ومستشار اعلامي