تقرير البحرين/المنامة/ تم في مملكة البحرين اليوم الإعلان عن إطلاق أول جامعة خضراء في المنطقة وذلك في المؤتمر الصحفي الذي كشف خلاله كلٌّ من «فيوليا» (Veolia)، و«تيرا أكاديميا إنترناشيونال» (Terra Academia International – TAI)، ومعهد البحرين للدراسات المصرفية والمالية (BIBF) عن إطلاق (تيرا أكاديميا البحرين) المؤسسة الرائدة المتخصصة في التحول البيئي والابتكار الصناعي والاستدامة.
هذه الخطوة تحمل دلالات تتجاوز الإطار التعليمي، وتعكس مرحلة نضج في التجربة التنموية البحرينية، حيث يلتقي التحول البيئي مع تطور نمط الحياة الحضرية، وتنويع الاقتصاد، وتحديث منظومة التعليم العالي ضمن سياسات عامة متماسكة، هذا الإعلان لا يمكن فهمه كحدث منفصل أو مبادرة قطاعية، بل يجب وضعه داخل سياق أوسع تشكّل عبر سنوات من التخطيط المتدرج، وإعادة تعريف أولويات التنمية، والانتقال من منطق الاستجابة الآنية إلى منطق بناء المؤسسات القادرة على التعامل مع تحديات المستقبل.
أولًا: تطور الحياة الحضرية والبيئة كجزء من جودة العيش
شهدت البحرين خلال السنوات الأخيرة تحولات ملموسة في نمط الحياة اليومية، خصوصًا مع التوسع في المدن الإسكانية الجديدة التي لم تُبنَ فقط لمعالجة الطلب السكني، بل لتأسيس بيئات عمرانية أكثر تنظيمًا واتساقًا مع متطلبات العصر. هذه المدن أسهمت في تحسين جودة الحياة عبر بنية تحتية حديثة، وخدمات متكاملة، ومساحات مفتوحة، وتخطيط أكثر كفاءة لحركة السكان والموارد.
هذا التطور الحضري خلق فرصًا بيئية واضحة، سواء على مستوى كفاءة استخدام الطاقة، أو إدارة الموارد، أو تقليل الضغوط البيئية على المناطق القديمة. ومع هذا التحول، لم تعد البيئة ملفًا نظريًا أو نخبويا، بل عنصرًا مباشرًا في حياة الناس، ما رفع منسوب الوعي البيئي، وفتح الباب أمام حاجات جديدة تتطلب معرفة متخصصة وقدرات بشرية مؤهلة لإدارة هذا الواقع المتغير.
ثانيًا: تنوع الاقتصاد البحريني والحاجة إلى تخصصات جديدة
بالتوازي مع التحول الحضري رسّخت البحرين نموذجًا اقتصاديًا متنوعًا مقارنة بحجمها الجغرافي والديموغرافي، يقوم على مزيج متوازن من القطاعات المالية، والصناعية، والخدمية، والتقنية، مع اهتمام متزايد بالاقتصاد الأخضر ومجالاته المرتبطة بالاستدامة، هذا التنوع لم يكن شكليًا، بل جاء نتيجة خيارات استراتيجية هدفت إلى تعزيز مرونة الاقتصاد وقدرته على التكيّف مع المتغيرات الإقليمية والدولية. غير أن هذا المسار أفرز تحديًا نوعيًا يتمثل في فجوة المهارات، خاصة في المجالات التي تتقاطع فيها البيئة مع الاقتصاد، والاستدامة مع الاستثمار، والتحول البيئي مع الإدارة الحديثة.
من هنا، برزت الحاجة إلى تعليم متخصص لا يكتفي بإنتاج معرفة نظرية، بل يزوّد السوق بكفاءات قادرة على العمل في مناطق التداخل بين القطاعات، وفهم التحول البيئي كجزء من المنظومة الاقتصادية لا كملف معزول.
ثالثًا: تحديث التعليم العالي…
يُعد التعليم العالي أحد أكثر القطاعات التي شهدت تطورًا نوعيًا في البحرين، فقد توسّع هذا القطاع خلال السنوات الماضية، لكن هذا التوسع لم يُترك بلا ضوابط، بل رافقته سياسات تنظيمية واضحة هدفت إلى ضبط الإيقاع، وضمان الجودة، وربط البرامج الأكاديمية باحتياجات التنمية وسوق العمل.
تم تحديث الأطر التنظيمية، وتعزيز أنظمة الاعتماد، ومراجعة التخصصات، بما أسهم في الحد من التضخم غير المدروس في بعض المجالات، ورفع مستوى المخرجات التعليمية. هذا النهج جعل التعليم العالي جزءًا فاعلًا من المشروع التنموي، ومهّد الطريق لظهور مؤسسات تعليمية متخصصة قادرة على العمل داخل منظومة ناضجة، تستوعب الابتكار والتخصص الدقيق دون الإخلال بالتوازن العام.
رابعًا: (تيرا أكاديميا البحرين) كنقطة التقاء لهذه المسارات
في هذا السياق المتكامل، يأتي إطلاق (تيرا أكاديميا البحرين) كمحصلة طبيعية لتواكب تطور الحياة الحضرية، وتنويع الاقتصاد، ونضج سياسات التعليم العالي. المبادرة تقوم على شراكة تجمع بين Veolia وTerra Academia International وBIBF، بما يعكس نموذجًا مختلفًا للتعليم المتخصص، يقوم على الدمج بين المعرفة الأكاديمية والخبرة الصناعية والبعد المالي.
وجود معهد البحرين للدراسات المصرفية والمالية شريكًا أكاديميًا رئيسيًا يحمل دلالة مهمة، خاصة في ظل التحولات العالمية التي جعلت التمويل المستدام، والاستثمار الأخضر، وإدارة المخاطر البيئية عناصر أساسية في النظام المالي الحديث. هذا الربط يضع التعليم البيئي في قلب الاقتصاد، ويمنحه بعدًا عمليًا يتجاوز القاعات الدراسية.
خامسًا: مسار تدريجي لبناء مؤسسة تعليمية متخصصة
ينطلق المشروع بمسار مدروس يبدأ ببرامج تنفيذية متخصصة في التحول البيئي، ثم برامج أكاديمية متقدمة مثل ماجستير إدارة النفايات، وصولًا إلى إنشاء حرم جامعي مستقل في مراحل لاحقة. هذا التدرج يعكس فهمًا واقعيًا لبناء مؤسسات تعليمية متخصصة، ويتيح تطوير البرامج وفق التجربة العملية واحتياجات السوق، بدل الاعتماد على نماذج جامدة، كما يتيح هذا المسار ربط التعليم بفرص التدريب والعمل، والاستفادة من الخبرات التقنية والميدانية، بما يضمن تخريج كوادر تمتلك معرفة تطبيقية قادرة على التعامل مع تحديات الواقع.
الخلاصة أن إطلاق (تيرا أكاديميا البحرين) يمثل إضافة إلى خريطة التعليم العالي وفي ذات الوقت يعكس مرحلة نضج في التجربة البحرينية، حيث تُدار الاستدامة كجزء من نمط الحياة، ويُنظر إلى التعليم كأداة استراتيجية، ويُبنى الاقتصاد على التنوع والمرونة، هي تجربة ذات جذور محلية واضحة، لكنها تحمل قابلية عالية للتفاعل مع السياق الدولي، وتقديم نموذج إقليمي في التعليم الأخضر والتحول البيئي، يقوم على الشراكة، والتخطيط، وبناء الإنسان قبل كل شيء.