الرئيسية / مقالات / القوة أساس المُلك..بقلم أكرم مكناس
أكرم مكناس
أكرم مكناس

القوة أساس المُلك..بقلم أكرم مكناس

ما يحدث في العالم اليوم يبرهن، مرة بعد مرة، أن القوة هي الأساس الذي تُبنى عليه السياسات وتُرسم به حدود النفوذ، فمن لا يمتلك القوة، لا الدفاعية فقط بل الهجومية أيضًا، يجد نفسه مكشوفًا، عرضة للضغط والابتزاز، مهما كانت نواياه حسنة أو خطابه أخلاقيًا، فالعالم لا يُدار بالمثاليات والكلام بل بتوازنات الردع، ومن يفتقد أدوات القوة لا يُؤخذ على محمل الجد، ولا يُحسب له حساب في لحظات الحسم.أرى أنه إلى حد بعيد لم يعد العدل أساس المُلك، وإنما القوة أساس المُلك، وأجد نفسي أحيانًا أفكر، وبشيء من السخرية الجدية، أن تسمية وزارات الدفاع لم تعد دقيقة وصحيحة، فالأجدر أن نسميها «وزارات الهجوم»، لأن التجارب المعاصرة تقول إن ما يسمى دفاعًا هو في حقيقته استعداد للهجوم، أو قدرة على المبادرة، أو على الأقل إقناع الخصم بأنك قادر على الرد إن لزم الأمر، حتى إن الأسلحة التي تنتجها أعتى دول العالم هي أسلحة هجومية بمعظمها. وحين تمتلك قوة كافية، يصبح الهجوم في كثير من الأحيان غير ضروري؛ لأن الردع وحده يكفي، أما حين تغيب القوة، فلا رادع حقيقي يمنع الآخرين من التقدم عليك، ولو تحت ألف ذريعة.

خذ ما جرى في غزة مثالًا على ذلك، إسرائيل ادّعت منذ اليوم الأول أن حربها دفاعية، لكن الوقائع على الأرض، وحجم الدمار، وطبيعة الأهداف، تشير بوضوح إلى أن المسألة لم تكن دفاعًا بقدر ما كانت مشروعًا سياسيًا وعسكريًا مبيتًا، بل إن هناك من يذهب أبعد من ذلك، ويتساءل عمّا إذا كان نتنياهو قد سمح، بشكل مباشر أو غير مباشر، بحدوث طوفان الأقصى، وإن لم يتوقع هذا الحجم من الخسائر، لكنه في النهاية خرج بأرباح سياسية داخلية، وحقق أهدافه التوسعية، كما أننا اليوم نسمع حديثًا متزايدًا عن تحويل غزة إلى «ريفيرا»، وهو المشروع الذي طرحه ترامب لنقل سكان غزة إلى دول مجاورة تحت ذريعة تحويل القطاع إلى وجهة سياحية عالمية تحت هذا الاسم، والآن أصبحت الكثير من التقارير تشير إلى أن هذا السيناريو لم يعد مجرد خيال أو احتمالات، بل مشروع محتمل قيد التداول الجدي.

روسيا أيضًا على سبيل المثال، تقدم حربها في أوكرانيا على أنها دفاع عن أمنها القومي في مواجهة تمدد خطر الناتو، لكن المؤكد أن لها أطماعًا في أوكرانيا تتجاوز البعد الأمني، أطماعًا في الموارد الطبيعية الهائلة المخزونة تحت الأرض، من معادن ثمينة نادرة وأساسية للصناعات المتقدمة، وهي موارد باتت اليوم عملة استراتيجية لا تقل أهمية عن النفط في القرن الماضي، لذا فما حدث في أوكرانيا، وما سبقه وما تلاه، يؤكد أن منطق القوة هو المحرك الأساسي لسلوك الدول الكبرى.

خلال السنوات العشر الماضية، شهدنا سلسلة أحداث عالمية تؤكد هذه الحقيقة، سباق تسلح متسارع، وميزانيات عسكرية تكبر، واستثمارات ضخمة في تطوير أسلحة هجومية متقدمة، لذلك لا أجد من المنطقي أن نلوم روسيا أو الصين أو غيرهما من القوى الكبرى على تعزيز ترساناتها العسكرية وتفعيل قدراتها في المواجهة وليس الدفاع، فهذا هو منطق النظام الدولي القائم، أنا شخصيًا لا أعرف سلاحًا صُنع من أجل الدفاع، فالسلاح في جوهره أداة هجوم، أو على الأقل أداة ردع قائمة على القدرة الهجومية، وليس للدفاع، ومثال على ذلك طائرات «بي 2» أو «بي 21»، هل وُجدت للدفاع عن الأجواء؟ بالطبع لا، الغرض الأساسي منها هو الهجوم.

نحمد لله أن الجيش المصري قوي ومتماسك، وإلا كانت إسرائيل رمت فلسطينيي قطاع غزة في سيناء، والقوة هنا عندما نتحدث عن الجيش المصري لم تكن أداة عدوان بالطبع، بل صمام أمان حال دون فرض واقع كارثي جديد على غزة والمنطقة بأكملها، والسودان بدوره سار في مسار مشابه، إذ أصبحت القوة عاملًا حاسمًا في الصراع على وحدة الدولة وبقائها، وأنا على يقين بأن ما تفعله السعودية حاليًا في السودان، هو بهدف وحدة السودان، لأن السودان الموحد والقوي يخدم الأمن القومي العربي، ويخدم السعودية نفسها، والمنطق ذاته ينطبق على الموقف من سوريا، فالدفاع عن سوريا وتقويتها يصب في مصلحة استقرار المنطقة ككل، وأنا متأكد أن السعودية تحمل الرؤية نفسها تجاه اليمن، يمن مستقر، موحد، وقادر على الخروج من دائرة الحرب.

أما إيران، فالمشهد فيها واضح، الحكم هناك أضعف الناس وجوعهم، وأدخلهم في عزلة خانقة، ومع ذلك لا تزال تمتلك أدوات قوة تقلق جيرانها، والمشكلة ليست في وجود القوة بحد ذاته، بل في كيفية استخدامها، وفي غياب مشروع تنموي حقيقي يخدم الشعب قبل الأيديولوجيا.. الله يستر على منطقتنا من أن تتحول هذه القوة المختلة إلى شرارة صراع أوسع يعيد منطقتنا إلى وضع لا نريد العودة إليه.

وما شهدناه هذا الأسبوع في أمريكا الجنوبية، من اعتقال رئيس فنزويلا، والتهديدات الخارجية لكولومبيا وكوبا، وحتى غرينلاند، يندرج في الإطار نفسه، فالجميع يعلم أن وراء هذه الاضطرابات أهداف اقتصادية واضحة، حتى وإن وُضعت تحت عناوين كبيرة مثل مكافحة الإرهاب أو الجريمة، فهذه العناوين مهما كانت وجاهتها لا ترقى في العُرف الدولي إلى اعتقال رئيس دولة.

الحمد لله على نعمة الخليج، فنحن لا نسعى لأي عدوان أو حروب كالكثير من الدول الأخرى، وأهدافنا واضحة للجميع، وهي الحفاظ على الأمن، والاستقرار، والازدهار، والمساواة، وعدم الاعتداء على أحد، كما كان الخليج وسيبقى دومًا، لكن هذه الأهداف أيضًا مدعومة بقوة تحرسها، وتمنع العبث بها، فنحن نمتلك من الوعي السياسي ما يجعلنا نعرف متى نتحرك ومتى نضبط النفس، ونمتلك من الإمكانات ما يكفي لردع أي محاولة للمساس بأمننا أو استقرارنا، كما نمتلك القوة الاقتصادية والعسكرية التي تحسدنا عليها الدول الأخرى، وهذه القوة هي ليست للهيمنة كما تفعل بعض الدول الأخرى، بل لحماية مكتسباتنا وسيادتنا، وضمان أن يبقى قرارنا بأيدينا لا بيد غيرنا.

العالم لا يزال، وربما سيظل طويلًا، يُدار بمنطق القوة، من يمتلكها يفرض شروطه، ومن يفتقدها يُفرض عليه الواقع، وقد لا يعجبنا هذا المنطق، لكنه الحقيقة التي علينا التعامل معها بوعي، لا بإنكار، فالقوة أساس، ليس للاعتداء، بل لحماية الأوطان، وصون السيادة، وضمان أن نعيش في عالم لا يُملى علينا فيه مستقبلنا من فوهة بندقية الآخرين.

عن صحيفة (الأيام) البحرينية