تقرير البحرين/المنامة/ لم تكن المملكة العربية السعودية في يوم من الأيام دولة منفعلة في إدارة ملفاتها الإقليمية، فمنذ عقود، تبني الرياض سياستها الخارجية على مبدأ أساسي هو حماية الأمن الوطني من خلال الدبلوماسية الوقائية، أي معالجة التحديات قبل أن تتحول إلى أزمات، وتطويق المخاطر من جذورها بدل انتظار نتائجها الكارثية.
وهذا ما اتضح بجلاء في تعامل المملكة مع الملف اللبناني، ولا سيما ظاهرة تهريب المخدرات عبر الحدود اللبنانية، والتي شكّلت لسنوات طويلة أحد أكثر التهديدات إلحاحاً على أمن المجتمع السعودي، واقتصاده، واستقراره الاجتماعي، فقد تحولت المرافئ اللبنانية، ومناطق النفوذ غير المنضبط، إلى معبر خطير لتهريب حبوب الكبتاغون والمخدرات بشتى أنواعها إلى داخل المملكة.
لم يكن الأمر حادثاً عابراً، بل سلسلة طويلة من الإعلانات المتكررة عن ضبط شحنات ضخمة، بعضها مخبأ باحتراف داخل الفواكه، وبعضها داخل المعدات، وبعضها في شاحنات وسُفن، وكلها كانت في طريقها إلى الداخل السعودي، هذه الأفعال لم تكن مجرد “جرائم منظمة”، بل محاولة لاستهداف المجتمع السعودي من إحدى أخطر بوابات الحرب الناعمة.
ولذلك اتخذت المملكة في أبريل 2021 خطوة حاسمة، فجمّدت الواردات الزراعية من لبنان، وأرسلت رسالة واضحة بأن أمنها الداخلي خط أحمر لا يقبل المساومة، وبأن حماية الشباب السعودي من هذا الخطر تقع في أعلى سلم أولويات الدولة، لكن ما يميز السياسة السعودية ليس القرار الحاد، بل القدرة على موازاة الحزم بالمرونة، وفتح الباب أمام الحلول حين تلوح بوادر التغيير.
وهذا ما حدث أخيراً.
ففي الثالث عشر من نوفمبر الجاري، أعلنت وكالة (رويترز) للأنباء نقلاً عن مسؤول سعودي رفيع “أن المملكة ستتخذ خطوات وشيكة لتحسين العلاقات التجارية مع لبنان، بعدما رصدت الرياض تراجعاً ملموساً في عمليات التهريب عبر الحدود اللبنانية”، وهو الشرط الذي كانت المملكة تشترطه منذ سنوات. هذا التراجع لم يكن وليد الصدفة، بل نتيجة عمل أمني لبناني جاد، ورغبة رسمية في إعادة بناء الثقة مع السعودية، وفي وقف استغلال الأراضي اللبنانية للإضرار بالدول العربية.
الأهم أن المسؤول كشف عن زيارة مرتقبة لوفد اقتصادي سعودي إلى بيروت، لبحث إزالة المعوقات أمام الصادرات اللبنانية، وهذه إشارة واضحة إلى أن الرياض لا تغلق الأبواب، بل تعيد فتحها حين يثبت الطرف الآخر قدرته على احترام قواعد الأمن المشترك.
وفي اليوم التالي جاء تعليق رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام ليؤكد قيمة الخطوة السعودية فقد رحب بتوجه المملكة، وشكر قيادتها على اهتمامها الدائم باستقرار لبنان وازدهاره، وثمّن اعتراف الرياض بالجهود اللبنانية في مكافحة التهريب ومنع استخدام لبنان منصة لتهديد أشقائه العرب. وكانت رسالته واضحة: لبنان الرسمي يريد إعادة التموضع، وبناء علاقة سوية مع السعودية بعيداً عن الفوضى والتجاوزات.
إن السياسة السعودية في هذه المرحلة لا يمكن وصفها إلا بأنها دبلوماسية أمن وقائي متقدمة، فهي لا تنخرط في صراخ سياسي، ولا تندفع في ردود فعل متوترة، ولا تقطع العلاقات على نحو نهائي، بل تتحرك وفق ثلاث قواعد راسخة، أولاً عدم السماح بأي تهديد مباشر أو غير مباشر لاستقرار المملكة أو أمنها الاجتماعي، ثانياً فتح الباب أمام التعاون متى التزم الطرف الآخر بضوابط الأمن، وقدّم خطوات عملية لا وعوداً فقط، وثالثاً وأخيرا تعزيز الاستقرار الإقليمي عبر شراكات اقتصادية وتنموية، لأن الأمن الحقيقي يبدأ من تحسين الظروف الاقتصادية والاجتماعية.
وما بين الحزم في منع التهريب، والانفتاح على استئناف العلاقات، تبني السعودية نموذجاً متقدماً للدول التي تعرف كيف تحمي نفسها دون أن تتخلى عن دورها العربي. فهي دولة تستوعب تعقيدات الساحة اللبنانية، وتدرك حجم الضغوط التي يواجهها لبنان، لكنها في الوقت نفسه لا تقبل أن تكون أراضيه منفذاً لاستهداف أمنها الداخلي.
إن عودة العلاقات الاقتصادية بين البلدين، إن تمت وفق ما أعلنته (الرياض)، ستكون خطوة إيجابية للبنان الذي يحتاج بإلحاح إلى دعم عربي في هذه اللحظة الصعبة. لكنها في الوقت نفسه ستشكل برهاناً جديداً على أن المنهج السعودي القائم على الدبلوماسية الوقائية، وربط العلاقات باحترام قواعد الأمن، هو الأسلوب الأكثر حكمة في زمن التحولات المعقدة.
فالسعودية اليوم لا تدافع عن حدودها فحسب، بل تحمي مجتمعاً كاملاً، ومستقبلاً كاملاً، وتبني نموذجاً جديداً من العلاقات العربية يقوم على احترام الأمن المشترك، والمسؤولية المتبادلة، والالتزام الفعلي لا الخطابي.