هذه العين الخفية السحرية ليست سوى الذكاء الاصطناعي، الذي يلتقي عند نقطة حرجة مع علم آخر لا يقل إثارة: الاقتصاد السلوكي. والنتيجة؟ مزيج شديد القوة، أشبه بمرآة ذكية لا تعكس شكلك فقط، بل تفكيرك، تفضيلاتك، وحتى مخاوفك.
لماذا لا نتصرف بعقلانية كاملة؟
الاقتصاد السلوكي جاء ليكسر الصورة الكلاسيكية للإنسان باعتباره “عقلًا منطقيًا يحسب كل خطوة بدقة”. الحقيقة أننا أبعد ما نكون عن ذلك.
لماذا نشتري أشياء لا نحتاجها لمجرد أن عليها خصمًا كبيرًا؟
لماذا نؤجل عملًا مهمًا حتى آخر لحظة، رغم معرفتنا بالعواقب؟
ولماذا نثق في خيار اتخذه الآخرون فقط لأن “الجميع فعل ذلك”؟
هنا تظهر مفاهيم مثل تأثير القطيع، حيث نتبع الآخرين بلا تفكير، أو رهاب الخسارة، حيث نخاف أن نخسر أكثر مما نطمع في أن نربح.
الخوارزميات كمهندس للسلوك
إذا كان الاقتصاد السلوكي يفسر لماذا نتصرف بلا عقلانية، فالذكاء الاصطناعي هو الأداة التي تستغل ذلك على نطاق واسع. الخوارزميات اليوم هي “مهندسو السلوك” في عصرنا الرقمي.
(أمازون) يعرف ما ستشتريه غدًا قبل أن تضيفه لعربة التسوق.
(نتفليكس) يقترح فيلمًا يبدو وكأنه صُنع خصيصًا لذوقك.
تطبيقات الصحة تقترح عليك هدفًا يوميًا في المشي أو النوم بناءً على عاداتك، فتدفعك تدريجيًا لتغيير حياتك.
حتى الحكومات دخلت هذا المضمار. في بريطانيا مثلًا، استُخدمت “فرق النكز” لتشجيع الناس على الادخار أو دفع الضرائب في موعدها عبر رسائل قصيرة ذكية لا تبدو إلزامية، لكنها فعّالة بشكل مذهل.
الوجه الآخر للمرايا الذكية
لكن السؤال الذي يلح: هل نحن على وشك أن نفقد استقلالية تفكيرنا؟ إذا كانت الخوارزميات تعرف تحيزاتنا وتستخدمها ضدنا، فإلى أي مدى سنظل أحرارًا في قراراتنا؟ (اقرأ المقال كاملا بالموقع الإلكتروني)
الذكاء الاصطناعي لا يعكس فقط رغباتنا، بل قد يضخم عيوبنا. إذا كنا نخشى الخسارة، فقد تستغل الشركات هذا الخوف لبيعنا المزيد. وإذا كنا نميل لتأجيل القرارات، قد تُعرض علينا خيارات تجعلنا نستهلك بلا توقف. والأسوأ، أن التحيز الخوارزمي قد يحبسنا داخل دوائر ضيقة من الأفكار والمحتويات، فلا نرى إلا ما يوافق أهواءنا السابقة.
إلى أين نمضي؟
العلاقة بين الذكاء الاصطناعي والاقتصاد السلوكي تحمل وعودًا هائلة: من تحسين صحتنا، إلى رفع كفاءتنا في العمل، وحتى مساعدتنا على اتخاذ قرارات مالية أفضل. لكنها أيضًا تثير تساؤلات كبرى: من يضمن ألا تتحول هذه الأدوات إلى سلاسل غير مرئية تقيد وعينا؟ من يضع الحدود بين “التوجيه الناعم” وبين “التلاعب بالعقول”؟
في النهاية، نحن أمام مرآة جديدة لا يمكننا الهروب منها. مرآة تعكس ليس وجوهنا فحسب، بل دواخلنا العميقة. والسؤال الذي أتركه مفتوحًا: هل سنستخدم هذه المرآة لنرى أنفسنا بوضوح وننمو، أم سنسمح لها أن تعيد تشكيلنا وفق ما تريده؟.
عن صحيفة (البلاد) البحرينية
تقرير البحرين موقع يهتم بأخبار الاقتصاد والتطور في البحرين ودول الخليج