الرئيسية / أخبار / حين يمر ظل الحرب..بقلم: نبيلة رجب
نبيلة رجب
نبيلة رجب

حين يمر ظل الحرب..بقلم: نبيلة رجب

اعتدنا‭ ‬أن‭ ‬نرى‭ ‬الحروب‭ ‬في‭ ‬الصور‭: ‬كمبانٍ‭ ‬مهدمة،‭ ‬أعمدة‭ ‬دخان،‭ ‬وخرائط‭ ‬تتغير‭ ‬حدودها‭. ‬ويبدو‭ ‬أحيانًا‭ ‬وكأن‭ ‬الدمار‭ ‬هو‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬في‭ ‬الحكاية‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬التجارب‭ ‬الطويلة‭ ‬بينت‭ ‬شيئًا‭ ‬آخر‭ ‬أيضا،‭ ‬أقل‭ ‬ظهورًا‭ ‬وأبعد‭ ‬أثرًا‭. ‬المدن‭ ‬التي‭ ‬تهدمها‭ ‬الحروب‭ ‬تُعاد‭ ‬بناؤها‭ ‬مع‭ ‬الوقت،‭ ‬أما‭ ‬ما‭ ‬يتغير‭ ‬داخل‭ ‬الناس‭ ‬فيبقى‭ ‬سنوات‭ ‬أطول،‭ ‬أحيانًا‭ ‬أجيالًا‭ ‬كاملة‭.‬

ما‭ ‬تتركه‭ ‬الحروب‭ ‬في‭ ‬النفوس‭ ‬لا‭ ‬يظهر‭ ‬في‭ ‬نشرات‭ ‬الأخبار‭. ‬الخوف‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يُرى،‭ ‬والشك‭ ‬الذي‭ ‬يتسرب‭ ‬بين‭ ‬الناس،‭ ‬واللغة‭ ‬التي‭ ‬تصبح‭ ‬أكثر‭ ‬حدة‭ ‬يومًا‭ ‬بعد‭ ‬يوم‭. ‬مع‭ ‬الوقت‭ ‬تتغير‭ ‬طريقة‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬الآخرين‭ ‬شيئًا‭ ‬فشيئًا،‭ ‬حتى‭ ‬يجد‭ ‬المرء‭ ‬نفسه‭ ‬ينظر‭ ‬إلى‭ ‬العالم‭ ‬بعيون‭ ‬مختلفة‭ ‬عما‭ ‬كانت‭ ‬عليه‭ ‬سابقا‭. ‬

هذا‭ ‬التحول‭ ‬لا‭ ‬يأتي‭ ‬دفعة‭ ‬واحدة،‭ ‬يبدأ‭ ‬بكلمة‭ ‬هنا‭ ‬وموقف‭ ‬هناك،‭ ‬ثم‭ ‬يتسع‭ ‬حتى‭ ‬يصبح‭ ‬جزءًا‭ ‬من‭ ‬طريقة‭ ‬التفكير‭. ‬والأخطر‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬الأثر‭ ‬لا‭ ‬يتوقف‭ ‬عند‭ ‬من‭ ‬عاشوا‭ ‬الحرب‭.‬

فالجدة‭ ‬التي‭ ‬عاشت‭ ‬الحرب‭ ‬تورّث‭ ‬حذرها‭ ‬لأحفادها‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬تقصد،‭ ‬والطفل‭ ‬الذي‭ ‬كبر‭ ‬على‭ ‬أصوات‭ ‬الإنذارات‭ ‬لا‭ ‬ينساها‭ ‬بسهولة‭ ‬حتى‭ ‬حين‭ ‬يعود‭ ‬السكون‭. ‬الخوف‭ ‬له‭ ‬ذاكرة‭ ‬أطول‭ ‬من‭ ‬الحرب‭.‬

حتى‭ ‬المجتمعات‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تعيش‭ ‬الحرب‭ ‬مباشرة‭ ‬لا‭ ‬تبقى‭ ‬بعيدة‭ ‬عن‭ ‬آثارها‭. ‬الأخبار‭ ‬المتواصلة،‭ ‬الصور،‭ ‬والتحليلات‭ ‬التي‭ ‬تتدفق‭ ‬طوال‭ ‬اليوم‭ ‬تجعل‭ ‬الإنسان‭ ‬يعيش‭ ‬جزءًا‭ ‬من‭ ‬التوتر‭ ‬وهو‭ ‬جالس‭ ‬في‭ ‬بيته‭. ‬يتحدث‭ ‬الباحثون‭ ‬في‭ ‬علم‭ ‬النفس‭ ‬عن‭ ‬أثر‭ ‬يسمونه‭ ‬الصدمة‭ ‬غير‭ ‬المباشرة؛‭ ‬حين‭ ‬يتأثر‭ ‬الناس‭ ‬نفسيًا‭ ‬بأحداث‭ ‬لم‭ ‬يشهدوها‭ ‬بأنفسهم‭. ‬ومع‭ ‬تكرار‭ ‬المشاهد‭ ‬القاسية‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تظهر‭ ‬حالات‭ ‬قلق‭ ‬حاد،‭ ‬وأحيانًا‭ ‬أعراض‭ ‬تشبه‭ ‬ما‭ ‬يعرف‭ ‬باضطراب‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬الصدمة‭. ‬الحرب‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الحالة‭ ‬لا‭ ‬تعبر‭ ‬الحدود‭ ‬بالجيوش،‭ ‬إنما‭ ‬تصل‭ ‬إلى‭ ‬العقول‭ ‬عبر‭ ‬الشاشات‭.‬

أخبرتني‭ ‬قريبة‭ ‬لي‭ ‬أن‭ ‬ابنها‭ ‬بات‭ ‬يتجمد‭ ‬عند‭ ‬بوابة‭ ‬البيت‭ ‬حين‭ ‬يسمع‭ ‬صافرات‭ ‬الإنذار‭. ‬الولد‭ ‬لم‭ ‬يرَ‭ ‬دماراً‭ ‬ولم‭ ‬يغادر‭ ‬البيت‭. ‬لكن‭ ‬ما‭ ‬وصله‭ ‬عبر‭ ‬الشاشات‭ ‬والأحاديث‭ ‬كان‭ ‬كافياً‭ ‬ليخيفه‭. ‬نوبات‭ ‬الهلع‭ ‬لا‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬حرب‭ ‬على‭ ‬العتبة،‭ ‬تكفيها‭ ‬أجواء‭ ‬الحرب‭ ‬وحدها‭.‬

ومن‭ ‬الظواهر‭ ‬التي‭ ‬يتوقف‭ ‬عندها‭ ‬الباحثون‭ ‬في‭ ‬المجتمعات‭ ‬التي‭ ‬تمرّ‭ ‬بأجواء‭ ‬الحروب‭ ‬تغيّر‭ ‬طبيعة‭ ‬النقاش‭ ‬بين‭ ‬الناس‭. ‬في‭ ‬المجالس‭ ‬والحوارات‭ ‬يضيق‭ ‬مجال‭ ‬الاستماع‭ ‬إلى‭ ‬الرأي‭ ‬المختلف،‭ ‬وقد‭ ‬يتحول‭ ‬الحديث‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬يُدار‭ ‬بهدوء‭ ‬إلى‭ ‬جدل‭ ‬سريع‭ ‬الاشتعال‭.‬

في‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬الأجواء‭ ‬يصبح‭ ‬الناس‭ ‬أكثر‭ ‬حساسية‭ ‬تجاه‭ ‬الكلمات،‭ ‬وكأن‭ ‬كل‭ ‬رأي‭ ‬يُستقبل‭ ‬بوصفه‭ ‬موقفًا‭ ‬حادًا‭ ‬لا‭ ‬وجهة‭ ‬نظر‭ ‬قابلة‭ ‬للنقاش‭. ‬هذه‭ ‬التحولات‭ ‬الصغيرة‭ ‬في‭ ‬أسلوب‭ ‬الحوار‭ ‬قد‭ ‬تبدو‭ ‬عابرة،‭ ‬لكنها‭ ‬تترك‭ ‬أثرها‭ ‬مع‭ ‬الوقت‭ ‬في‭ ‬العلاقات‭ ‬بين‭ ‬الناس‭.‬

التاريخ‭ ‬يقدم‭ ‬أمثلة‭ ‬كثيرة‭ ‬على‭ ‬ذلك‭. ‬في‭ ‬مدن‭ ‬عاشت‭ ‬الحروب‭ ‬وأُعيد‭ ‬بناء‭ ‬أحيائها‭ ‬حجرًا‭ ‬فوق‭ ‬حجر،‭ ‬وعادت‭ ‬الحياة‭ ‬إلى‭ ‬الشوارع‭ ‬والأسواق‭. ‬لكن‭ ‬من‭ ‬عاشوا‭ ‬تلك‭ ‬التجارب‭ ‬يعرفون‭ ‬أن‭ ‬ما‭ ‬يستغرق‭ ‬وقتًا‭ ‬أطول‭ ‬هو‭ ‬استعادة‭ ‬الثقة‭ ‬بين‭ ‬البشر‭.‬

حين‭ ‬تنتهي‭ ‬الحرب‭ ‬لا‭ ‬يُسأل‭ ‬عن‭ ‬المباني‭ ‬فقط،‭ ‬يُسأل‭ ‬أيضًا‭: ‬هل‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬الجار‭ ‬يثق‭ ‬بجاره؟‭ ‬هل‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬الصديق‭ ‬يرى‭ ‬في‭ ‬صديقه‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬يراه‭ ‬قبل‭ ‬الحرب؟‭ ‬تلك‭ ‬خسارة‭ ‬لا‭ ‬تُقاس‭ ‬بسهولة‭. ‬الكراهية‭ ‬التي‭ ‬تنشأ‭ ‬في‭ ‬زمن‭ ‬الحرب‭ ‬لا‭ ‬تختفي‭ ‬سريعًا،‭ ‬لأنها‭ ‬تعيش‭ ‬في‭ ‬الذاكرة‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تختفي‭ ‬من‭ ‬الواقع‭. ‬ولهذا‭ ‬كان‭ ‬بعض‭ ‬المفكرين‭ ‬يقولون‭ ‬إن‭ ‬إنهاء‭ ‬الحرب‭ ‬عسكريًا‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬آثارها‭ ‬انتهت‭ ‬فعلاً‭.‬

في‭ ‬الأوقات‭ ‬التي‭ ‬يكثر‭ ‬فيها‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬الحرب،‭ ‬تحتاج‭ ‬المجتمعات‭ ‬إلى‭ ‬قدر‭ ‬أكبر‭ ‬من‭ ‬التعقّل‭ ‬في‭ ‬الكلمة‭ ‬والموقف‭. ‬الأخبار‭ ‬قد‭ ‬تتغير‭ ‬كل‭ ‬ساعة،‭ ‬والتحليلات‭ ‬تمتلئ‭ ‬بالتوقعات،‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬ما‭ ‬يبقى‭ ‬في‭ ‬النهاية‭ ‬هو‭ ‬التماسك‭ ‬الداخلي‭ ‬والقدرة‭ ‬على‭ ‬إبقاء‭ ‬الحياة‭ ‬في‭ ‬مسارها‭. ‬تلك‭ ‬المجتمعات‭ ‬التي‭ ‬تنجح‭ ‬في‭ ‬عبور‭ ‬هذه‭ ‬المراحل‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬تحفظ‭ ‬مساحة‭ ‬للهدوء‭ ‬والعقل‭ ‬حتى‭ ‬وسط‭ ‬الضجيج‭.‬

الحروب‭ ‬تنتهي‭. ‬لكن‭ ‬ما‭ ‬تزرعه‭ ‬في‭ ‬النفوس‭ ‬يظل‭ ‬يحتاج‭ ‬إلى‭ ‬رعاية‭ ‬طويلة‭. ‬وفي‭ ‬تلك‭ ‬الرعاية‭ ‬يُقاس‭ ‬عمق‭ ‬المجتمع‭ ‬الحقيقي‭.‬

نسأل‭ ‬الله‭ ‬أن‭ ‬تبقى‭ ‬البحرين‭ ‬وأهلها‭ ‬بمنأى‭ ‬عن‭ ‬هذا‭ ‬كله،‭ ‬وأن‭ ‬تظل‭ ‬هذه‭ ‬الأرض‭ ‬التي‭ ‬نحب‭ ‬بلدًا‭ ‬آمنًا‭ ‬مطمئنًا‭ ‬كما‭ ‬عرفناها‭ ‬دائمًا‭.‬

عن صحيفة (أخبار الخليج)

rajabnabeela@gmail‭.‬com