في محكمة ما من هذا العالم تقف امرأة مكبّلة اليدين تنتظر حكمها. تبدو في نظر المحكمة جانية، والحقيقة أنها أول من وقع عليه الأذى في هذه القضية، فمن استغلها هو من دفعها إلى ما تُحاكَم عليه اليوم. أمام القاضي ملف مكتمل، حقيبة ضُبطت معها في المطار، ومواد مخدرة مخبّأة داخل بطانتها، واعتراف بخط يدها. كل ورقة فيه تدينها، والعقوبة واضحة صريحة.
وفي المحضر الطويل عبارة مقتضبة تحمل ما قالته قبل أن يُطوى محضرها، أن رجلًا أرسلها، وأنها تعرف من اسمه كلمة واحدة. ذلك السطر يعني، في نظر القانون الدولي، أنها هي الضحية وأن من استعملها مازال طليقًا في مكان بعيد. أما في أوراق القضية فهي متهمة أُدينت بفعل ارتكبته يداها.
وهذه الصورة تتكرر في نماذج هذه التجارة كما توثّقها التقارير الدولية، وكما يعرفها كل من عمل قريبًا من هذا الميدان. فالطريق إلى تلك الحقيبة يبدأ قبل المطار بشهور. إعلان عمل في مطعم أو محل أو بيت، وراتب يعادل ما يكسبه والدها في سنة كاملة، ووسيط لطيف الكلام يتكفل بالسفر والأوراق ويطلب منها الثقة وحدها.
تصل فتجد العمل الموعود شيئًا آخر، وتُسلَّم أوراقها في أول ليلة إلى من يحفظها لها. ثم تكتشف أن عليها دَينًا لم توقّع عليه: ثمن التذكرة، وأجرة الوسيط، والغرفة التي تنام فيها مع أخريات، والطعام الذي يُقدَّم لها. تعمل شهورًا فيزداد الدَّين كل شهر، لأن الحساب بيد صاحبه وحده.
وعندما تطلب العودة إلى بلدها، يُعرض عليها مخرج واحد: رحلة قصيرة، وحقيبة تحملها، وكل شيء ينتهي بعدها. ترفض، فيأتي ذكر أهلها بأسمائهم، ووصف بيتهم، وطريق مدرسة أختها الصغيرة. توافق وهي تعرف تمامًا ما في الحقيبة، وتعرف كذلك أن ثمن الرفض أغلى. هكذا تُصنع اليد التي حملت الحقيبة، ويبقى صاحبها الحقيقي بعيدًا عن كل ورقة رسمية.
ينظر القانون عادة إلى ما فعله المتهم، ثم يعاقبه بقدر فعله، وهذا عدل في أغلب القضايا. ويختل الميزان أمام صورة استثنائية: أن يكون الفعل ذاته ثمرة جريمة وقعت على صاحبه. فالمرأة التي حملت الحقيبة نفّذت إرادة رجل آخر بيديها هي، ويداها وحدهما ما وصل إلى المحكمة.
وقد تنبّه العالم لهذه المفارقة مبكرًا، فأقرّت المبادئ الأممية قاعدة واضحة: من ثبت أنه ضحية اتجار لا يُحاكَم على فعل ارتكبه تحت سيطرة من اتّجر به. قاعدة مكتوبة منذ سنوات في وثائق تعرفها كل دولة، وتطبيقها كله يتوقف على دقيقة واحدة في غرفة التحقيق، دقيقة يقرر فيها محقق مرهق أن يمضي في الطريق السهل أو يبحث عمن أرسلها.
والبحث في هذا الطريق أصعب مما يبدو. فالضحية لا تصل إلى المحكمة وعلى وجهها علامة تدل عليها، تصل صامتة خائفة، تنفي أن أحدًا أجبرها، وتكرر الرواية التي لُقّنت إياها حرفًا بحرف. تقول بصوت خافت إنها هي من وضعتها في حقيبتها، وإن لا أحد معها في هذا.
تقولها لأنها تخاف الشرطة أكثر مما تخاف من استغلها، ولأن أحدًا لم يخبرها يومًا أن لها حقًا تطلبه، ولأن الصوت الذي هدّدها مازال يصل إليها من بعيد. ومن يقرأ أوراقها يرى امرأة تعترف بجريمتها وتصرّ عليها، فيغلق القضية مطمئنًا. وبهذا يفلت المستغِل مرتين، مرة وهو يستعمل ضحيته أداة، ومرة وهي تدفع وحدها ثمن ما فعله.
واختيار امرأة لهذه المهمة أمر مقصود. فالأرقام الأممية تقول إن النساء والفتيات يمثلن أكثر من ستين في المائة من ضحايا الاتجار المكتشفين حول العالم، وتسعين في المائة ممن يُستغلون جنسيًا. والسبب أن الفقر يطاردهن قبل غيرهن في بلدانهن، فتصير أي فرصة عمل بعيدة طوق نجاة لأسرة كاملة تنتظر ما ترسله.
ويعرف تاجر الأشخاص أنه يمسك بها من أهلها متى شاء، وأنها تثير شكًا أقل عند حدود المطارات، فيدفعها إلى المقدمة ويبقى هو في الظل. ويضيف التقرير الدولي ملاحظة ثقيلة، أن الجهات المختصة في العالم تخفق في التعرّف على النساء والفتيات بوصفهن ضحايا، وأن كثيرات منهن يمررن أمام أعين من يستطيع إنقاذهن من دون أن ينتبه إليهن أحد.
وفي الثلاثين من يوليو يقف العالم عند اليوم الدولي لمكافحة الاتجار بالأشخاص أو البشر. والبحرين ولله الحمد من الدول القليلة التي سبقت غيرها في هذا الميدان، بقانون خاص صدر عام 2008، ولجنة وطنية تتابع تنفيذه، ونيابة متخصصة ومركز إيواء يرعى الضحايا، وتصنيف دولي متقدم حافظت عليه سنوات متتالية.
وهذه المنظومة التي نفخر بها هي نفسها ما يجعلنا مؤهلين، أكثر من غيرنا، لأن نظل الأكثر يقظة لأحدث ما تبتكره هذه التجارة من حيل. فمتى يخفي المستغِل ضحيته خلف صورة متهمة، تبقى العدالة الحقيقية هي التي ترى الإنسان خلف الاتهام قبل أن ترى الفعل. ونجاح مكافحة الاتجار بالأشخاص يقاس بعدد الجناة الذين وصلنا إليهم، ويقاس أيضًا بعدد الضحايا الذين نجونا بهم من عقوبة لم يستحقوها.
rajabnabeela@gmail.com
عن صحيفة (أخبار الخليج) البحرينية