الرئيسية / أخبار / العلاقات الخليجية الأفريقية..من التجارة القديمة إلى سباق النفوذ الاقتصادي.. قراءة في التاريخ والواقع والمستقبل

العلاقات الخليجية الأفريقية..من التجارة القديمة إلى سباق النفوذ الاقتصادي.. قراءة في التاريخ والواقع والمستقبل

تقرير البحرين/المنامة/ تجمع بين شبه الجزيرة العربية والقارة الأفريقية علاقة جوار جغرافي وتاريخي يمتد لأكثر من ألف عام، لم تنقطع يومًا رغم تبدل أشكالها من التجارة القديمة عبر البحر الأحمر إلى الشراكات الاستثمارية والسياسية المعاصرة. وما كان حتى وقت قريب علاقة هامشية محدودة الأثر، محصورة في المساعدات الإنسانية والروابط الدينية، تحول خلال العقد الأخير إلى واحدة من أكثر ملفات السياسة الخارجية والاقتصادية الخليجية حيوية وتنافسية، إلى درجة أن دول مجلس التعاون باتت اليوم تتفوق في حجم تجارتها مع أفريقيا على الولايات المتحدة، وتتقدم بثبات في سباق النفوذ الذي تتصدره الصين تاريخيًا.

تعود جذور هذا التواصل إلى ما قبل الإسلام، حين شكّل البحر الأحمر ممرًا تجاريًا رئيسيًا للتوابل والعاج والذهب بين الجزيرة العربية والحبشة والصومال وشرق أفريقيا. ومع ظهور الإسلام تعمقت هذه الروابط بشكل غير مسبوق؛ فهجرة أوائل المسلمين إلى الحبشة أسّست لعلاقة رمزية قوية بين الجزيرة العربية والقارة، تلاها انتشار الإسلام على طول السواحل الشرقية لأفريقيا وفي منطقة الساحل عبر التجار والدعاة العرب، حتى تشكّلت مجتمعات مزجت بين اللغة والثقافة العربية والأفريقية كما في الساحل السواحيلي. وشكّلت عُمان وزنجبار محورًا تاريخيًا فريدًا، إذ امتد حكم السلطنة العُمانية إلى زنجبار وسواحل كينيا وتنزانيا لعدة قرون، تاركًا أثرًا لا يزال حاضرًا في العمارة واللغة والتركيبة السكانية هناك حتى اليوم، وهو ما يفسر المكانة الخاصة التي لا تزال تحظى بها مسقط في الوجدان الشعبي الأفريقي الشرقي.

ومع موجة استقلال الدول الأفريقية في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، دخلت العلاقة طورًا جديدًا قائمًا على الاعتراف الدبلوماسي المتبادل والتضامن ضمن حركة عدم الانحياز ومنظمة المؤتمر الإسلامي، لكنها ظلت في عمومها محدودة الطابع الاقتصادي، تتمحور حول المساعدات التنموية عبر صناديق كالصندوق السعودي للتنمية وصندوق أبوظبي للتنمية والصندوق الكويتي، إلى جانب التعاون الديني وبناء المساجد والمعاهد الشرعية. ومع تأسيس مجلس التعاون لدول الخليج العربية عام 1981 بدأت تتبلور رؤية خليجية أكثر تنسيقًا تجاه القارة، وإن ظل التعامل الفردي لكل دولة هو السمة الغالبة حتى برزت في العقد الأخير حاجة استراتيجية جديدة لدى دول الخليج لتنويع اقتصاداتها بعيدًا عن النفط، وتأمين طرق الملاحة في البحر الأحمر وخليج عدن، وضمان الأمن الغذائي عبر الاستثمار في الأراضي الزراعية الأفريقية الشاسعة.

أرقام قياسية تعيد رسم خريطة الشراكة

تشهد العلاقات الاقتصادية الخليجية الأفريقية اليوم نموًا يفوق في وتيرته نمو شركاء تقليديين راسخين. فقد نمت التجارة السلعية بين دول مجلس التعاون وأفريقيا بمعدل سنوي بلغ نحو 8% خلال العقد الممتد حتى عام 2022، لتصل إلى مستوى قياسي قدره نحو 154 مليار دولار في ذلك العام، متجاوزةً بذلك حجم التبادل التجاري بين الولايات المتحدة وأفريقيا الذي لم يتعدَّ 74 مليار دولار في العام نفسه، وإن ظلت بعيدة عن حجم التبادل الصيني الأفريقي الذي بلغ 348 مليار دولار عام 2025 وحده.

وعلى صعيد الاستثمار المباشر، أظهرت بيانات وحدة أبحاث الإيكونوميست أن إجمالي الاستثمارات الخليجية المعلَنة في أفريقيا بلغ مستوى قياسيًا قدره 60 مليار دولار عام 2022، تلاه 53 مليار دولار أخرى عام 2023، ليتجاوز إجمالي الاستثمارات الخليجية التراكمية في القارة خلال العقد الأخير 100 مليار دولار، أي ما يعادل نحو 30% من إجمالي الاستثمارات الأجنبية المباشرة الخليجية في الخارج. وتتصدر الإمارات هذا المشهد خليجيًا، تليها السعودية وقطر، فيما تتركز الاستثمارات في البنية التحتية والموانئ والطاقة والتعدين والزراعة والخدمات المالية الإسلامية. وفي قطاع الطاقة النظيفة تحديدًا، بلغ إجمالي التمويل الثنائي المعلَن من الإمارات والسعودية لمشروعات الطاقة النظيفة في أفريقيا أكثر من 175 مليار دولار بين عامي 2010 و2024، معظمه في صورة استثمارات مباشرة عبر جهات كشركة مصدر الإماراتية وصناديق التنمية السيادية.

وبرزت شركة موانئ دبي العالمية كأحد أهم اللاعبين في إعادة رسم خريطة التجارة الأفريقية، إذ تدير عملياتها في نحو 50 سوقًا أفريقيًا عبر أكثر من 12 ميناءً وعشرات مرافق التخزين والأساطيل اللوجستية، بمشروعات كبرى في السنغال وجمهورية الكونغو الديمقراطية وكينيا ورواندا ومصر والجزائر بلغت قيمتها في بعض المحطات مئات الملايين من الدولارات لكل مشروع، لتسجل القارة نموًا في حركة المناولة بنسبة 8.3% خلال عام 2025 وحده.

قمة الرياض.. مؤسسة جديدة للشراكة

توجت هذه العلاقة المتنامية بعقد القمة السعودية الأفريقية الأولى في الرياض في نوفمبر 2023، بمشاركة عدد من رؤساء الدول ورؤساء الحكومات الأفارقة، وصدر عنها ما عُرف بـ”إعلان الرياض” الذي تضمن خارطة طريق للتعاون في المجالات السياسية والأمنية والاقتصادية والثقافية والإنسانية، وتم خلالها توقيع أكثر من 250 اتفاقية ومذكرة تفاهم، وتأسيس 16 لجنة مشتركة ومجلسي تنسيق و7 مجالس أعمال. وتعهدت المملكة في هذا الإطار بتمويل تأمين صادراتها إلى أفريقيا بقيمة 10 مليارات دولار حتى عام 2030، وتمويل مشروعات تنموية بقيمة 5 مليارات دولار عبر الصندوق السعودي للتنمية، إلى جانب إطلاق مبادرة خادم الحرمين الشريفين الإنمائية في أفريقيا بقيمة تتجاوز مليار دولار على مدى عشر سنوات.

وتسير الإمارات وقطر بخطى موازية، وإن بأدوات مختلفة؛ فتعتمد أبوظبي ودبي بشكل رئيسي على الاستثمار المباشر عبر شركات كموانئ دبي العالمية ومصدر، بينما تنشط الدوحة في أدوار الوساطة السياسية كما في تشاد وجمهورية الكونغو الديمقراطية، إلى جانب الاستثمار العقاري والمصرفي. ولا يزال الدور العُماني التاريخي حاضرًا في منطقة البحيرات العظمى وشرق القارة، فيما تتفوق البحرين على شقيقاتها الخليجيات في تطوير القطاع المصرفي الإسلامي الأفريقي عبر مؤسسات كمصرف السلام، الذي قدّم للقارة نموذجًا مصرفيًا قائمًا على تقاسم المخاطرة بدلًا من الفائدة.

القرن الأفريقي.. حيث تتشابك المصالح بالمخاطر

تحظى منطقة القرن الأفريقي بأهمية استراتيجية قصوى لدول الخليج، كونها تطل على مضيق باب المندب والبحر الأحمر، الممر الملاحي الحيوي الذي يربط آسيا بأوروبا وتمر عبره حصة كبيرة من واردات الطاقة والتجارة العالمية. وقد استثمرت دول الخليج ما يقارب 13 مليار دولار في القرن الأفريقي بين عامي 2000 و2017 وفق دراسة لمعهد كلينجينديل الهولندي، تركزت بشكل خاص في السودان وإثيوبيا وجيبوتي والصومال، وشملت إقامة قواعد ومنشآت عسكرية وشراكات أمنية في مجال مكافحة القرصنة والإرهاب.

غير أن هذا الانخراط الأمني يحمل أيضًا أبعادًا معقدة ومثيرة للجدل، إذ تتقاطع فيه المصالح الخليجية أحيانًا مع النزاعات الداخلية في دول المنطقة، كما هو الحال في الأزمة السودانية المستمرة منذ عام 2023، حيث وُجّهت اتهامات دولية ومحلية متكررة لأطراف خليجية بتقديم دعم لأحد طرفي النزاع، وهي اتهامات لا تزال محل نفي وجدل سياسي مستمر. كما فرضت الأزمة الإقليمية الأخيرة في الشرق الأوسط في فبراير 2026 اضطرابًا في سلاسل الإمداد الخليجية من النفط والأسمدة تجاه شرق أفريقيا، ما ساهم في تباطؤ اقتصادي مؤقت هناك خلال عام 2026، مع توقعات بتعافٍ كامل بحلول عام 2027. ولا يزال البعد الإنساني حاضرًا بقوة أيضًا عبر المساعدات التنموية في ملفات الأمن الغذائي ومكافحة الجفاف والمجاعات وبرامج الصحة والتعليم، إلى جانب بعد ثقافي وديني عميق يتمثل في التعليم الديني والحج والعمرة وشبكة المؤسسات الخيرية، وهو ما يمنح دول الخليج حضورًا اجتماعيًا في الوجدان الأفريقي يتجاوز البعد الاقتصادي البحت.

عقبات لا يمكن تجاهلها

رغم هذا الزخم، تواجه العلاقة عقبات جدية في مقدمتها غياب استراتيجية خليجية موحدة تجاه أفريقيا؛ إذ لا تزال كل دولة خليجية تتحرك وفق أجندتها الخاصة، ما يخلق أحيانًا تنافسًا خليجيًا – خليجيًا على النفوذ يضعف تأثير المجموعة ككل، كما ظهر جليًا في تأجيل القمة العربية الأفريقية الخامسة. ويضاف إلى ذلك التعقيدات الأمنية والسياسية الداخلية الأفريقية، من الانقلابات العسكرية المتكررة في منطقة الساحل إلى الحرب في السودان، وهي بيئة تزيد من مخاطر الاستثمار وتُحمّل الشراكات الخليجية أحيانًا أعباء سياسية غير مقصودة.

وتظل المنافسة الدولية الشرسة عقبة أخرى، إذ تبقى الصين الشريك التجاري الأول لأفريقيا بفارق كبير، إلى جانب تنافس متصاعد من الهند وتركيا وروسيا وأوروبا، ما يفرض على دول الخليج تمييز عروضها الاستثمارية. كما تحتاج القارة إلى استثمارات سنوية تتراوح بين 130 و170 مليار دولار لسد فجوة البنية التحتية لديها، بينما لا تتجاوز الفجوة التمويلية المسدودة فعليًا 68 مليار دولار سنويًا، وهو ما يفتح المجال أحيانًا لنقد بشأن كفاية الالتزامات الخليجية الفعلية مقارنة بالتعهدات المعلَنة. ولا تزال البيروقراطية والصورة النمطية عائقًا إضافيًا، إذ يتجاوز متوسط الوقت اللازم لتأسيس مشروع استثماري في كثير من الدول الأفريقية 60 يومًا، مقابل أقل من 10 أيام في بعض دول الخليج.

إلى أين تتجه العلاقة؟

تشير المؤشرات المتاحة إلى أن العلاقات الخليجية الأفريقية مرشحة لمزيد من التعمق خلال العقدين المقبلين، مدفوعة بحاجة دول الخليج الملحّة لتنويع اقتصاداتها بعيدًا عن النفط بما ينسجم مع رؤى التنمية الوطنية كرؤية السعودية 2030، والتقاء هذه الرؤى مع أجندة الاتحاد الأفريقي 2063 الطموحة في مجالات التصنيع والبنية التحتية والتكامل القاري، إضافة إلى الموقع الجغرافي الفريد للخليج كحلقة وصل بين آسيا وأفريقيا وأوروبا في ظل إعادة تشكيل مسارات التجارة العالمية. وتتوقع بعض الدراسات المتخصصة أن تصل الاستثمارات الخليجية التراكمية في أفريقيا إلى نحو 200 مليار دولار خلال العقدين المقبلين، بما قد يجعلها تتفوق على استثمارات آسيا وأوروبا الغربية مجتمعة في القارة، مع توسع متوقع في مجالات جديدة نسبيًا كالهيدروجين الأخضر والطاقة النووية السلمية والتحول الرقمي والذكاء الاصطناعي.

غير أن تحقيق هذه الآفاق يظل مشروطًا بقدرة دول الخليج على تجاوز التحديات المذكورة، وفي مقدمتها بلورة رؤية سياسية وإعلامية خليجية أكثر تنسيقًا تجاه القارة بدلًا من التحرك الفردي المتنافس، والانتقال التدريجي من منطق توظيف رؤوس الأموال الباحثة عن العائد إلى منطق الشراكة التنموية الحقيقية القائمة على نقل الخبرة والتقنية وبناء القدرات المحلية. فبعد عقود من التواصل المحدود القائم على المساعدات والروابط الدينية والثقافية، تحولت هذه العلاقة خلال العقد الأخير إلى شراكة اقتصادية واستراتيجية متعددة الأبعاد تُظهرها الأرقام القياسية في التجارة والاستثمار، ويبقى التحدي الأكبر أمام الطرفين هو تحويل هذا الزخم الكمي إلى شراكة نوعية مستدامة تراعي خصوصية كل منطقة أفريقية، وتُسهم في معالجة الهشاشة الأمنية والسياسية التي لا تزال تعصف ببعض أهم مناطق النفوذ الخليجي في القارة، وفي مقدمتها القرن الأفريقي والسودان.

اعتمد هذا التقرير على بيانات ودراسات صادرة عن مركز البحوث العربية، والمركز الإماراتي للدراسات والبحوث الاستراتيجية، ومركز TRENDS للبحوث والاستشارات، ومركز العلاقات الخليجية الأفريقية، والمركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية، وتقرير الاستثمار العالمي للأونكتاد لعام 2025، وتقرير الآفاق الاقتصادية الأفريقية للبنك الأفريقي للتنمية لعام 2026، إلى جانب تقارير منصة الطاقة ووكالة الأنباء السعودية (واس) وصحف الخليج والاتحاد والعربية والجزيرة نت وإرم بزنس، وتقارير مجموعة موانئ دبي العالمية السنوية.