تأتي قصيدة «غدًا.. سأحاول ثانيةً» للشاعر أسامة مهران كنص شعري إنساني عميق، يستلهم مشهدًا يوميًا بسيطًا داخل مقهى ليتحوّل إلى مساحة للتأمل في الغموض الإنساني، والوحدة، والأسئلة المؤجلة. من خلال سيدة غامضة تتحرك بهدوء وبهاء، تتقاطع النظرات ويحتدم الحوار الداخلي، ليصوغ الشاعر نصًا يمزج بين السرد الشعري والتأمل الفلسفي، ويجعل القارئ شريكًا في التجربة لا مجرد متلقٍ لها.
نص القصيدة
كانت تتحرك ببهاءٍ محتدْ
ترمي عينيها بعيدًا عن رمحٍ مرتدْ
وتعود بكامل خطوتها
لتعانق أشخاصًا
لم تعرفهم من قبلْ
وحين سألتُ عليها بعض الإخوةِ في
المقهى
قالوا بأنها أقدم سيدة ترعى
شئون الخدمة
وتجيد معاملة الناس
وتحمل بين يديها لغز الألغاز
وفي شفتيها جمر الإعزاز
حين تشاكسها أنظار المارة
تأبى أن تتجمل
أن تتحمل
أعباء القلب المسوَدْ
قلت لنفسي: ما هذي السيدة البلهاء
تغازل مكنسة تعوي
بين يديها
وتؤلم رسغيها
فتُحيِّر ضيفًا مهمومًا
بقوام ممشوقٍ
وكلامٍ مخفوقٍ
وعناءٍ في السردْ
قلتُ كمن لم يبصر من قبل امرأة
تحت سماء الرب الأعلى
حين تغني
وحين تبادر:
– هل لي أن أسألكم عن أطيب
مشروبٍ في مقهانا المتواضع
عن آخر “أوردر” من ماء الوردْ؟
قلنا:
– بل أحلى “أوردر” تحمله يداكِ إلينا
من قبل رحيل الليل
وبعد تلاسننا عن بُعدْ
لم تلتفت السيدة الحسناء إليّ
ولم تبد من أمري رشدًا
أو من ظلماتي ضيًّا
فابتعدت مسرعةً
هربًا من جمراتٍ تتشظى
ومن غيبٍ
يشتد ويشتد
فتركت عيوني إليها
وعيوني عليها
كي تفعل بي فعلتها
حين هربت بأسئلتي
من أسئلتي
وأنا أهمس في أُذنيها:
سأحاول ثانيةً في الغدْ
تنتهي القصيدة كما بدأت: بمحاولة مؤجلة ووعدٍ خافت للغد، ينسحب الشاعر من المشهد تاركًا خلفه الأسئلة معلّقة، والنظرات أكثر تعليقًا، لتغدو السيدة رمزًا للغموض الإنساني، ولتصبح “المحاولة” فعلًا إنسانيًا خالصًا لا يكتمل إلا بالأمل. في هذه القصيدة لا نصل إلى إجابات نهائية، بل نصل إلى يقين واحد: أن المحاولة، مهما تأخرت، تظل شكلًا من أشكال النجاة.