الرئيسية / أخبار / رمضان وإعمار القلوب قبل الأرض..بقلم: نبيلة رجب

رمضان وإعمار القلوب قبل الأرض..بقلم: نبيلة رجب

ليس‭ ‬من‭ ‬السهل‭ ‬أن‭ ‬نقيس‭ ‬أثر‭ ‬الشهور‭ ‬في‭ ‬حياتنا‭. ‬فهناك‭ ‬أزمنة‭ ‬تمرُّ‭ ‬كأنها‭ ‬لم‭ ‬تكن،‭ ‬وأخرى‭ ‬تترك‭ ‬في‭ ‬القلب‭ ‬مساحة‭ ‬أوسع‭ ‬للسكينة،‭ ‬وتعيد‭ ‬ترتيب‭ ‬علاقتنا‭ ‬بأنفسنا‭ ‬وبالآخرين‭.‬

هناك‭ ‬شهر،‭ ‬كل‭ ‬عام،‭ ‬تهدأ‭ ‬فيه‭ ‬الخطوات‭ ‬قليلًا،‭ ‬وتلين‭ ‬الأرواح،‭ ‬ويعود‭ ‬البيت‭ ‬إلى‭ ‬قلب‭ ‬الصورة،‭ ‬كأن‭ ‬الأيام‭ ‬تمنحنا‭ ‬فرصة‭ ‬جديدة‭ ‬لننظر‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬حولنا‭ ‬بعين‭ ‬أصفى‭.‬

وربما‭ ‬لهذا،‭ ‬كلما‭ ‬مرّ‭ ‬هذا‭ ‬الشهر‭ ‬الكريم،‭ ‬تعود‭ ‬إليّ‭ ‬صور‭ ‬من‭ ‬بيتنا‭ ‬القديم‭.‬

في‭ ‬طفولتي،‭ ‬كانت‭ ‬أمي،‭ ‬رحمة‭ ‬الله‭ ‬عليها،‭ ‬حاضرة‭ ‬في‭ ‬تفاصيل‭ ‬الشهر‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬أفهم‭ ‬معناه‭. ‬وكان‭ ‬حضورها‭ ‬أوسع‭ ‬من‭ ‬المطبخ؛‭ ‬في‭ ‬عبادتها‭ ‬الهادئة،‭ ‬وفي‭ ‬دعائها‭ ‬الخافت،‭ ‬وفي‭ ‬ما‭ ‬كانت‭ ‬تتصدّق‭ ‬به‭ ‬بصمت‭. ‬صوتها‭ ‬في‭ ‬المطبخ،‭ ‬صبرها‭ ‬الطويل،‭ ‬وحركة‭ ‬البيت‭ ‬التي‭ ‬تتغيَّر‭ ‬بهدوء‭ ‬مع‭ ‬اقتراب‭ ‬الغروب‭.‬

كنت‭ ‬أتظاهر‭ ‬بأنني‭ ‬صائمة،‭ ‬وأتنقّل‭ ‬حول‭ ‬المطبخ‭ ‬بحذر‭ ‬طفولي،‭ ‬عيني‭ ‬على‭ ‬الباب،‭ ‬أراقب‭ ‬الحركة‭ ‬أكثر‭ ‬مما‭ ‬أراقب‭ ‬الوقت‭.‬

وكان‭ ‬للهريس‭ ‬دوره‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الذاكرة‭. ‬رائحته‭ ‬كانت‭ ‬إعلان‭ ‬دخول‭ ‬الشهر‭ ‬قبل‭ ‬أي‭ ‬شيء‭ ‬آخر‭. ‬يُترك‭ ‬القدر‭ ‬الكبير‭ ‬على‭ ‬نار‭ ‬هادئة‭ ‬ساعات،‭ ‬وأنا‭ ‬أقترب‭ ‬منه‭ ‬ثم‭ ‬أبتعد،‭ ‬أراقب‭ ‬ما‭ ‬تبقّى‭ ‬في‭ ‬قاعه‭. ‬إذا‭ ‬سمعت‭ ‬حركة،‭ ‬مسحت‭ ‬فمي‭ ‬بسرعة‭ ‬وعدت‭ ‬إلى‭ ‬مكاني‭ ‬وكأن‭ ‬شيئًا‭ ‬لم‭ ‬يكن‭.‬

الدفء‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬اللحظات‭ ‬العابرة‭ ‬التي‭ ‬تصنعها‭ ‬البراءة،‭ ‬وتترك‭ ‬في‭ ‬القلب‭ ‬أثرًا‭ ‬أطول‭ ‬من‭ ‬الوقت‭.‬

كبرتُ،‭ ‬وبقيت‭ ‬تلك‭ ‬التفاصيل‭ ‬تسكنني‭. ‬في‭ ‬المنامة،‭ ‬في‭ ‬فريق‭ ‬الحطب‭ ‬تحديدًا‭ ‬حيث‭ ‬ترعرعت،‭ ‬وحيث‭ ‬كانت‭ ‬البيوت‭ ‬متجاورة،‭ ‬والأصوات‭ ‬تتنقّل‭ ‬بين‭ ‬الأزقة،‭ ‬والناس‭ ‬يعرفون‭ ‬بعضهم‭ ‬بأسمائهم‭ ‬وأيامهم‭. ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬الزيارة‭ ‬تحتاج‭ ‬موعدًا‭ ‬مثل‭ ‬الآن،‭ ‬ولا‭ ‬الحديث‭ ‬يحتاج‭ ‬تمهيدًا‭. ‬يكفي‭ ‬أن‭ ‬تمرّ،‭ ‬فيناديك‭ ‬أحدهم‭ ‬باسمك،‭ ‬ويقدم‭ ‬لك‭ ‬القهوة،‭ ‬ومعها‭ ‬قطعة‭ ‬من‭ ‬حلوتنا‭ ‬البحرينية‭ ‬الأصيلة‭.‬

هناك‭ ‬تعلّمت‭ ‬باكرًا‭ ‬معنى‭ ‬القرب‭ ‬بين‭ ‬الناس،‭ ‬وأن‭ ‬الحياة‭ ‬تُصنع‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬اللقاءات‭ ‬البسيطة‭ ‬التي‭ ‬تمرّ‭ ‬سريعًا‭ ‬وتترك‭ ‬أثرها‭.‬

هذا‭ ‬الإيقاع‭ ‬الإنساني‭ ‬لا‭ ‬يخص‭ ‬المنامة‭ ‬وحدها‭. ‬تجده‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬مناطق‭ ‬البحرين،‭ ‬من‭ ‬المحرق‭ ‬إلى‭ ‬الدراز،‭ ‬ومن‭ ‬الرفاع‭ ‬إلى‭ ‬سترة‭. ‬المجالس‭ ‬ما‭ ‬زالت‭ ‬مفتوحة،‭ ‬والموائد‭ ‬تمتدّ‭ ‬بهدوء،‭ ‬والوجوه‭ ‬تستقبل‭ ‬القادم‭ ‬بابتسامة‭ ‬صادقة‭.‬

الزائر‭ ‬والمقيم‭ ‬يُستقبلان‭ ‬بالطريقة‭ ‬نفسها،‭ ‬والحديث‭ ‬يمضي‭ ‬بلا‭ ‬تكلف،‭ ‬والناس‭ ‬يتشاركون‭ ‬الخبز‭ ‬والوقت‭ ‬والحكايات‭ ‬بشكل‭ ‬تلقائي‭. ‬هذا‭ ‬الجو‭ ‬هو‭ ‬ما‭ ‬يمنح‭ ‬الشهر‭ ‬طابعه‭ ‬الخاص،‭ ‬ويجعل‭ ‬العلاقات‭ ‬أبسط،‭ ‬واللقاءات‭ ‬أسهل‭.‬

في‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬الأجواء،‭ ‬يصبح‭ ‬للكلمة‭ ‬وزن‭ ‬مختلف‭. ‬ويضع‭ ‬لنا‭ ‬القرآن‭ ‬الكريم‭ ‬قاعدة‭ ‬بسيطة‭ ‬للعلاقة‭ ‬مع‭ ‬الناس‭: ‬‮«‬وقولوا‭ ‬للناس‭ ‬حُسنا‮»‬‭.‬

عبارة‭ ‬قصيرة،‭ ‬تحمل‭ ‬داخلها‭ ‬معنى‭ ‬أوسع‭. ‬كيف‭ ‬نخاطب‭ ‬بعضنا،‭ ‬كيف‭ ‬نختلف،‭ ‬كيف‭ ‬نحفظ‭ ‬كرامة‭ ‬من‭ ‬أمامنا‭ ‬حتى‭ ‬حين‭ ‬لا‭ ‬نتفق‭ ‬معه‭. ‬الآية‭ ‬الكريمة‭ (‬وجعلناكم‭ ‬شعوبًا‭ ‬وقبائل‭ ‬لتعارفوا‭) ‬تفتح‭ ‬المعنى‭ ‬على‭ ‬لقاء‭ ‬إنساني‭ ‬أوسع‭. ‬التعارف‭ ‬هنا‭ ‬مساحة‭ ‬اعتراف‭ ‬متبادل،‭ ‬ورغبة‭ ‬صادقة‭ ‬في‭ ‬فهم‭ ‬الآخر‭ ‬كما‭ ‬هو‭.‬

وسط‭ ‬هذا‭ ‬الصفاء،‭ ‬يعود‭ ‬السؤال‭ ‬بهدوء‭: ‬ماذا‭ ‬نترك‭ ‬خلفنا؟‭ ‬أحيانًا‭ ‬لا‭ ‬يكون‭ ‬الجواب‭ ‬كبيرًا؛‭ ‬يكفي‭ ‬أثر‭ ‬طيب‭ ‬يبقى‭ ‬في‭ ‬القلب،‭ ‬ولقاء‭ ‬صادق،‭ ‬وذكريات‭ ‬صغيرة‭ ‬ترافق‭ ‬الناس‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬نمضي‭.‬

إعمار‭ ‬الأرض‭ ‬يبدأ‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬التفاصيل‭ ‬اليومية،‭ ‬من‭ ‬الكلمات،‭ ‬من‭ ‬المواقف‭ ‬الصغيرة،‭ ‬ومن‭ ‬المساحات‭ ‬التي‭ ‬نخلقها‭ ‬ليشعر‭ ‬الجميع‭ ‬بالأمان‭. ‬هكذا‭ ‬يتكوّن‭ ‬المجتمع،‭ ‬خطوة‭ ‬بعد‭ ‬خطوة‭.‬

موائد‭ ‬الرحمن‭ ‬جزء‭ ‬جميل‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬الجو‭. ‬فيها‭ ‬كرم،‭ ‬وفيها‭ ‬رغبة‭ ‬صادقة‭ ‬في‭ ‬المشاركة‭. ‬ومع‭ ‬كثرة‭ ‬المبادرات،‭ ‬ربما‭ ‬يكون‭ ‬من‭ ‬المفيد‭ ‬التفكير‭ ‬بهدوء‭ ‬في‭ ‬توحيد‭ ‬بعض‭ ‬الجهود‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬صندوق‭ ‬وطني‭ ‬اجتماعي‭ ‬قائم‭ ‬على‭ ‬العمل‭ ‬الأهلي‭ ‬والتطوعي،‭ ‬يُوجَّه‭ ‬إلى‭ ‬دعم‭ ‬هذه‭ ‬الموائد‭ ‬وتنظيمها،‭ ‬بحيث‭ ‬يصل‭ ‬الخير‭ ‬إلى‭ ‬أكبر‭ ‬عدد‭ ‬ممكن،‭ ‬وتستمر‭ ‬المبادرات‭ ‬بروح‭ ‬جماعية‭ ‬أكثر،‭ ‬ودون‭ ‬تبذير‭ ‬أو‭ ‬إسراف‭.‬

ويمكن‭ ‬أن‭ ‬يمتد‭ ‬هذا‭ ‬الدعم‭ ‬أيضًا‭ ‬إلى‭ ‬مبادرات‭ ‬إنسانية‭ ‬من‭ ‬نوع‭ ‬آخر،‭ ‬بحسب‭ ‬احتياجات‭ ‬الناس،‭ ‬ليبقى‭ ‬العطاء‭ ‬حاضرًا‭ ‬بأشكال‭ ‬متعددة‭. ‬فكرة‭ ‬بسيطة،‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تعزّز‭ ‬أثر‭ ‬العطاء‭ ‬وتمنحه‭ ‬امتدادًا‭ ‬أوسع‭.‬

وأنا‭ ‬أستعيد‭ ‬صورة‭ ‬أمي‭ ‬عند‭ ‬الموقد،‭ ‬وبقايا‭ ‬الهريس‭ ‬في‭ ‬قاع‭ ‬القدر،‭ ‬وأصوات‭ ‬الأطفال‭ ‬حولها،‭ ‬أفهم‭ ‬اليوم‭ ‬كيف‭ ‬كانت‭ ‬تلك‭ ‬اللحظات‭ ‬دروسًا‭ ‬مبكرة‭ ‬في‭ ‬معنى‭ ‬المشاركة،‭ ‬وفي‭ ‬جمال‭ ‬القرب،‭ ‬وفي‭ ‬بساطة‭ ‬العيش‭.‬

قد‭ ‬لا‭ ‬نقدر‭ ‬أن‭ ‬نعيد‭ ‬الأيام‭ ‬كما‭ ‬كانت،‭ ‬لكننا‭ ‬نستطيع‭ ‬أن‭ ‬نحفظ‭ ‬روحها،‭ ‬وأن‭ ‬نحمل‭ ‬هذه‭ ‬القيم‭ ‬معنا‭ ‬أينما‭ ‬ذهبنا‭.‬

rajabnabeela@gmail‭.‬com

عن admin

صحفي وكاتب ومستشار اعلامي