رحل أديبنا الطيب صالح، وبقي إبداعه وسماً خالداً على وجه الأدب العالمي، لقد ذهب شيخ الكتاب السودانيين، وترك شخوصه تضج بالحياة في عوالمها السحرية؛ غادرنا وبقي سؤاله الصادم عالقاً، يستفز الأذهان، ويشحذ همتها للتفكير .
لقد وجه الطيب صالح سؤاله الاستنكاري للجميع؛ مستنكرا على الإسلاميين وجماعة الانقاذ سودانيتهم ( من أين جاء هؤلاء؟) أشهر الأسئلة التي طْرحت في عالم سياستنا، ولمن لا يتذكرون؛ فقد طرح الطيب، السؤال في مجلة المجلة السعودية في بداية تسعينات القرن الماضي، وهو سؤال مزيج بين الاستنكار والتعجب والاندهاش.
شخصياً تجدني اختلف كثيرا مع أديبنا الكبير الطيب صالح في سؤاله العفوي، الذي اكتسب قوةً بما احتواه من تساؤلات فرعية تحمل اجوبةً لذات السؤال الكبير، وسجل السؤال حضوراً دائماً بسبب اللغة الرصينة التي كْتب بها، و المشاعر الفياضة التي استبطنها السؤال، وللصور الجميلة التي استتبعها في عملية بناء تساؤلات ( تفكيكية) بأسلوب الطيب الروائي المشوق.
وورد في المقال ((السماء فوق أرض السودان ما تزال صافيةً، أم أنهم حجبوها بالأكاذيب، هل مطار الخرطوم ما يزال مزدحماً بالنازحين يريدون الهروب الى أي بلد تقلهم، وكأني بهم منذ عام 1988 يعلن عن قيام الطائرات ولا تقوم، لا أحد يكلمهم، لا أحد يهمه أمرهم، جامعة الخرطوم مغلقة وكذلك كافة الجامعات في جميع أنحاء السودان.. الخرطوم الجميلة كطفلة صغيرة ينيمونها عنوةً منذ الحادية عشرة، تنام باكيةً في ثياب باليةً، لا ضوء في النوافذ، لا ضحك في الحناجر، لافرح في القلوب، والسادة الجدد لا يسمعون ولا يعقلون ويظنون أنهم موقنون من كل شيء.. نهر النيل العظيم يسير سيره الصبور، ويعزف لحنه القديم والسادة الجدد يزحمون شاشات التلفزيون ومايكرفونات الإذاعة، يقولون كلاماً ميتاً في بلد حي في مضمونه، يريدون أن يميتونه، ويستتب لهم الأمر.. من أين جاء هؤلاء الناس؟. أما أرضعتهم الأمهات، والعمات والخلالات، أما اصغوا لرياح الشمال، واستمعوا لمدائح حاج الماحي، وأغاني سرور” ويعزف الطيب صالح ذات المقطوعة الساحرة، ويطرح ذات التساؤلات ” هل حرائر النساء من سودري وحمرة الشيخ وحمرة الوز مازلن يتسولن في شوارع الخرطوم؟. والسادة الجدد يحلمون بإقامة شريعة على جثة السودان المسكين ليبايعهم أهل الشام، وأهل مصر وبلاد المغرب ، هل أسعار الدولار ما زالت في ارتفاع؟. وأقدار الناس ما زالت في انحطاط؟. من أين جاء هؤلاء الناس؟. بل من هم هؤلاء الناس؟. ربما أديبنا الكبير يظن أن كل الناس في السودان يشبهون ضوء البيت، أو مثل مريود، او حتى مثل السياسي محجوب، يعزفون لحن الوجود بعفوية، ويوزعون الابتسامات مثلما يفعل “الزين في عرسه” وهو عرس أعجوبة، ودهشة في زمن قلت فيه الدهشة، وذهبت متعتها التي كان يغني لها شاعرنا المبدع عمر الطيب الدوش” وامتع نفسي بالدهشة”.
بالطبع نحن لسنا قديسين، أو ملائكة مثلما ندعي بأننا “أفضل شعب، وأكرم شعب” في وقت نكاد نغطي جلد الأرض بانتشارنا نزوحاً وهروباً وجنوناً، ويكاد دمنا المسفوح يشكل ينبوعاً من الأحزان في قلب وطن يئن من وطأة الظلم.
هو سؤال يجب أن نطرحه بشفافية، ويجب ألا نخجل من طرحه، ومن مناقشته، ومن نتائج ذلك النقاش لأننا بذلك نكون قد فارقنا طير النعام، وسرنا في الدرب الصحيح؟. وربما يكون السؤال بعده؛ أكثر عمقاً من نحن؟. وما هي هويتنا ؟. وبالطبع يجر السؤال السؤال وتجر الإجابة الإجابة مثلما يعبر شاعرنا الفيتوري وهو يصرخ قلبي على وطني، وأنا أقول أيضاً قلبي على وطني…
هم قادمون يا سيدي من عقلنا الجمعي الذي يرفض الآخر، ومن هويتنا المنشطرة، وصراعاتها ما بين عربية وأفريقية، ومن بلادٍ بلا ذاكرة، أو قل ذاكرة مثقوبة، بعد أن اضطربت فيها دورة الحضارات، فأهملنا الآثار، وهدمنا التاريخ.
ماذا لو حضر اديبنا ازمنة الانحطاط؟ ، هبمتة الساسة، شفشفسة ( الأشاوس) دموية المجاهدين، و تطبع العنف الذي تتغنى به فخراً حمالات حطب، ومثيرات فتن، بل ان القادة يكرمون شخصاً على بذاءته فصار رمزاً وطنيا..
يا سيدي لقدا جاء كل هؤلاء منا، جاءوا من اضطراب مناهج تفكيرنا، وكبروا بين جراح القلوب الكارهة، هم نتاج جهل وضلال مبين، فيما ازداد البعض منا طغياناً عندما زادوا قبحهم ذلك بالتزود زاد جماعات السلفية الحربية، من الفكر الديني المتطرف.
ورحم الله ألأديب الطيب صالح، لعفويته، ولأدبه الجم، ولتميزه. يكفي ان من يقرأ روايةً للطيب صالح كأنه يقرأ ملحمة شعرية، من جماليات السرد، وكثافة اللغة، ورصانة المفردات، وما يحفل به النص من تشبيهات وصور. وشخصياً كلما قرأت (موسم الهجرة إلى الشمال) أفكر في قراءتها من جديد، مثل أي أغنية تطرب.