الرئيسية / أخبار / ‏(بلاد العُرب اوطاني)..بقلم د. منى الروبي                      ‏
د. منى الروبي
د. منى الروبي

‏(بلاد العُرب اوطاني)..بقلم د. منى الروبي                      ‏

رأيت فيما يرى النائم أنني في أرض شاسعه يشرق الخير فيها وكأني في الحلم ‏أعمل كخياطة! وأن بين يدي ثوبا واحدا قررت أن يكون للوطن العربي كله، ثوبا ‏يتسع للجميع ويجمع الهوية بالمحبة والسلام أمسكت الإبرة وكان الخيط للتطريز من ‏الذهب.

وبدأت الرحلة بوطني  البحرين حيث (المنامة) فكانت أول ‏غرزة من ثوب النشل بخيوط الذهب واللؤلؤ، وكأن البحر ينسج ذاكرته على القماش ‏ومن لمعان اللؤلؤ حملني الموج إلى الضفة الأخرى السعودية حيث (الرياض) ‏فأضفت اللون الأخضر رمز الحياة، وخطفت شماغا أحمر يحكي عن الفروسية ‏وربطت الغرزة بعبق البخور ومن دفء الصحراء حلقت مع الريح، انتقلت إلى (‏الكويت) فخيطت الدراعة بخيوط ناعمة وأدخلت قطع قواقع بحرية فصار الثوب ‏أكثر دفئا.

ومن رائحة العنبر انساب الألق  فوجدتني في قطر حيث (الدوحة) فنسجت ‏قماشا فاخرا هادئا وزينته بلؤلؤة ووقار الكراكيش ومنها انفتح الأفق، انتقلت إلى ‏الإمارات في جمال (أبوظبي) فأضفت الكندورة البيضاء ونثرت عطرا فاخرا يوازن ‏الحداثة بالجذور ومن أثر العطر، انتقلت إلى عُمان حيث (مسقط) وصلالة فعقدت ‏غرزة خضراء، وزرقاء في المصر وسكبت رائحة اللبان فصار القماش ظفاريا ‏حكيما، ومن حكمة الجبل مالت الخطوة جنوبا، انتقلت إلى اليمن حيث (صنعاء) فخيطت ‏المعوز واللحاف وأضافت الإبرة عقيقا يمانيا أحمر كالقلب ومن صلابة الحجر و‏الخنجر.

انتقلت إلى العراق حيث (بغداد) فأضفت العقال والدشداشة وخيطا من دجلة ‏والفرات فابتلت الذاكرة بالحضارة ومن ضفاف النهر سار الأثر، انتقلت إلى الأردن ‏حيث (عمّان) فخيطت الثوب المطرز بالاخضر والاحمر رمز الأرض والثبات، ومن ‏ثبات الجبال اتسع الطريق، انتقلت إلى فلسطين حيث (القدس) فتوقفت الإبرة بخشوع ‏فخيطت الكوفية، وغرست غصن زيتون فاشتد النبض ومن قداسة المكان، انتقلت إلى ‏لبنان حيث (بيروت) اكمل خياطة الشروال والقمباز وألوان الفرح، لأن الحياة تحب أن ‏تُعاش ومن بهجة الألوان استدار الزمان، انتقلت إلى سوريا حيث (دمشق) فخيطت ‏العباءة الشامية ونثرت وردا دمشقيا فصار القماش عطرا ومن عطر الياسمين  جرى ‏النيل في الرؤيا، انتقلت إلى مصر حيث (اسوان) فأضفت الجلابية القطني بلون النيل ‏والجرجار  وحبة فيروز تحرس الذاكرة المنقوشة في المعابد، ومن هدوء الماء ‏انحدرت الرحلة انتقلت إلى السودان حيث (حلفا) النوبية فاكملت خياطه الجرجار، ‏وسكبت عطر الصندل على العمامة السودانية، وكرادين الذهب السوداني المعروف ‏كطيبتهم و اخلاقهم.

انتقلت إلى ليبيا حيث (طرابلس) فأضفت الفراشية البيضاء ولمسة ‏جلد طبيعي فاشتد القماش قوة ومن القوة مال البحر، انتقلت إلى (تونس) فخيطت الجبة ‏الحريرية بنغمة ثقافية فابتسم القماش ومن تلك الابتسامة اشتد العزم، انتقلت إلى ‏الجزائر فأضفت البرنوس الصوفي، وغرزة كرامة فصار الثوب واقفا بثبات ومن ‏الثبات انساب الحلم غربا، انتقلت إلى المغرب حيث (الرباط) فخيطت القفطان وزينته ‏بالجلد الطبيعي ونثرت مسكا فصار الثوب احتفالا ومن الاحتفال عبر الرمل، انتقلت ‏إلى موريتانيا حيث (نواكشوط) فأضفت الدراعة الزرقاء لون السماء والصحراء فهدأ ‏الإيقاع، ومن هدوء الرمل عبرت الريح، انتقلت إلى الصومال حيث (مقديشو) فخيطت ‏المعاويز القطنية ورائحة البحر المفتوح فتنفس الثوب حرية ومن الحرية أبحرت ‏بعيدا، انتقلت إلى جيبوتي حيث (جيبوتي) فأضفت ألوانا زاهية تمزج العرب بأفريقيا ‏فنبض القماش حياة ومن هذا النبض اتسع الأفق، انتقلت إلى جزر القمر حيث (‏موروني) وهناك همست الإبرة شعرا يا جزرا تعانق فجر المحيط، وتغفو على صدر ‏التاريخ خذوا من قلبي وردا ومن حلمي سلاما وزينت الثوب بوردة عطرة، ثم عدت ‏إلى البحرين حيث (المنامة) فأغلقت آخر غرزة ونظرت فإذا الثوب وطن كامل لا ‏يتمزق، مهما اختلفت خيوطه وفي تلك اللحظة استيقظت من النوم ورفعت يدي أدعو ‏الله أن يجمع شملنا وأن ننعم جميعا بالسلام.‏