القماش ليس مادّة تُنسج فحسب، بل تاريخ تتشابك خيوطه مع حضارات البشر وطقوسهم وأسرارهم القديمة. ولعلّ أجمل ما في هذا الإرث أنني قد تشرّفت بنيل جائزة (نساء حول العالم 2025) بعد أن قدّمت ورقة بحثية متخصّصة عن الفن والقماش، تناولت فيها علاقة الإنسان بالألياف منذ فجر التاريخ، وكيف تحوّلت قطع القماش إلى رموز ثقافية وجمالية تنطق بقصص الشعوب.
وتبدأ الحكاية مع الحرير، ذاك الخيط اللامع الذي غيّر وجه العالم. تروي الأساطير الصينية أن الإمبراطورة سي لينغ شي كانت تحتسي شايها تحت شجرة التوت حين سقطت شرنقة دودة الحرير في كوبها الساخن. وما إن حاولت إخراجها حتى بدأت الخيوط تتفكك بين أصابعها، كاشفةً سرًّا سيُصبح ثروة الإمبراطورية. ومنذ ذلك اليوم صار الحرير مادة ملكية تُنقَل عبر طريق الحرير العظيم، يساوي وزنه ذهبًا.
ولأن الألوان روح القماش، فقد ظل البنفسجي لونًا ملكيًا عبر العصور. في فينيقيا القديمة، وتحديدًا في مدينة صور، استُخرج هذا اللون الأسطوري من قواقع الـ موركس البحرية. كانت العملية شاقة، فالقوقعة الواحدة لا تمنح إلا قطرة صغيرة من الصبغة، ولهذا كان اللون حكرًا على الملوك مثل الإسكندر الأكبر والملكة كليوباترا، وقد اعتُبر علامة سلطة لا ينافسها لون آخر.
أما في إفريقيا، فقد تميّزت القبائل القديمة بفن مذهل هو طباعة القماش باستخدام ألواح الطين. في مالي ونيجيريا، كانت النساء يصنعن قماش الـ بوغولان أو “قماش الطين” عبر نقش الطين المتخمّر على الأقمشة القطنية، ليصبح كل ثوب رمزًا للهوية والتاريخ وطقوس العبور.
وننتقل إلى الشمال، إلى الهيمالايا حيث وُلد الشال الكشميري ذو الخيوط الناعمة التي تُغزل من صوف ماعز الـ باشمينا. وقد اشتهر بمتانته وخفته وقدرته على الاحتفاظ بالدفء، حتى أصبح قطعة فاخرة تتوارثها العائلات، وارتدته الإمبراطورة جوزفين زوجة نابليون بشغف كبير.
وللصوف حكايات أخرى، فقد ارتبط بالطرق الصوفية في العالم الإسلامي. كان الدراويش يرتدون “الخرقة الصوفية” رمزًا للتقشف والزهد، مؤمنين بأن خشونتها تُهذّب النفس وتُذكّر بالسير نحو الصفاء.
ثم تأتي تنانير اسكتلندا الشهيرة، أو الـ Kilt، وهي ليست مجرد زي تقليدي بل رمز للعشائر. لكل عشيرة نقشة تُسمّى Tartan تحدد هويتها، وتُحكى قصص عن فرسان ارتدوا هذا القماش في معارك نُسجت حولها الأساطير.
ولا يمكن تجاهل الأسود، لون الحداد الملكي الذي ارتدته الملكة فيكتوريا بعد وفاة زوجها الأمير ألبرت، فحوّلت اللون إلى رمز للحزن الراقي. وعلى الضفة الأخرى من أوروبا، ترك الملك لويس الخامس عشر بصمته على أقمشة الديباج والأقمشة الزهرية المزخرفة التي أصبحت سمة عصر الروكوكو.
وهكذا يظل القماش ذاكرة بشرية حيّة، يحمل قصص الإمبراطورات والملوك والقبائل، ويستمر في إلهام الفنانين والباحثين… ومن بينهم أنا، في رحلتي المتواصلة للغوص في عالم الفن والنسيج الذي لا تنتهي عجائبه.
