الرئيسية / أخبار / بمناسبة يوم التراث العالمي.. الذاكرة الإنسانية أقوى من الحرب..بقلم نبيلة رجب
نبيلة رجب
نبيلة رجب

بمناسبة يوم التراث العالمي.. الذاكرة الإنسانية أقوى من الحرب..بقلم نبيلة رجب

في‭ ‬كل‭ ‬عام‭ ‬يأتي‭ ‬شهر‭ ‬أبريل‭ ‬حاملا‭ ‬تذكيرا‭ ‬بأهمية‭ ‬ما‭ ‬تركه‭ ‬لنا‭ ‬الأجداد،‭ ‬فنقف‭ ‬لحظة‭ ‬نتأمل‭ ‬ما‭ ‬في‭ ‬أيدينا‭ ‬من‭ ‬إرث‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬التأمل‭ ‬يأتي‭ ‬هذا‭ ‬العام‭ ‬ونحن‭ ‬نرى‭ ‬المنطقة‭ ‬تعيش‭ ‬ظروفا‭ ‬استثنائية،‭ ‬جعلت‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬التراث‭ ‬أكثر‭ ‬إلحاحا‭ ‬من‭ ‬أي‭ ‬وقت‭ ‬مضى‭. ‬وفي‭ ‬كل‭ ‬حرب‭ ‬خسائر‭ ‬تُحصى‭ ‬وخسائر‭ ‬لا‭ ‬تُحصى‭. ‬الأولى‭ ‬تظهر‭ ‬في‭ ‬الأرقام‭ ‬والصور‭.‬

أما‭ ‬الثانية‭ ‬فتختبئ‭ ‬في‭ ‬المئذنة‭ ‬المتشققة،‭ ‬والأغنية‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬يتعلمها‭ ‬أحد،‭ ‬والعادة‭ ‬التي‭ ‬انقطعت‭ ‬لأن‭ ‬أصحابها‭ ‬شُرِّدوا‭. ‬التراث‭ ‬لا‭ ‬يُدمَّر‭ ‬بقنبلة‭ ‬واحدة،‭ ‬لكنه‭ ‬يموت‭ ‬حين‭ ‬يتوقف‭ ‬التناقل‭.‬

كانت‭ ‬عادتي‭ ‬حين‭ ‬أزور‭ ‬بلدا‭ ‬أن‭ ‬أبدأ‭ ‬بمتحفه‭. ‬المتحف‭ ‬يعرّفني‭ ‬بعمق‭ ‬البلد‭ ‬وتاريخه‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬أرى‭ ‬شوارعه‭. ‬الشوارع‭ ‬الحديثة‭ ‬تتشابه،‭ ‬والمباني‭ ‬الزجاجية‭ ‬لا‭ ‬فرق‭ ‬بينها‭ ‬من‭ ‬مدينة‭ ‬لأخرى‭. ‬التراث‭ ‬وحده‭ ‬هو‭ ‬الوجه‭ ‬الحقيقي‭ ‬لكل‭ ‬شعب‭.‬

ولهذا‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬مستغربا‭ ‬أن‭ ‬تتحرك‭ ‬منظمات‭ ‬دولية‭ ‬كاليونسكو‭ ‬للتحذير‭ ‬من‭ ‬خطر‭ ‬ضياع‭ ‬التراث‭ ‬في‭ ‬مناطق‭ ‬النزاع،‭ ‬وأن‭ ‬تضع‭ ‬مواقع‭ ‬بأكملها‭ ‬على‭ ‬قوائم‭ ‬الخطر‭. ‬العالم‭ ‬بدأ‭ ‬يدرك‭ ‬أن‭ ‬ما‭ ‬يُفقد‭ ‬من‭ ‬حضارة‭ ‬لا‭ ‬يعوّضه‭ ‬إعمار،‭ ‬وأن‭ ‬إعادة‭ ‬بناء‭ ‬الجدران‭ ‬أسهل‭ ‬بكثير‭ ‬من‭ ‬إعادة‭ ‬بناء‭ ‬الذاكرة‭. ‬هذا‭ ‬الوعي‭ ‬العالمي‭ ‬بقيمة‭ ‬التراث‭ ‬يدعو‭ ‬كل‭ ‬فرد‭ ‬ومجتمع‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬حارسا‭ ‬لما‭ ‬في‭ ‬يده‭ ‬قبل‭ ‬فوات‭ ‬الأوان‭.‬

والأخطر‭ ‬أحياناً‭ ‬من‭ ‬تدمير‭ ‬الحجر،‭ ‬أن‭ ‬يُنسى‭ ‬ما‭ ‬لا‭ ‬يُرى‭. ‬أتذكر‭ ‬في‭ ‬طفولتي‭ ‬حين‭ ‬كان‭ ‬التلفاز‭ ‬يبث‭ ‬أغاني‭ ‬الفجري‭ ‬بين‭ ‬الحين‭ ‬والآخر،‭ ‬تلك‭ ‬الأغاني‭ ‬التي‭ ‬كان‭ ‬يرددها‭ ‬الغواصون‭ ‬على‭ ‬سفن‭ ‬اللؤلؤ‭. ‬كنت‭ ‬أسمعها‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬أفهم‭ ‬كل‭ ‬كلمة،‭ ‬لكنها‭ ‬كانت‭ ‬تسكن‭ ‬في‭ ‬الوجدان‭. ‬اليوم‭ ‬أتساءل‭ ‬كم‭ ‬من‭ ‬شاب‭ ‬يعرف‭ ‬هذا‭ ‬الإرث،‭ ‬وكم‭ ‬منهم‭ ‬سمعه‭ ‬ولو‭ ‬مرة‭. ‬هذا‭ ‬النوع‭ ‬من‭ ‬التراث‭ ‬لا‭ ‬يحتاج‭ ‬حرباً‭ ‬لكي‭ ‬يتلاشى،‭ ‬يكفيه‭ ‬أن‭ ‬تتوقف‭ ‬الأجيال‭ ‬عن‭ ‬التناقل‭.‬

في‭ ‬زيارتي‭ ‬لأثينا‭ ‬عاصمة‭ ‬اليونان،‭ ‬استوقفتني‭ ‬محلات‭ ‬التحف‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬زاوية‭. ‬كل‭ ‬قطعة‭ ‬فيها‭ ‬تحكي‭ ‬عن‭ ‬حضارة،‭ ‬وكل‭ ‬صاحب‭ ‬محل‭ ‬يعرف‭ ‬تاريخ‭ ‬ما‭ ‬يبيع‭. ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬بضاعة‭ ‬للبيع،‭ ‬كانت‭ ‬رسالة‭ ‬يقولها‭ ‬هذا‭ ‬الشعب‭ ‬للعالم‭ ‬بأنهم‭ ‬هنا‭ ‬منذ‭ ‬آلاف‭ ‬السنين‭ ‬وما‭ ‬زالوا‭ ‬يحملون‭ ‬هذا‭ ‬الإرث‭ ‬بفخر‭. ‬شعرت‭ ‬حينها‭ ‬بثقل‭ ‬الحضارة‭ ‬وقيمتها،‭ ‬وأدركت‭ ‬أن‭ ‬البلد‭ ‬الذي‭ ‬يعرف‭ ‬كيف‭ ‬يقدم‭ ‬تراثه‭ ‬للعالم‭ ‬هو‭ ‬بلد‭ ‬يعرف‭ ‬من‭ ‬يكون‭. ‬وتمنيت‭ ‬أن‭ ‬يرى‭ ‬كل‭ ‬منا‭ ‬تراثه‭ ‬بهذه‭ ‬العيون،‭ ‬عيون‭ ‬من‭ ‬يعرف‭ ‬قيمة‭ ‬ما‭ ‬يحمل‭.‬

ولعل‭ ‬ما‭ ‬يمنحني‭ ‬الأمل‭ ‬أن‭ ‬التراث‭ ‬الحي‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬يتنفس‭ ‬من‭ ‬حولنا‭ ‬هنا‭ ‬في‭ ‬البحرين‭ ‬وفي‭ ‬محيطنا‭ ‬الخليجي‭. ‬في‭ ‬الأسر‭ ‬التي‭ ‬تحرص‭ ‬على‭ ‬طقوسها‭ ‬العائلية‭ ‬وتتوارثها‭ ‬جيلا‭ ‬بعد‭ ‬جيل،‭ ‬وفي‭ ‬اللهجات‭ ‬التي‭ ‬تتنوع‭ ‬من‭ ‬منطقة‭ ‬لأخرى‭ ‬وكأن‭ ‬لكل‭ ‬حي‭ ‬بصمته‭ ‬وحكايته‭. ‬وفي‭ ‬ذلك‭ ‬التلاحم‭ ‬المجتمعي‭ ‬الذي‭ ‬نشأنا‭ ‬في‭ ‬ظله،‭ ‬وفي‭ ‬الطيبة‭ ‬والأصالة‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬نتعلمها‭ ‬من‭ ‬كتاب،‭ ‬بل‭ ‬ورثناها‭ ‬ممن‭ ‬سبقونا‭. ‬هذه‭ ‬التفاصيل‭ ‬هي‭ ‬العمود‭ ‬الذي‭ ‬يحمل‭ ‬الهوية‭.‬

إن‭ ‬التراث‭ ‬هو‭ ‬الخيط‭ ‬الذي‭ ‬يربط‭ ‬الإنسان‭ ‬بنفسه‭ ‬وبمن‭ ‬سبقه‭. ‬عندما‭ ‬يفقد‭ ‬مجتمع‭ ‬تراثه‭ ‬يفقد‭ ‬معه‭ ‬جوهر‭ ‬انتمائه‭. ‬الهوية‭ ‬تُبنى‭ ‬مما‭ ‬تراكم‭ ‬عبر‭ ‬الأجيال،‭ ‬ومما‭ ‬حرص‭ ‬الأجداد‭ ‬على‭ ‬تناقله‭ ‬حتى‭ ‬وصل‭ ‬إلينا‭. ‬الشاب‭ ‬الذي‭ ‬يعرف‭ ‬تاريخ‭ ‬مدينته‭ ‬ينظر‭ ‬إلى‭ ‬شوارعها‭ ‬بعيون‭ ‬مختلفة،‭ ‬يرى‭ ‬فيها‭ ‬طبقات‭ ‬من‭ ‬الزمن‭ ‬لا‭ ‬حجارة‭ ‬وإسفلت‭ ‬فحسب‭. ‬والمبنى‭ ‬الأثري‭ ‬الذي‭ ‬يقف‭ ‬شامخاً‭ ‬في‭ ‬قلب‭ ‬المدينة‭ ‬شاهد‭ ‬حي‭ ‬يقول‭ ‬لكل‭ ‬من‭ ‬يمر‭: ‬هنا‭ ‬عاش‭ ‬أناس،‭ ‬وهنا‭ ‬بنوا،‭ ‬وهنا‭ ‬تركوا‭ ‬للأجيال‭ ‬ما‭ ‬يدل‭ ‬عليهم‭. ‬حين‭ ‬يسقط‭ ‬هذا‭ ‬المبنى‭ ‬تسقط‭ ‬معه‭ ‬صفحة‭ ‬من‭ ‬كتاب‭ ‬لا‭ ‬يُعاد‭ ‬كتابته‭.‬

كذلك‭ ‬فإن‭ ‬حفظ‭ ‬التراث‭ ‬مسؤولية‭ ‬تبدأ‭ ‬من‭ ‬الفرد‭ ‬ومن‭ ‬البيت،‭ ‬وتمتد‭ ‬لتشمل‭ ‬المؤسسات‭ ‬والمجتمع‭. ‬وفي‭ ‬قلب‭ ‬هذه‭ ‬المسؤولية‭ ‬تقف‭ ‬الأم‭. ‬هي‭ ‬التي‭ ‬تحمل‭ ‬في‭ ‬ذاكرتها‭ ‬الأمثال‭ ‬الشعبية‭ ‬التي‭ ‬تُطلقها‭ ‬في‭ ‬اللحظة‭ ‬المناسبة،‭ ‬والأقصوصة‭ ‬التي‭ ‬تحكيها‭ ‬فتبقى‭ ‬في‭ ‬وجدان‭ ‬أبنائها‭ ‬سنوات‭. ‬وحين‭ ‬تُعدّ‭ ‬طعاماً‭ ‬تقليدياً‭ ‬بيديها،‭ ‬فهي‭ ‬لا‭ ‬تُطعمهم‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬تُعرّفهم‭ ‬بطعم‭ ‬هويتهم‭. ‬الأم‭ ‬لا‭ ‬تُلقي‭ ‬محاضرات‭ ‬في‭ ‬التراث،‭ ‬لكنها‭ ‬بحضورها‭ ‬وتفاصيل‭ ‬يومها‭ ‬تنقل‭ ‬لأبنائها‭ ‬ما‭ ‬لا‭ ‬تستطيع‭ ‬المدرسة‭ ‬نقله‭. ‬ومنها‭ ‬أن‭ ‬يتعلم‭ ‬الأبناء‭ ‬الانتماء‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يتعلموا‭ ‬معناه‭.‬

وحين‭ ‬نتأمل‭ ‬ما‭ ‬فقدته‭ ‬المنطقة‭ ‬في‭ ‬سنوات‭ ‬النزاع،‭ ‬يصعب‭ ‬أن‭ ‬نمر‭ ‬عليه‭ ‬مرور‭ ‬الكرام‭. ‬مدينة‭ ‬تدمر‭ ‬السورية‭ ‬التي‭ ‬شهدت‭ ‬حضارات‭ ‬عمرها‭ ‬آلاف‭ ‬السنين،‭ ‬ونينوى‭ ‬العراقية‭ ‬التي‭ ‬صمدت‭ ‬آثارها‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬ثلاثة‭ ‬آلاف‭ ‬عام،‭ ‬ومعالم‭ ‬اليمن‭ ‬التي‭ ‬حملت‭ ‬أسرار‭ ‬مملكة‭ ‬سبأ،‭ ‬كل‭ ‬هذه‭ ‬كانت‭ ‬صفحات‭ ‬من‭ ‬ذاكرة‭ ‬الإنسانية‭. ‬خسارتها‭ ‬تقول‭ ‬لنا‭ ‬بصوت‭ ‬واضح‭: ‬ما‭ ‬لا‭ ‬يُصان‭ ‬اليوم‭ ‬لن‭ ‬يُجد‭ ‬غداً‭ ‬من‭ ‬يبكي‭ ‬عليه‭.‬

وفي‭ ‬المحصلة،‭ ‬التراث‭ ‬شأن‭ ‬كل‭ ‬إنسان‭ ‬يحمل‭ ‬انتماءً‭ ‬ويفخر‭ ‬بجذور‭. ‬الوعي‭ ‬بقيمته‭ ‬أول‭ ‬الطريق،‭ ‬والتناقل‭ ‬بين‭ ‬الأجيال‭ ‬امتداده،‭ ‬والأمن‭ ‬والاستقرار‭ ‬حارسه‭. ‬ندعو‭ ‬الله‭ ‬أن‭ ‬يحفظ‭ ‬أوطاننا‭ ‬آمنة‭ ‬مطمئنة،‭ ‬وأن‭ ‬يمنحنا‭ ‬فرصة‭ ‬أن‭ ‬نورث‭ ‬أبناءنا‭ ‬ما‭ ‬ورثناه،‭ ‬تراثاً‭ ‬حيا‭ ‬يحكي‭ ‬من‭ ‬نحن،‭ ‬ويرسم‭ ‬لهم‭ ‬طريق‭ ‬من‭ ‬يكونون‭.‬

rajabnabeela@gmail‭.‬com

عن صحيفة (أخبار الخليج) البحرينية