الرئيسية / أخبار / 26 عاماً في البحرين.. شاهد على مسيرة تطور لا تتوقف .. بقلم/ خالد عبدالله أبو أحمد

26 عاماً في البحرين.. شاهد على مسيرة تطور لا تتوقف .. بقلم/ خالد عبدالله أبو أحمد

حين أكتب عن البحرين لا أكتب من بُعد الباحث المحايد ولا من موقع المحلل الذي يقرأ التقارير ويُصنّف الأرقام، بل أكتب من عمق التجربة الإنسانية الحية التي عشتها يوماً بيوم في هذه المملكة منذ مطلع عام 2001م. وصلت إليها في فبراير من ذلك العام وفي حقيبتي شهادات خبرة مديدة في الصحافة السودانية، وما كنت أتوقع أن تأتي بي الأقدار لأكون شاهداً على واحدة من أكثر التجارب الإصلاحية إثارةً في المنطقة العربية الحديثة، بل على ما هو أعمق من ذلك: أن أعيش هذا الحدث الكبير كمقيم وصحفي في قلب الأحداث لا على هامشها. ست وعشرون سنة من الإقامة ليست رقماً في سيرة ذاتية، بل هي طبقات من الذاكرة والمشاعر والمشاهدات المتراكمة جعلت مني شاهداً مسؤولاً أمام الله أولاً ثم أمام التاريخ. ما أسطّره هنا ليس مدحاً ولا مجاملةً دبلوماسيةً بل شهادة صادقة من عايش الأحداث وتأثر بها وأثرت في أسرته وطريقة نظره إلى الدولة والإنسان.

لحظة الوصول وشرارة التحول

لن أنسى اليوم الذي وطئت فيه أرض البحرين لأول مرة، كان يوم الجمعة السادس عشر من فبراير 2001م، اليوم الذي أُعلنت فيه نتيجة الاستفتاء على ميثاق العمل الوطني، رأيت في صالات المطار مشاهد لم تفارقني: الأعلام البحرينية في كل مكان، ودموع فرح تهطل على وجوه مستقبلي ذويهم العائدين من المنافي بعد عفو شامل أصدره الأمير حمد، وزهور تُنثر على القادمين في مشهد إنساني فريد بالغ الأثر. حدقت في ذلك المشهد وتأملت طويلاً، وقارنت في أعماقي بين تلك الصور وما كنت أعرفه من واقع بلدي السودان الذي تستعر فيه نيران الحرب وتتفرق الأسر. في تلك اللحظة بدأت حاستي الصحفية التوثيقية تعمل في رصد هذه الجزيرة الصغيرة العظيمة التي باتت وطناً ثانياً.

ذلك الاستفتاء الذي وافق عليه 98.4 بالمئة من البحرينيين لم يكن رقماً دعائياً، بل كان تعبيراً صادقاً عن شعب يثق في قيادته ويريد التغيير معها لا ضدها. الملك حمد نفسه وصف تلك اللحظة بأنه اعتمد أولاً وأخيراً على ثقته بوعي شعب البحرين وتحضره ونضجه السياسي، وأنه اتخذ شخصياً قرار المسؤولية التاريخية بإجراء ذلك الاستفتاء للخروج بالبلاد من عنق الزجاجة. هذا التصريح ليس كلاماً لصحيفة بل هو من مقاله المنشور عام 2005م بعنوان (حلمت بوطن يحتضن كل أبنائه) الذي قرأته بدهشة مزدوجة: دهشة المثقف الذي يكتشف عمق الرؤية، ودهشة الصحفي الذي يتأكد من مصداقية المشروع.

الميثاق وبناء دولة القانون

ما بنته البحرين على أساس ذلك الميثاق خلال العقود الماضية يمثّل إجابة عملية على السؤال الأصعب في السياسة العربية المعاصرة: كيف تبني دولة القانون والمؤسسات وتُرسّخ قيم الشفافية في محيط يفتقر إليها؟ الجواب البحريني لم يكن نظرياً، بل تمثّل في تشييد متدرّج لمنظومة مؤسسية محكمة تضع المال العام في قلب المساءلة والمحاسبة. عشت بنفسي هذا التحول الإيجابي حين أسّس الملك حمد ديوان الرقابة المالية والإدارية عام 2002م، الذي صدر تقريره السنوي ليكون مرآة صادقة لأداء مؤسسات الدولة، ويُقدم توصياته الفنية لتطوير العمل الإداري والمالي وتعزيز النزاهة في مختلف الجهات، وهو أمر لم يكن مألوفاً في كثير من البلدان العربية. وفي الوقت نفسه أسّس مجلس المناقصات والمزايدات عام 2003م ليضع المال العام تحت رقابة شفافة تُجرى جلساتها علناً وتُعلن نتائجها في الصحف وعبر الموقع الإلكتروني الرسمي. رصدت كصحفي مقيم الأثر التراكمي لهذين الجهازين في تعزيز ثقة رجال الأعمال والمستثمرين وحتى المواطن العادي بسلامة منظومة العمل المؤسسي في الدولة.

الإصلاح الديمقراطي.. شاهد من داخل القاعة

في أكتوبر 2002م كنت من بين أكثر من ثلاثمائة صحفي ومراقب جاؤوا من قارات العالم لمتابعة أولى الانتخابات النيابية والبلدية في العهد الإصلاحي، كنت مراسلاً لصحيفة سودانية آنذاك، وما شهدته في مراكز الاقتراع لم أشهده في دولة عربية أخرى خلال سنوات تجوالي الإعلامي. في محافظة المحرق اقتربت منا امرأة تجاوزت السبعين وتحدثت للصحفيين الأجانب بإنجليزية فصيحة عن سعادتها بالتجربة الجديدة ومدى ثقتها بقيادة بلادها. وقال لي أكثر من زميل أجنبي إنهم اكتشفوا أن البحرين تختلف اختلافاً جوهرياً عن محيطها بما تحمله من عمق حضاري وثقافي، وبما شهدوه من نزاهة في الإجراءات وحرية حقيقية في الاختيار، وأريحية وزارة الإعلام في إتاحة الفرصة لنا لكي نتجول في البحرين ونتعرف على الحقيقةK بالفعل جهزوا لنا حافلات وانطلقنا في المناطق المختلفة ومراكز الاقتراع، وهالنا ما رأينا من شعب مثقف وواعٍ ومدرك لأهمية نجاح هذه الانتخابات وتأثيرها على مستقبل البلاد.

متابعتي للتجربة البرلمانية في دورتيها الأولى والثانية أكدت لي أن البرلمان البحريني لم يكن برلماناً خاملاً على الإطلاق، شهدت المناقشات الحادة وطرح الموضوعات الشائكة، بل إن جمعية الوفاق المعارضة التي قاطعت الدورة الأولى اعترفت لاحقاً بخطئها وعادت في الدورة الثانية عام 2006م بثمانية عشر مقعداً لتحقق منجزات مهمة لناخبيها. والحق يقال إن الممارسة البرلمانية في البحرين من 2002 حتى اليوم أرسخت ثقافة المساءلة وأسهمت في عدد كبير من التحولات التشريعية المهمة التي انعكست مباشرة على حياة المواطنين، وفي اعتقادي لا زالت التجربة وليدة تحتاج عقوداً من الزمان لكي تصل إلى تحقيق كامل متطلباتها.

الملك والشعب..

من أكثر ما أثّر فيّ في سنوات إقامتي بهذه الجزيرة هو صورة الملك الإنسانية قبل الملك السياسية. زملاء دراسته الذين التقيت بشهاداتهم الموثقة وصفوه بأنه لم يُميّز نفسه عليهم قط طوال سنوات الدراسة، وأنه كان سخياً كريماً بطريقة تحفظ كرامة من يعطيه لا تُحرجه. هذه الشخصية لم تتغير حين أصبح ملكاً. قرأت مقالته (إلى الشباب… نداء القلب والعقل) التي نشرتها الصحف في أبريل 2006م وأعدت قراءتها أكثر من مرة لأني وجدت فيها تعبيراً إنسانياً نادراً عن رؤية حاكم يرى في شباب بلاده روح المستقبل لا مجرد فئة تحتاج رعاية. حين تُقرن تلك الكلمات بإنجازات برنامج ولي العهد للمنح الدراسية العالمية الذي أرسل أوائل الخريجين إلى أعرق الجامعات الأمريكية والبريطانية، وبمشروع ريادة الأعمال الذي أنتج أكثر من ألفين وأربعمائة مشروع صغير وما فوق ألفين من المشاريع المتوسطة وأسهم في توفير آلاف الوظائف، تدرك أن ما يُقال ليس خطابات بل هو خرائط عمل تتحول إلى واقع ملموس.

ومن أبرز ما يؤكد عالمية هذا النموذج ما شهدته مملكة البحرين في مايو 2026م حين احتفل مكتب ترويج الاستثمار والتكنولوجيا التابع لمنظمة اليونيدو في البحرين بذكراه الثلاثين، وكشف الاحتفال أن النموذج البحريني لريادة الأعمال الذي وُلد على هذه الأرض بات يُطبَّق اليوم في ستة وخمسين دولة حول العالم، بعد أن أسهم على مدى ربع قرن في تمكين آلاف المشروعات عبر التدريب وبناء القدرات وتسهيل الوصول إلى التمويل والأسواق. إن هذه الإنجازات تأتي في ظل الرؤية السديدة لحضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة ملك البحرين المعظم القائمة على تمكين الشباب والمرأة، وهنا نتذكر بكثير من الفخر والاعتزاز تكريم المنظمة للملك عام 2016م تقديراً لجهوده في دعم الشباب وتمكين المرأة على المستويين الوطني والدولي. شخصياً كنت شاهداً على البدايات الأولى لهذا المشروع في مطلع الألفية، وتابعت مراحله خطوةً خطوة حتى أصدرت كتاباً وثّق لهذه التجربة بعنوان (قصة نجاح النموذج البحريني في التنمية الاقتصادية) الذي تكفلت بطباعته مجموعة البركة المصرفية عام 2015م. إن مملكة البحرين لم تكتفِ ببناء نموذجها المحلي بل صدّرت نموذجها للعالم.

الطيبة والسماحة والأدب

عند القراءة المتعمقة للمضامين السامية لأحاديث الملك حمد في المناسبات المختلفة يمكن أن نلحظ تأكيد جلالته ما يؤمن به من فهم عميق وإدراكٍ واعٍ لتحديات المرحلة المقبلة من مسيرة التطور الديمقراطي والتنمية الشاملة التي تشهدها البلاد على الأصعدة كافة، وما تحتاج إليه من تكاتف وتعاضد جميع أبناء الوطن من أجل تعظيم الاستفادة من الفرص المتاحة والتصدي للتحديات، وهو ما يتسق مع دعواته ومبادراته الدائمة التي يؤكد فيها على أهمية العمل على توحيد الصف وحماية أمن المجتمع وثوابته والتخلي عن الفرقة والاختلاف.

قناعات الملك حمد بالحوار تظهر بشكل واضح من خلال كلماته ومخاطباته للمواطنين في المناسبات المختلفة، نجدها تُعبر تعبيراً حقيقياً عن الطيبة والسماحة والأدب والقيم الجميلة التي يحملها هذا الملك في وجدانه وفي سويداء قلبه. كلماته تنفذ دائماً من القلب للقلب لأنها حديث الأب لأبنائه ولإخوانه وأخواته وأمهاته وخالاته وعماته. ولست وعشرين عاماً ظللت أستمع بشغف شديد لخطابات الملك حمد وما فيها من روح محبة وسلام ومودة ورغبة حقيقية وصادقة في وحدة الصف البحريني، وأن يعيش أبناء هذا البلد الطيب في رفاهية وعزة وكرامة وفي وئام وانسجام وتعايش سلمي.

في حضرة جلالة الملك

في الرابع من شهر أكتوبر 2022م زدت شرفاً بلقاء حضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة ملك البلاد المعظم حفظه الله ورعاه، في معية أصحاب المعالي الشيخ خالد بن عبدالله آل خليفة نائب رئيس الوزراء، والفريق طبيب الشيخ محمد بن عبدالله آل خليفة رئيس المجلس الأعلى للصحة حفظهم الله، والإخوة في جمعية الحكمة للمتقاعدين. وقد تسلم جلالته من أصحاب المعالي نسخة من كتاب (الشيخ عبدالله بن خالد.. الداعية والمفكر والمؤرخ) الذي تشرفت بتأليفه. كانت لحظات يصعب عليّ التعبير عنها لما فيها من فخر واعتزاز باللقاء التاريخي بجلالته والرفقة الجميلة الطيبة، وما تلقيته من إشادة بتأليف الكتاب. كعادته تحدث إلينا جلالته حديثاً شيقاً وبمحبة، حديث القلب للقلب حول أهمية التوثيق في حياة الشعوب في عالم يموج بالتطورات والإنجازات البشرية التي حققتها العقول النيّرة بتجرد ونكران الذات مدفوعة بحب الأوطان وخدمة الإنسان. فلم يكن غريباً على جلالته حبه للبحرين ولإنسانها المتميز عندما أفرد حيزاً مهماً في حديثه عن تفرد وتميز الإنسان البحريني، مشيراً إلى الإصدارات البحرينية في كافة المجالات الثقافية والاجتماعية والسياسية والفكرية والمعرفية التي تصدر في كل عام مقارنة بعدد السكان، وهو مصدر سعادة غامرة. إن العبارات الجميلة التي عبّر بها جلالته عن اعتزازه بالإنسان البحريني لم أجد مثيلاً لها في الواقع، فلم أرَ ملكاً أو رئيساً أو أميراً في العالم يمتدح شعبه ويفتخر به كل هذا الفخر والاعتزاز الذي لمسته من حديث جلالة الملك حمد حفظه الله ورعاه.

البنية التحتية..

من متابعتي اللصيقة للمشهد التنموي كنت حاضراً حين أُعلن عن وضع حجر أساس حلبة البحرين الدولية في أكتوبر 2002م، وحضرت أول سباق للفورمولا 1 يوم الخميس الرابع من أبريل 2004م، وكانت أياماً جميلة وتاريخية شهدت وصول قرابة مئة ألف ضيف جاؤوا من كل قارات العالم لحضور سباق الفورمولا 1 لأول مرة في الوطن العربي، وكانت غالبية القادمين تطأ أقدامهم أرض الشرق الأوسط لأول مرة، وعبّروا عن سعادتهم البالغة بما شهدوه من دقة في التنظيم والإعداد، فكانت تظاهرة عالمية بحق.

ومن المناسبات التي لا يمكن أن أنساها حضوري افتتاح أول دور برلماني في الفصل التشريعي الأول عام 2002م برئاسة الأستاذ خليفة بن أحمد الظهراني رئيس مجلس النواب والدكتور فيصل بن رضي الموسوي رئيس مجلس الشورى، وصافحنا جلالة الملك وسمو ولي العهد لأول مرة، وكانت الصحف البحرينية في تلك الفترة (أخبار الخليج) و(الأيام) فقط. كما شهدت وضع حجر الأساس لإنشاء جزيرتي أمواج وتالا، وافتتاح جسر الشيخ خليفة بن سلمان الذي يربط منطقة الحد بمنطقة أم الحصم، وميناء سلمان. ولم يكن في البحرين آنذاك تلك الجسور التي تربط المحرق بالمنامة، وبعدها انطلقت مسيرة إنشاء البنى التحتية من جسور وكباري وأنفاق ومشاريع إسكانية. وفي مرحلة متقدمة وأنا رئيس تحرير بوكالة أنباء البحرين كُلفت من قبل المدير العام للوكالة الأخ الزميل الأستاذ مهند سليمان بالانضمام للجنة الإعلامية الخاصة بالوحدات الإسكانية التابعة لمكتب سمو ولي العهد، وكانت اللجنة تتبع لمكتب سعادة وزير الإعلام حينها الأخ عيسى بن عبدالرحمن الحمادي، وترأسها الأخت الأستاذة فاطمة الصيرفي وزيرة السياحة حالياً، فأصبحت مُلماً بشكل أعمق بالتطورات في إنشاء الوحدات والمدن الإسكانية.

الإنجازات الدولية..

الأرقام الدولية للبحرين ليست صنيعة وزارة إعلام بل جاءت من منظمات محايدة، صنّفت مملكة البحرين ضمن “التنمية البشرية المرتفعة جداً” في تقارير الأمم المتحدة الإنمائية محتلةً المركز الثامن والثلاثين عالمياً والثالث عربياً، وهذا يعكس تراكم سياسات التعليم والصحة والمستوى المعيشي على مدى سنوات. وكذلك تجربة مواجهة جائحة كوفيد-19 التي جعلت البحرين نموذجاً عالمياً استحق أن يزوره رئيس منظمة الصحة العالمية بنفسه ليشهد البروتوكولات الصحية التي ابتكرتها الكوادر البحرينية وصارت مرجعاً دولياً. يضاف إلى ذلك تصدّرها قوائم الحرية المالية والتجارية والحكومة الإلكترونية وسباقات التعافي السياحي. هذه الشهادات الخارجية لها قيمة مضاعفة حين تُقرأ من موقع المقيم الذي يعرف أن وراء كل رقم سياسات منجزة وجهوداً بشرية حقيقية.

حين يُستهدف النجاح

لا يمكن لأي شاهد أمين على مسيرة البحرين أن يتجاهل حقيقة جوهرية: أن هذه المملكة كلما تقدمت خطوات في مسيرتها التنموية ازداد الاستهداف الخارجي لها حدةً وتنظيماً. ليس من قبيل الصدفة أن تتركّز الحملات الممنهجة ضد البحرين في اللحظات التي تحقق فيها إنجازات لافتة، وكأن ثمة من يُراقب ولا يريد لهذه الجزيرة الصغيرة أن تصير نموذجاً. أرادوا باختصار وقف عجلة مسيرة إصلاحية أثبتت نجاعتها في المظهر والحال العام للإنسان البحريني وبشهادات دولية موثقة، وأرادوا تحويل البحرين إلى ساحة صراع طائفي يمتد لعقود كما جرى في دول مجاورة. وقد فشلوا، لكن فشلهم في الجولة الأولى لم يُسكت المخططات بل طوّرها. الحروب الإعلامية ذات النفس الطويل التي واجهتها البحرين على مدار السنوات الماضية لم تكن عفوية بل هي ذراع من أذرع الاستهداف المنظم، هدفها الأول التشكيك في مصداقية الإنجازات التي شهد العالم بحقها، وهدفها الثاني استنزاف طاقة الدولة بالردود والمواجهات حتى لا تُكمل مسيرتها بتركيزها المطلوب.

غير أن ما يُذهل الراصد المقيم هو أن البحرين ردّت على كل ذلك بما هو أكثر فاعلية من الخطاب: ردّت بالعمل في صمت وردّت بالإنجاز. وها هو نموذجها في التصدي لخطر فيروس كورونا، وها هو نموذجها في ريادة الأعمال يُطبَّق في ستة وخمسين دولة، وها هي تجربتها الديمقراطية وإصلاحاتها الاقتصادية تُستشهد بها في المحافل الدولية، وها هي تصنيفاتها العالمية ترتفع بدلاً من أن تنهار تحت وطأة الضغوط. البحرين اليوم تخطو خطوات أبعد وأعمق في مسيرة تنموية لا تقبل الوقوف، ومن يريد إيقافها عليه أن يُدرك أن الشعوب التي تعمل بجد واجتهاد لا تُهزم، وأن المساجد والمصليات المنتشرة في البحرين تعلو فيها رايات التوحيد وعبادة الله، وأن أيادي الأمهات والآباء والأجداد وكبار السن ترتفع كل يوم صباحاً ومساءً تبتهل إلى الله فلم يخيب دعاءها، وأن البلاد التي يحميها البواسل في قوة دفاع البحرين والأجهزة الأمنية لن تنهزم أمام المؤامرات مهما علا صوتها ومهما تكبّرت وتجبّرت.

الخاتمة

ست وعشرون سنة من الإقامة في بلد ليس بلدك الأصلي تُعلّمك أن الإصلاح الحقيقي لا يُقاس بسرعة الخطاب بل بعمق الأثر، وأن بناء الدولة الحديثة في محيط يعاني من أزمات متشابكة ليس مشروعاً يُنجز في ليلة بل مسيرة تتراكم فيها الإخفاقات والنجاحات معاً. عشت في البحرين كل مراحل مشروع الملك حمد الإصلاحي من ربيعه الأول في 2001م حتى اليوم، وكنت في غرف الأخبار وفي قاعات المؤتمرات الصحفية وعلى أرض مواقع الإنجاز وفي الديوانيات والمجالس الشعبية. أعرف بالتجربة المباشرة لا بالقراءة وحدها أن ما تحقق ليس انتصاراً استعراضياً بل مسيرة شاقة أدارها رجل يرى في وطنه رسالة. وأنا الذي عشت هنا وعمّرت وكتبت وربّيت أسرتي هنا لا أستطيع إلا أن أكون شاهداً صادقاً على هذه المسيرة بكل تعقيداتها ومنعطفاتها وإنجازاتها التي لا يُنصفها المرور عليها مروراً عجولاً، وقد قال ربي سبحانه وتعالى: “ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه آثم قلبه”.

حفظ الله البحرين قيادةً وشعباً من كل سوء ومن كل شر ومن كل مكروه.