الأمان لا يُحسُّ به حين يكون موجودا. مثل الهواء تماما – لا نفكر فيه إلا حين يشحّ. وما يصدق على الهواء يصدق على كل نعمة كبيرة منحها الله لنا ونسينا أن نحمده عليها.
نستيقظ صباحًا، نغادر بيوتنا مطمئنين، يسير الأبناء إلى مدارسهم وأعمالهم، وتتحرك الحياة من حولنا بإيقاعها المعتاد. يتكرر هذا المشهد كل يوم حتى يبدو طبيعيًّا تمامًا. لكن ما إن تهتز الأوضاع من حولنا حتى يتغير الإحساس فجأة، ويدرك الإنسان أن ما عاشه طويلًا لم يكن أمرًا عاديًا، إنما نعمة كبيرة تستحق أن نعرف قدرها.
يكفي أن يتأمل الفرد قليلًا ليرى كيف يتشكل هذا الشعور في حياته. فالأمان لا يظهر في لحظة واحدة، فهو يتكوّن عبر تفاصيل صغيرة تتكرر كل يوم: قدرة الإنسان على التخطيط ليومه، والعمل بهدوء، والتفكير في مستقبله دون قلق دائم. هذا الاستقرار يمنح الحياة إيقاعها الطبيعي، ويجعل الإنسان قادرًا على أن يعيش يومه بثقة واطمئنان.
ثمة فكرة في علم النفس تقول إن الإنسان لا يستطيع الانشغال بطموحاته وإنجازاته قبل أن يشعر بالأمان – فهو يحتاج أولاً إلى الإحساس بأن حياته مستقرة وأن محيطه آمن. مع هذا الشعور يصبح قادراً على العمل والإبداع وبناء مستقبله، بينما يتغير كل شيء حين يختل هذا الإحساس. وأنا أعيش هذه الأيام الثقيلة، عدت إلى هذه الفكرة التي درستها يوماً وأدركت أنها لا تُفهم في الكتب بقدر ما تُفهم في الحياة. والبحريني الذي يغادر بيته كل صباح مطمئناً يعيش معناها ببساطة.
وهذه الأرضية لا تُبنى من فراغ. خلفها مؤسسات تعمل بصمت، ورجال يسهرون حين ينام الناس، وقرارات تُتخذ بعيدًا عن الأضواء لتبقى الحياة اليومية على إيقاعها المعتاد. الاستقرار الذي نعيش فيه ليس صدفة، هو نتيجة.
وأنا أتابع ما تبثّه قنواتنا هذه الفترة، وقفت عند مشاهد الاستعداد في المستشفيات، وحضور الأجهزة الأمنية وفرق الدفاع المدني، والرسائل التي أطلقتها الكوادر المختصة بروح من الإيجابية. حتى عودة الأسواق سريعًا إلى طبيعتها بعد القلق الأول الذي دفع بعض الناس إلى شراء السلع وتخزينها، دليلاً على تماسك إدارة الأمور. هؤلاء جميعاً يستحقون أن يُشكروا.
ومع كل هذه الاستعدادات، لم يخلُ القلب من قلق. مثل كثيرين، وجدت نفسي أفكر أكثر في الوطن وأهله، وفهمت أن الإنسان لا يخاف إلا على ما يحب.
ومع التفكير في هذا المعنى يتضح أن للاستقرار وجهًا آخر لا يقل أهمية؛ وجه تصنعه البيوت عبر السنين في مواقف صنعتها البصيرة والصبر. رجال آثروا الحكمة حين كان الانفعال أسهل، ونساء صنعن من بيوتهن حصنًا للعائلة حين تقلّبت الأحوال.
في مثل هذه المواقف يتكوّن المعنى الحقيقي للوطن؛ وطن يجتمع أهله على الحرص عليه وعلى أن تبقى الطمأنينة فيه واقعًا يعيشونه. هذا الإرث الهادئ هو ما يجعل الاستقرار جزءًا من حياة الناس، وهو إرث يستحق أن نعيه ونحمد الله عليه.
كثيرون ممن اختاروا بلدنا وطنًا ثانيًا يذكرون أن الأمان الذي وجدوه فيها كان السبب الأول لارتباطهم بها. ومن ينظر إلى هذه النعمة من الخارج يعرف قيمتها جيدًا.
ولهذا فإن الحفاظ على أمان بلدنا مسؤولية كل من يعيش على هذه الأرض. فالبحرين التي عرفها أهلها دائمًا تشبه نخلة ثابتة؛ قد تمر حولها الرياح، لكنها تبقى راسخة في أرضها، تمنح من حولها الظل والراحة.
rajabnabeela@gmail.com
عن صحيفة (أخبار الخليج)