في كل عام يأتي شهر أبريل حاملا تذكيرا بأهمية ما تركه لنا الأجداد، فنقف لحظة نتأمل ما في أيدينا من إرث. غير أن هذا التأمل يأتي هذا العام ونحن نرى المنطقة تعيش ظروفا استثنائية، جعلت الحديث عن التراث أكثر إلحاحا من أي وقت مضى. وفي كل حرب خسائر تُحصى وخسائر لا تُحصى. الأولى تظهر في الأرقام والصور.
أما الثانية فتختبئ في المئذنة المتشققة، والأغنية التي لم يتعلمها أحد، والعادة التي انقطعت لأن أصحابها شُرِّدوا. التراث لا يُدمَّر بقنبلة واحدة، لكنه يموت حين يتوقف التناقل.
كانت عادتي حين أزور بلدا أن أبدأ بمتحفه. المتحف يعرّفني بعمق البلد وتاريخه قبل أن أرى شوارعه. الشوارع الحديثة تتشابه، والمباني الزجاجية لا فرق بينها من مدينة لأخرى. التراث وحده هو الوجه الحقيقي لكل شعب.
ولهذا لم يكن مستغربا أن تتحرك منظمات دولية كاليونسكو للتحذير من خطر ضياع التراث في مناطق النزاع، وأن تضع مواقع بأكملها على قوائم الخطر. العالم بدأ يدرك أن ما يُفقد من حضارة لا يعوّضه إعمار، وأن إعادة بناء الجدران أسهل بكثير من إعادة بناء الذاكرة. هذا الوعي العالمي بقيمة التراث يدعو كل فرد ومجتمع إلى أن يكون حارسا لما في يده قبل فوات الأوان.
والأخطر أحياناً من تدمير الحجر، أن يُنسى ما لا يُرى. أتذكر في طفولتي حين كان التلفاز يبث أغاني الفجري بين الحين والآخر، تلك الأغاني التي كان يرددها الغواصون على سفن اللؤلؤ. كنت أسمعها دون أن أفهم كل كلمة، لكنها كانت تسكن في الوجدان. اليوم أتساءل كم من شاب يعرف هذا الإرث، وكم منهم سمعه ولو مرة. هذا النوع من التراث لا يحتاج حرباً لكي يتلاشى، يكفيه أن تتوقف الأجيال عن التناقل.
في زيارتي لأثينا عاصمة اليونان، استوقفتني محلات التحف في كل زاوية. كل قطعة فيها تحكي عن حضارة، وكل صاحب محل يعرف تاريخ ما يبيع. لم تكن بضاعة للبيع، كانت رسالة يقولها هذا الشعب للعالم بأنهم هنا منذ آلاف السنين وما زالوا يحملون هذا الإرث بفخر. شعرت حينها بثقل الحضارة وقيمتها، وأدركت أن البلد الذي يعرف كيف يقدم تراثه للعالم هو بلد يعرف من يكون. وتمنيت أن يرى كل منا تراثه بهذه العيون، عيون من يعرف قيمة ما يحمل.
ولعل ما يمنحني الأمل أن التراث الحي لا يزال يتنفس من حولنا هنا في البحرين وفي محيطنا الخليجي. في الأسر التي تحرص على طقوسها العائلية وتتوارثها جيلا بعد جيل، وفي اللهجات التي تتنوع من منطقة لأخرى وكأن لكل حي بصمته وحكايته. وفي ذلك التلاحم المجتمعي الذي نشأنا في ظله، وفي الطيبة والأصالة التي لم نتعلمها من كتاب، بل ورثناها ممن سبقونا. هذه التفاصيل هي العمود الذي يحمل الهوية.
إن التراث هو الخيط الذي يربط الإنسان بنفسه وبمن سبقه. عندما يفقد مجتمع تراثه يفقد معه جوهر انتمائه. الهوية تُبنى مما تراكم عبر الأجيال، ومما حرص الأجداد على تناقله حتى وصل إلينا. الشاب الذي يعرف تاريخ مدينته ينظر إلى شوارعها بعيون مختلفة، يرى فيها طبقات من الزمن لا حجارة وإسفلت فحسب. والمبنى الأثري الذي يقف شامخاً في قلب المدينة شاهد حي يقول لكل من يمر: هنا عاش أناس، وهنا بنوا، وهنا تركوا للأجيال ما يدل عليهم. حين يسقط هذا المبنى تسقط معه صفحة من كتاب لا يُعاد كتابته.
كذلك فإن حفظ التراث مسؤولية تبدأ من الفرد ومن البيت، وتمتد لتشمل المؤسسات والمجتمع. وفي قلب هذه المسؤولية تقف الأم. هي التي تحمل في ذاكرتها الأمثال الشعبية التي تُطلقها في اللحظة المناسبة، والأقصوصة التي تحكيها فتبقى في وجدان أبنائها سنوات. وحين تُعدّ طعاماً تقليدياً بيديها، فهي لا تُطعمهم فحسب، بل تُعرّفهم بطعم هويتهم. الأم لا تُلقي محاضرات في التراث، لكنها بحضورها وتفاصيل يومها تنقل لأبنائها ما لا تستطيع المدرسة نقله. ومنها أن يتعلم الأبناء الانتماء قبل أن يتعلموا معناه.
وحين نتأمل ما فقدته المنطقة في سنوات النزاع، يصعب أن نمر عليه مرور الكرام. مدينة تدمر السورية التي شهدت حضارات عمرها آلاف السنين، ونينوى العراقية التي صمدت آثارها أكثر من ثلاثة آلاف عام، ومعالم اليمن التي حملت أسرار مملكة سبأ، كل هذه كانت صفحات من ذاكرة الإنسانية. خسارتها تقول لنا بصوت واضح: ما لا يُصان اليوم لن يُجد غداً من يبكي عليه.
وفي المحصلة، التراث شأن كل إنسان يحمل انتماءً ويفخر بجذور. الوعي بقيمته أول الطريق، والتناقل بين الأجيال امتداده، والأمن والاستقرار حارسه. ندعو الله أن يحفظ أوطاننا آمنة مطمئنة، وأن يمنحنا فرصة أن نورث أبناءنا ما ورثناه، تراثاً حيا يحكي من نحن، ويرسم لهم طريق من يكونون.
–
rajabnabeela@gmail.com
عن صحيفة (أخبار الخليج) البحرينية