رأيت فيما يرى النائم أنني في أرض شاسعه يشرق الخير فيها وكأني في الحلم أعمل كخياطة! وأن بين يدي ثوبا واحدا قررت أن يكون للوطن العربي كله، ثوبا يتسع للجميع ويجمع الهوية بالمحبة والسلام أمسكت الإبرة وكان الخيط للتطريز من الذهب.
وبدأت الرحلة بوطني البحرين حيث (المنامة) فكانت أول غرزة من ثوب النشل بخيوط الذهب واللؤلؤ، وكأن البحر ينسج ذاكرته على القماش ومن لمعان اللؤلؤ حملني الموج إلى الضفة الأخرى السعودية حيث (الرياض) فأضفت اللون الأخضر رمز الحياة، وخطفت شماغا أحمر يحكي عن الفروسية وربطت الغرزة بعبق البخور ومن دفء الصحراء حلقت مع الريح، انتقلت إلى (الكويت) فخيطت الدراعة بخيوط ناعمة وأدخلت قطع قواقع بحرية فصار الثوب أكثر دفئا.
ومن رائحة العنبر انساب الألق فوجدتني في قطر حيث (الدوحة) فنسجت قماشا فاخرا هادئا وزينته بلؤلؤة ووقار الكراكيش ومنها انفتح الأفق، انتقلت إلى الإمارات في جمال (أبوظبي) فأضفت الكندورة البيضاء ونثرت عطرا فاخرا يوازن الحداثة بالجذور ومن أثر العطر، انتقلت إلى عُمان حيث (مسقط) وصلالة فعقدت غرزة خضراء، وزرقاء في المصر وسكبت رائحة اللبان فصار القماش ظفاريا حكيما، ومن حكمة الجبل مالت الخطوة جنوبا، انتقلت إلى اليمن حيث (صنعاء) فخيطت المعوز واللحاف وأضافت الإبرة عقيقا يمانيا أحمر كالقلب ومن صلابة الحجر والخنجر.
انتقلت إلى العراق حيث (بغداد) فأضفت العقال والدشداشة وخيطا من دجلة والفرات فابتلت الذاكرة بالحضارة ومن ضفاف النهر سار الأثر، انتقلت إلى الأردن حيث (عمّان) فخيطت الثوب المطرز بالاخضر والاحمر رمز الأرض والثبات، ومن ثبات الجبال اتسع الطريق، انتقلت إلى فلسطين حيث (القدس) فتوقفت الإبرة بخشوع فخيطت الكوفية، وغرست غصن زيتون فاشتد النبض ومن قداسة المكان، انتقلت إلى لبنان حيث (بيروت) اكمل خياطة الشروال والقمباز وألوان الفرح، لأن الحياة تحب أن تُعاش ومن بهجة الألوان استدار الزمان، انتقلت إلى سوريا حيث (دمشق) فخيطت العباءة الشامية ونثرت وردا دمشقيا فصار القماش عطرا ومن عطر الياسمين جرى النيل في الرؤيا، انتقلت إلى مصر حيث (اسوان) فأضفت الجلابية القطني بلون النيل والجرجار وحبة فيروز تحرس الذاكرة المنقوشة في المعابد، ومن هدوء الماء انحدرت الرحلة انتقلت إلى السودان حيث (حلفا) النوبية فاكملت خياطه الجرجار، وسكبت عطر الصندل على العمامة السودانية، وكرادين الذهب السوداني المعروف كطيبتهم و اخلاقهم.
انتقلت إلى ليبيا حيث (طرابلس) فأضفت الفراشية البيضاء ولمسة جلد طبيعي فاشتد القماش قوة ومن القوة مال البحر، انتقلت إلى (تونس) فخيطت الجبة الحريرية بنغمة ثقافية فابتسم القماش ومن تلك الابتسامة اشتد العزم، انتقلت إلى الجزائر فأضفت البرنوس الصوفي، وغرزة كرامة فصار الثوب واقفا بثبات ومن الثبات انساب الحلم غربا، انتقلت إلى المغرب حيث (الرباط) فخيطت القفطان وزينته بالجلد الطبيعي ونثرت مسكا فصار الثوب احتفالا ومن الاحتفال عبر الرمل، انتقلت إلى موريتانيا حيث (نواكشوط) فأضفت الدراعة الزرقاء لون السماء والصحراء فهدأ الإيقاع، ومن هدوء الرمل عبرت الريح، انتقلت إلى الصومال حيث (مقديشو) فخيطت المعاويز القطنية ورائحة البحر المفتوح فتنفس الثوب حرية ومن الحرية أبحرت بعيدا، انتقلت إلى جيبوتي حيث (جيبوتي) فأضفت ألوانا زاهية تمزج العرب بأفريقيا فنبض القماش حياة ومن هذا النبض اتسع الأفق، انتقلت إلى جزر القمر حيث (موروني) وهناك همست الإبرة شعرا يا جزرا تعانق فجر المحيط، وتغفو على صدر التاريخ خذوا من قلبي وردا ومن حلمي سلاما وزينت الثوب بوردة عطرة، ثم عدت إلى البحرين حيث (المنامة) فأغلقت آخر غرزة ونظرت فإذا الثوب وطن كامل لا يتمزق، مهما اختلفت خيوطه وفي تلك اللحظة استيقظت من النوم ورفعت يدي أدعو الله أن يجمع شملنا وأن ننعم جميعا بالسلام.