يظن البعض أن الفنان يسافر بحثًا عن الإلهام، وكأن الإلهام يعيش في فندق فاخر وينتظر وصوله! لكن الحقيقة أن الإلهام غالبًا يجلس في زاوية المكان منذ قرون؛ في حفنة رمل، أو رائحة الصندل ، أو صوت موجة تضرب جدارًا قديمًا الفنان لا يخترع المكان، بل يفتح حواسة ليفهم ما يهمس له.
منذ البداية.. كانت الصحراء العربية مدرسة للفن والشعر لم تكن الرمال عند الشاعر الجاهلي مجرد مساحة قاحلة تحتاج إلى شجرة ظل، بل كانت ذاكرة تحمل الحب والرحيل والانتظار. وقف امرؤ القيس أمام آثار الديار وقال:
قِفا نبكِ من ذكرى حبيبٍ ومنزلِ
بسِقطِ اللوى بينَ الدخولِ فحوملِ
كان ينظر إلى مكان فارغ ظاهريًا، لكنه يرى داخله قصصًا كاملة فالأطلال أرواح قديمة ترفض الرحيل.
وبعد قرون جلس عمر الخيام في حدائق فارس، حيث الكروم والبساتين، ليحوّل الطبيعة إلى فلسفة في رباعياته أصبح العنب رمزًا للحظة العابرة ولجمال الحياة قبل أن تمر، كان ينظر إلى كأس الشراب كما ينظر الفنان إلى لوحة؛ ليس المهم المادة نفسها، بل السؤال المختبئ خلفها: ماذا نفعل بالوقت الذي يهرب منا؟.
وفي بلاد الشام فالذاكرة ورائحة الياسمين لم تكن مجرد نبات يتسلق جدارًا، بل أصبح علامة للمدينة، لهذا كتب نزار قباني دمشق كأنها امرأة يعرف عطرها قبل أن يراها:
مآذن الشام تبكي إذ تعانقني
وللمآذن كالأشجار أرواحُ
لقد رسم نزار مدينة لها رائحة و صوت، أما محمود درويش، فقد جعل الأرض قصيدة وهوية في قصيدته (سجل أنا عربي :(1964
سجل أنا عربي
انا عربي
انا اسم بلا لقب
صبور في بلاد كل ما فيها
يعيش بفورة الغضب
جذوري
قبل ميلاد الزمان رست
وقبل تفتح الحقب
وقبل السرو والزيتون
كلمات قليلة، لكنها تحمل وطنًا كاملًا من الذاكرة، تمامًا كما تحمل لوحة صغيرة تاريخ مدينة بأكملها.
وفي البحرين، نجد أن المكان أيضًا يكتب فنه الخاص فالمحرق ليست مجرد جزيرة قديمة، بل ذاكرة بحرية وثقافية؛ بيوت تراثية، نوافذ خشبية، رائحة البحر، وأصوات النهّامين الذين حملوا حكايات الغوص، يقول الشاعر علي عبدالله خليفة في ليل المحرق:
الي قالو هوى محرق شمالي وشقق شراعي..
اقول عروقي كلها لمحرق..
وهي قلبي وهي الوشم اللي ما يمحه من ذراعي..
اتذكرون قول محمد الفيتوري عن الانتماء والحرية والهوية، وجعل من أفريقيا روحًا حاضرة في القصيدة. يقول في قصيدته (أغنية لإفريقيا 1955):
إفريقيا.. إفريقيا..
استيقظي استيقظي من حلمك الأسودِ
قد طالما نمتِ.. ألم تسأمي؟.
وهذا ما نراه أيضًا في الفن التشكيلي؛ فاللوحة لا تنفصل عن بيئة صاحبها. فهي تشبهة اسفارة بجنونها و تحمل عناده و صوته تمرده و رفضه، فعندما رسم كلود مونيه لوحته (زنابق الماء 1899) في جيفرني، لم يرسم زهرة فقط. لقد رسم علاقة الإنسان الفرنسي بالطبيعة والحديقة والضوء، كانت ضربات الفرشاة محاولة لالتقاط تغير الشمس فوق الماء؛ وكأن الضوء نفسه أصبح موضوع اللوحة.
أما فان غوخ، ففي لوحته (ليلة النجوم 1889)، لم يرسم السماء كما يراها عالم فلك، بل كما يشعر بها إنسان يعيش تحت سماء جنوب فرنسا، الدوامات في السماء ليست مجرد شكل، بل حركة داخلية جعلت الكون يبدو حيًا، أما لوحة (نساء الجزائر في شقتهن 1834) لأوجين دولاكروا، يظهر تأثير رحلته إلى الجزائر والمغرب عام 1832؛ الأقمشة، الألوان، الضوء، وتفاصيل الحياة اليومية أصبحت جزءًا من ذاكرة المكان الذي شاهده.
أما بول غوغان، ففي لوحاته من تاهيتي مثل (متى ستتزوجين؟ 1892)، لم يبحث عن نقل منظر استوائي فقط، بل حاول بناء عالم بصري جديد مستوحى من الطبيعة والثقافة المحلية.
ومن هنا نفهم أن لوحة الفنان ليست نافذة تطل على المكان فقط، بل مرآة تعكس العلاقة بين الإنسان وبيئته.
وعندما شاركت بلوحتي في معرض المنستير بتونس (2023) ، لم تكن المدينة بالنسبة لي مجرد موقع على الخريطة، بل حضور كامل: البحر، الصيادون، الأسماك، حركة الموانئ، ورائحة المتوسط، حاولت أن أجعل اللوحة تحمل روح المكان، لا صورته فقط؛ فالسمكة في اللوحة ليست شكلًا، والبحر ليس لونًا أزرق، بل حكاية إنسان عاش معه.
في النهاية، كل أرض تملك أبجدية خاصة: الصحراء , البحر والضوء، الجبال و الوديان. والفنان الحقيقي هو من يعيش يتنفس و يتعلم لغة الأرض قبل أن يحاول رسمها.
