تقرير البحرين/ المنامة/ ثلاثة مقترحات نيابية في غضون أسابيع قليلة، تكشف عن نهج تشريعي واضح المعالم تتبعه النائبة الدكتورة مريم صالح الظاعن في عملها البرلماني؛ نهج يضع المواطن في مركز المعادلة، ويتعامل مع الملفات الحساسة بعمق يتجاوز السطح إلى جوهر الاحتياج الحقيقي.
بث الدروس التلفزيونية
لم يكن توقيت هذه المقترحات عشوائياً، ولا مضامينها اعتباطية. ففي مارس الماضي، وافق مجلس النواب على مقترحها ببث دروس التقوية لطلاب جميع المراحل الدراسية عبر تلفزيون البحرين، في خطوة تبدو للوهلة الأولى بسيطة، لكنها في حقيقتها تُعالج إشكالية اجتماعية متجذرة، فالدروس الخصوصية باتت عبئاً مالياً ثقيلاً على كثير من الأسر البحرينية، وما يترتب على ذلك من تفاوت واضح في مستوى التحصيل الأكاديمي بين أبناء الأسر الميسورة وغيرها، هذا المقترح يكسر هذه المعادلة الجائرة، ويجعل من الشاشة الوطنية أداةً للعدالة التعليمية، إذ يضمن وصول محتوى تعليمي احترافي ومنظم إلى كل طالب في أي بيت، بصرف النظر عن وضع أسرته المادي.
الأهم من ذلك أن بث الدروس عبر التلفزيون يُعزز ثقافة المراجعة المستمرة ويرفع مستوى الاستيعاب، إذ يمنح الطالب فرصة متابعة المادة بشكل منظم ومتكرر في بيئة مريحة بعيداً عن ضغط الفصل الدراسي، وقد استندت الظاعن في طرحها إلى تجربة بلادها الناجحة إبان جائحة كورونا، حين أثبتت القنوات التعليمية التلفزيونية قدرتها على الوصول إلى جميع شرائح المجتمع، مشددةً على أن ما أثبت نجاعته في الأزمة يجب أن يتحول إلى سياسة دائمة ومنهجية، لا أن يظل رهين الظروف الاستثنائية.
كبار السن وذوي الهمم
وفي السياق ذاته من الاستباقية والتخطيط المسؤول، طالبت الظاعن بصرف الأدوية لمرضى الأمراض المزمنة وكبار السن وذوي الهمم بشكل مسبق لمدة لا تقل عن ثلاثة أشهر. وتتجلى أهمية هذا المقترح حين ندرك أن هذه الفئات هي الأكثر احتياجاً إلى الرعاية والأقل قدرةً على تحمّل انقطاع العلاج أو الانتظار الطويل في طوابير المستشفيات، خصوصاً في ظل ظروف استثنائية قد تُعيق التنقل اليومي. فالمريض المزمن لا يحتمل التأخر في جرعته، وكبير السن لا تُطاق رحلته المتكررة إلى مراكز الرعاية الصحية. هذا المقترح يُسقط هذا العبء اليومي عن كاهل هذه الفئات وأسرهم، ويُتيح لهم الاطمئنان على استمرارية علاجهم دون قلق أو انقطاع. في الوقت ذاته، يُسهم في تخفيف الضغط الكبير على المستشفيات ومراكز الرعاية، ويمنح الكوادر الطبية مساحةً أكبر للتركيز على الحالات الطارئة، بما يرفع كفاءة المنظومة الصحية بأكملها ويُعزز جاهزيتها في مواجهة أي تحديات مستقبلية.
المصابين بطيف التوحد
غير أن المقترح الأكثر شمولاً وعمقاً جاء في مطلع أبريل، حين دعت الظاعن إلى إطلاق استراتيجية وطنية متكاملة للمصابين بطيف التوحد. وللوقوف على الأهمية الحقيقية لهذا المقترح، لا بد من استحضار الواقع الذي تعيشه أسر هؤلاء المصابين يومياً؛ فهم يواجهون رحلة شاقة تبدأ منذ لحظة التشخيص وما يرافقها من فترات انتظار مطوّلة، ولا تنتهي عند حدود التعليم أو التأهيل، بل تمتد إلى تحديات الدمج المجتمعي والتأهيل المهني والتوظيف. وما يُضاعف الثقل أن تكاليف الخدمات التأهيلية في القطاع الخاص مرتفعة، مما يُلقي بأعباء مالية ونفسية متراكمة على كاهل الأسر، تتضاعف حين تضم الأسرة أكثر من حالة. من هنا جاءت دعوة الظاعن إلى الانتقال من منطق المعالجات الجزئية المتفرقة إلى رؤية وطنية شاملة تغطي كامل مسار حياة المصاب، وتضمن له التكامل الكامل بين وزارات الصحة والتربية والعمل والتنمية الاجتماعية، بحيث لا تبقى أي مرحلة من مراحل حياته دون سند ورعاية.
الاستثمار في البحث العلمي
لم تتوقف رؤية النائب د. مريم الظاعن عند المصاب وحده، بل امتدت لتشمل أسره بمقترح برامج تدريبية متخصصة تُمكّنهم من اكتساب مهارات التعامل مع أبنائهم، بل وتفتح أمام بعضهم فرصاً للانخراط في تقديم خدمات مساندة تحت إشراف الجهات المختصة، بما يُسهم في التخفيف من أعبائهم ويعزز تمكينهم الاقتصادي. كما شددت على ضرورة الاستثمار في البحث العلمي المتخصص والاستفادة من إمكانات مركز الجينوم البحريني لبناء سياسات صحية قائمة على البيانات والمعرفة، لا على الاجتهادات العامة، في خطوة تجعل من البحرين رائدةً في هذا الملف على المستوى الإقليمي.
ما يجمع هذه المقترحات الثلاثة هو أنها لا تعالج أعراضاً آنية، بل تستهدف بنية المشكلة في عمقها، وتخدم في مجملها قطاعاً واسعاً جداً من المجتمع البحريني بامتداد أثرها عبر الزمن، فتعليم الأبناء وصحة الإنسان ودمج ذوي الاحتياجات الخاصة ليست ملفات منفصلة، بل هي أعمدة التنمية المستدامة التي تُقاس بها جودة الحياة ومستوى التقدم الحقيقي لأي مجتمع.
إضافة نوعية حقيقية
ليس مستغرباً أن تصدر هذه المقترحات عن نائبة تمتلك رصيداً أكاديمياً متميزاً؛ إذ حملت الدكتورة الظاعن درجة الدكتوراه مع مرتبة الشرف في تكنولوجيا الإعلام والسياسة الخارجية من جامعة لوتن البريطانية، إلى جانب مؤهلات علمية متعددة في الوسائط الرقمية وهندسة الحاسوب، وإتقانها ثلاث لغات عالمية. هذه الخلفية المتنوعة تمنحها قدرةً تحليلية واضحة في قراءة المشهد وصياغة الحلول، وتجعل من حضورها في المشهد التشريعي البحريني إضافة نوعية حقيقية تسهم في رفع سقف العمل البرلماني نحو ما تستحقه مملكة البحرين من تطور ونهضة.
إن أعضاء مجلس النواب تحت قيادة معالي الرئيس الأستاذ أحمد بن سلمان المسلم أثبتوا في الفترة الأخيرة التي تمر بها مملكة البحرين والمنطقة من ظروف استثنائية بالغة الحساسية، أن العمل التشريعي قادر على أن يكون في مستوى اللحظة وعلى قدر المسؤولية، إذ لم يتوانَ أعضاء المجلس عن تقديم مقترحات ميدانية مباشرة تلامس هموم المواطنين وتستجيب لاحتياجاتهم في وقتها، وقد تحوّل بعضها إلى واقع ملموس ينعكس على حياة الناس بشكل فعلي، مما يؤكد نضج العمل البرلماني البحريني وقدرته على أن يكون شريكاً حقيقياً في إدارة المرحلة وصون تماسك المجتمع في أصعب اللحظات.