الرئيسية / أخبار / جيفري إبستين.. المأساة كما استهلكها العالم..بقلم: نبيلة رجب

جيفري إبستين.. المأساة كما استهلكها العالم..بقلم: نبيلة رجب

مع‭ ‬هذا‭ ‬التدفقِ‭ ‬المستمرِ‭ ‬للأخبار،‭ ‬ومن‭ ‬المؤسف،‭ ‬بتنا‭ ‬نمرُّ‭ ‬على‭ ‬القصصِ‭ ‬المؤلمةِ‭ ‬كما‭ ‬نمرُّ‭ ‬على‭ ‬أي‭ ‬منشورٍ‭ ‬عابر‭. ‬نقرأ،‭ ‬نعلِّق،‭ ‬أو‭ ‬حتى‭ ‬نشارك،‭ ‬ثم‭ ‬نغلق‭ ‬الشاشة‭ ‬ونعود‭ ‬إلى‭ ‬حياتنا‭. ‬كأن‭ ‬مشاهدة‭ ‬المآسي‭ ‬أو‭ ‬سماعها‭ ‬صارت‭ ‬جزءًا‭ ‬من‭ ‬الروتين‭ ‬اليومي‭.‬

أحيانًا‭ ‬أفتح‭ ‬هاتفي‭ ‬فأجد‭ ‬الخبر‭ ‬العاجل‭ ‬بجانب‭ ‬فيديو‭ ‬خفيف،‭ ‬وقصة‭ ‬موجعة‭ ‬يليها‭ ‬إعلان‭. ‬كل‭ ‬شيء‭ ‬يتسلّل‭ ‬إلينا‭ ‬بالوتيرة‭ ‬ذاتها،‭ ‬في‭ ‬الشاشة‭ ‬نفسها،‭ ‬تختلط‭ ‬المآسي‭ ‬بما‭ ‬هو‭ ‬ترفيهي،‭ ‬ويجلس‭ ‬الألم‭ ‬في‭ ‬المكان‭ ‬ذاته‭ ‬مع‭ ‬المقاطع‭ ‬السريعة‭. ‬هذا‭ ‬الترتيب‭ ‬الغريب‭ ‬يجعل‭ ‬الفاجعة‭ ‬تبدو‭ ‬كأنها‭ ‬عنصر‭ ‬آخر‭ ‬في‭ ‬جدول‭ ‬التصفح‭.‬

وسط‭ ‬هذا‭ ‬الاختلاط‭ ‬العبثي‭ ‬بين‭ ‬الأخبار‭ ‬الثقيلة‭ ‬والمقاطع‭ ‬الخفيفة،‭ ‬تُختزل‭ ‬عقود‭ ‬كاملة‭ ‬في‭ ‬عنوان‭. ‬ما‭ ‬لا‭ ‬نراه‭ ‬على‭ ‬الشاشة‭ ‬هو‭ ‬الخوف‭ ‬الذي‭ ‬سبق‭ ‬الكلام،‭ ‬والصمت‭ ‬القاتل‭ ‬الذي‭ ‬عاشه‭ ‬أصحاب‭ ‬القصة‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تصل‭ ‬إلينا‭.‬

في‭ ‬عام‭ ‬2019،‭ ‬ظهر‭ ‬اسم‭ ‬الملياردير‭ ‬الأمريكي‭ ‬جيفري‭ ‬إبستين‭ ‬فجأة‭ ‬في‭ ‬واجهة‭ ‬الأخبار‭ ‬العالمية،‭ ‬بعد‭ ‬قضية‭ ‬كشفت‭ ‬استغلال‭ ‬فتيات‭ ‬قاصرات‭ ‬وعلاقات‭ ‬نافذة‭ ‬امتدت‭ ‬سنوات‭. ‬لم‭ ‬تطل‭ ‬التفاصيل‭ ‬طويلًا‭ ‬في‭ ‬ذاكرة‭ ‬المتابعين‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬طغى‭ ‬المشهد‭ ‬الإعلامي‭ ‬نفسه،‭ ‬حين‭ ‬بدأت‭ ‬القصة‭ ‬تتكرر‭ ‬يوميًا‭ ‬على‭ ‬الشاشات‭ ‬والمنصات،‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يُعثر‭ ‬عليه‭ ‬ميتًا‭ ‬في‭ ‬زنزانته،‭ ‬ما‭ ‬أدّى‭ ‬إلى‭ ‬تضاعف‭ ‬الأسئلة‭ ‬واتساع‭ ‬الصدى‭.‬

تحوّلت‭ ‬القصة‭ ‬من‭ ‬مأساة‭ ‬إنسانية‭ ‬إلى‭ ‬ملف‭ ‬للنقاش‭ ‬اليومي،‭ ‬فانسحب‭ ‬التركيز‭ ‬من‭ ‬التجربة‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬يُقال‭ ‬حولها‭.‬

بعد‭ ‬الإفراج‭ ‬عن‭ ‬ملفات‭ ‬إبستين‭ ‬واطلاع‭ ‬الرأي‭ ‬العام‭ ‬عليها،‭ ‬حاولتُ‭ ‬قراءة‭ ‬بعض‭ ‬ما‭ ‬نُشر‭. ‬لم‭ ‬أستطع‭ ‬الإكمال‭. ‬القسوة‭ ‬كانت‭ ‬أكبر‭ ‬من‭ ‬قدرتي‭ ‬على‭ ‬المتابعة،‭ ‬وما‭ ‬استوقفني‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬التفاصيل‭ ‬هو‭ ‬ذلك‭ ‬الإحساس‭ ‬الثقيل‭ ‬بتغوُّل‭ ‬البشر‭ ‬حين‭ ‬تُرفع‭ ‬عنهم‭ ‬الأقنعة‭.‬

في‭ ‬هذا‭ ‬الزحام،‭ ‬بقيت‭ ‬حكايات‭ ‬الفتيات‭ ‬في‭ ‬الخلفية‭. ‬سنوات‭ ‬من‭ ‬الصمت‭ ‬والخوف‭ ‬لا‭ ‬تجد‭ ‬مكانها‭ ‬في‭ ‬العناوين،‭ ‬وتجارب‭ ‬شخصية‭ ‬ثقيلة‭ ‬تختصر‭ ‬في‭ ‬سطور‭ ‬قليلة‭. ‬ما‭ ‬لا‭ ‬يُقال‭ ‬كثيرًا‭ ‬هو‭ ‬ثمن‭ ‬الكلام،‭ ‬وما‭ ‬يرافقه‭ ‬من‭ ‬ارتباك‭ ‬وأثر‭ ‬طويل‭ ‬لا‭ ‬ينتهي‭ ‬بانتهاء‭ ‬الخبر‭.‬

في‭ ‬هذا‭ ‬النوع‭ ‬من‭ ‬القصص،‭ ‬تتحول‭ ‬المعاناة‭ ‬سريعًا‭ ‬إلى‭ ‬أرقام‭: ‬عدد‭ ‬الضحايا،‭ ‬سنوات‭ ‬الاستغلال،‭ ‬تواريخ‭ ‬الجلسات،‭ ‬وحجم‭ ‬الملفات‭. ‬الأرقام‭ ‬تبدو‭ ‬واضحة‭ ‬وسهلة‭ ‬التلقي،‭ ‬لكنها‭ ‬تُبعدنا‭ ‬عن‭ ‬الصوت‭ ‬الإنساني‭.‬

ما‭ ‬لا‭ ‬يظهر‭ ‬في‭ ‬الجداول‭ ‬هو‭ ‬الارتباك،‭ ‬وفقدان‭ ‬الثقة،‭ ‬والشعور‭ ‬الطويل‭ ‬بأن‭ ‬الجسد‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬مكانًا‭ ‬آمنًا‭. ‬هناك‭ ‬أوجاع‭ ‬لا‭ ‬تُختصر‭ ‬مهما‭ ‬كبرت‭ ‬الملفات‭.‬

المشكلة‭ ‬لا‭ ‬تكمن‭ ‬في‭ ‬متابعة‭ ‬القضايا‭ ‬الكبرى،‭ ‬فهذا‭ ‬طبيعي‭. ‬المشكلة‭ ‬حين‭ ‬نعتاد‭ ‬الوجع،‭ ‬فنحوّل‭ ‬معاناة‭ ‬الآخرين‭ ‬إلى‭ ‬مادة‭ ‬للحديث‭ ‬العابر‭. ‬نناقش‭ ‬القصص‭ ‬الثقيلة‭ ‬في‭ ‬المجالس،‭ ‬وفي‭ ‬مجموعات‭ ‬الواتساب،‭ ‬ثم‭ ‬نعود‭ ‬إلى‭ ‬حياتنا‭ ‬كما‭ ‬هي‭. ‬شيئًا‭ ‬فشيئًا،‭ ‬نفقد‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬التوقف،‭ ‬على‭ ‬الإصغاء،‭ ‬على‭ ‬الإحساس‭ ‬بأن‭ ‬خلف‭ ‬كل‭ ‬حكاية‭ ‬إنسانًا‭ ‬لم‭ ‬يختر‭ ‬ما‭ ‬حدث‭ ‬له‭.‬

كشفت‭ ‬تلك‭ ‬القضية‭ ‬صورة‭ ‬قاسية‭ ‬لكيف‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يتوارى‭ ‬الألم‭ ‬الإنساني‭ ‬خلف‭ ‬النفوذ‭ ‬والضجيج‭ ‬الإعلامي‭. ‬تتبدل‭ ‬العناوين‭ ‬بسرعة،‭ ‬يلمع‭ ‬اسم‭ ‬ثم‭ ‬يخفت،‭ ‬بينما‭ ‬تبقى‭ ‬التجربة‭ ‬الثقيلة‭ ‬معلّقة‭ ‬في‭ ‬حياة‭ ‬أصحابها‭.‬

نحن‭ ‬لا‭ ‬نكتب‭ ‬الأحكام،‭ ‬ولا‭ ‬نرسم‭ ‬نهايات‭ ‬القضايا،‭ ‬لكننا‭ ‬نقرر‭ ‬كل‭ ‬يوم‭ ‬كيف‭ ‬نعيش‭ ‬مع‭ ‬ما‭ ‬يصلنا،‭ ‬وكيف‭ ‬نُبقي‭ ‬إنسانيتنا‭ ‬حاضرة‭ ‬وسط‭ ‬هذا‭ ‬السيل‭ ‬وهذا‭ ‬الضجيج‭.‬

القضايا‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬النوع‭ ‬تكشف‭ ‬هشاشة‭ ‬منظومة‭ ‬كاملة‭. ‬كثرة‭ ‬القصص‭ ‬الثقيلة‭ ‬تُرهقنا،‭ ‬تجعل‭ ‬الصبر‭ ‬أقصر،‭ ‬وتدفعنا‭ ‬أحيانًا‭ ‬للانتقال‭ ‬إلى‭ ‬العنوان‭ ‬التالي‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬نستوعب‭ ‬ما‭ ‬مرّ‭ ‬بنا‭.‬

لم‭ ‬تعد‭ ‬قضية‭ ‬إبستين‭ ‬في‭ ‬صدارة‭ ‬المتابعة‭ ‬اليومية‭ ‬كما‭ ‬كانت،‭ ‬لكنها‭ ‬لم‭ ‬تتراجع‭ ‬في‭ ‬حياة‭ ‬من‭ ‬مرّوا‭ ‬بها‭. ‬هنا‭ ‬يتضح‭ ‬الفرق‭ ‬الجوهري‭ ‬بين‭ ‬ما‭ ‬نتابعه‭ ‬نحن،‭ ‬وما‭ ‬يعيشه‭ ‬الآخرون‭ ‬فعلًا‭. ‬وربما‭ ‬يبدأ‭ ‬هذا‭ ‬الفرق‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬اللحظة‭ ‬الصغيرة‭ ‬التي‭ ‬نتوقف‭ ‬فيها‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬ننتقل‭ ‬إلى‭ ‬الخبر‭ ‬التالي‭.‬

rajabnabeela@gmail‭.‬com

عن صحيفة (أخبار الخليج) البحرينية