تقرير البحرين/لندن/ في تطور علمي جديد يعكس التحوّل المتسارع في إهتمام المؤسسات الأكاديمية الغربية بالموروث الطبي للشعوب ، أعلنت دار كامبريدج سكولارز في المملكة المتحدة عن قبول كتاب علمي متخصص يتناول الصمغ العربي بوصفه مادةً طبيعية تتجاوز في إمكاناتها العلاجية ما أثبته الطب الشعبي على مدى قرون .
الكتاب الذي يحمل عنوان :
(الصـمغ العـربي: مِن عـلاج تقلـيدي إلى عامـل عـلاجي حـديث)، يُمثّل في حد ذاته حدثاً علمياً بارزاً ، ليس فقط لموضوع بل لما يرمز إليه من إعتراف دولي بقيمة المعرفة التقليدية حين تلتقي بمنهجية البحث العلمي الرصين.
وراء هذا الإنجاز فريقٌ بحثي جمع خبرات أكاديمية من قارتين ؛ إذ يقود المشروع المؤلف الرئيسي الدكتور أحمد أدم حسن محمد النور-جامعة ثاوث هامتون بالمملكة المتحدة، جامعة بهانق، وجامعة دار العلوم -السودان ، والأستاذ الدكتور محمد حسن غريبة – جامعة ساوثهامبتون البريطانية العريقة ، إلى جانب الأستاذ الدكتور عبد الرحمن حامد نور من جامعة ماليزيا باهانج السلطان عبد الله ، هذا التنوع الجغرافي والمعرفي في تشكيلة الفريق البحثي ليس مجرد تفصيل إجرائي ، بل هو رسالة ضمنية مفادها أن دراسة الصمغ العربي لم تعد شأناً إقليمياً محدوداً ، بل باتت قضية علمية كونية تستدعي تضافر تخصصات متعددة ومدارس فكرية متباينة تحت سقف واحد .
الصمغ العربي .. هذا الإفراز الطبيعي لأشجار الأكاسيا المنتشرة في السودان وتشاد ومالي وعموم منطقة الساحل الأفريقي ، عرفه الإنسان قبل آلاف السنين وأدرجه في قوائم علاجاته الشعبية من أمراض الكلى إلى إضطرابات الجهاز الهضمي ، مروراً بإلتئام الجروح وتخفيف الألم . غير أن ما يُجريه هذا الكتاب هو قطع مسافة نوعية فاصلة بين الرواية التقليدية الشفهية المتوارثة والدليل العلمي الموثّق ، إذ يجمع الكتاب بين الكيمياء الحيوية وعلم الأدوية والتكنولوجيا الحيوية وعلوم الأغذية والطب التقليدي والشؤون التنظيمية والصحة الرقمية والتنمية الإقتصادية في منظومة بحثية متكاملة نادراً ما تتحقق في مؤلَّف واحد .
مما يجعل هذا العمل ذا قيمة تحليلية إستثنائية هو تجاوزه حدود الوصف العلمي الصرف نحو إستشراف المشهد الإقتصادي والتنموي المحيط بهذه المادة السحرية، فالصمغ العربي يُنتج منه السودان وحده ما يزيد على ثمانين بالمئة من الإنتاج العالمي ، وتبلغ قيمة صادراته عشرات الملايين من الدولارات سنوياً ، فيما إستخدامه التقليدى يُستخدم كمادة مضافة في صناعات متشعبة تمتد من المشروبات الغازية إلى الأدوية والمستحضرات التجميلية.
والاستخدامات التقليدية كمضاف تتمثل في في الصناعات الغذائية كمضاف بسبب كونه مادة طبيعية وآمنة-أهم مجال استخدام للصمغ العربي هو الصناعات الغذائية- مستحلب يثبت خلط الزيت بالماء في المشروبات، مثبت يمنع إنفصال المكونات في المنتجات السائلة،
تثبيت النكهات الزيتية للمشروبات الغازية والعصائر، مادة رابطةيربط المكونات في المنتجات الجافة.
أمثلة تطبيقية تتمثل صناعة الحلوى والجيلي واللبان وتغليف المكسرات المحمصة وصناعة الشوكولاتة ، والمخبوزات منخفضة الدهن-
إستخداماته في الصناعات الدوائية كمادة مساعدة و مادة رابطة للأقراص، ومع ذلك ظل هذا القطاع بعيداً عن الإهتمام البحثي المنظّم الذي يُترجم إمكاناته الحقيقية إلى منتجات ذات قيمة مضافة عالية . من هنا تأتي أهمية الفصول التي يُخصّصها الكتاب للأطر التنظيمية وحماية المستهلك وفرص الإستثمار وبناء الشراكات الإستراتيجية ، فهي في جوهرها خارطة طريق لصانعي القرار والمستثمرين لا أقل من كونها مرجعاً أكاديمياً للباحثين.
ولا يُغفل الكتاب بُعداً جغرافياً ذا دلالة ، وهو تركيزه على الدول الأعضاء في البنك الإسلامي للتنمية بوصفها بيئة جامعة تضم معظم مناطق إنتاج الصمغ العربي وإستهلاكه التقليدي ، مما يُرسّخ توجهاً نحو بناء منظومة بحثية وسياساتية تخدم هذه الدول تحديداً وتُعزّز قدرتها التفاوضية في الأسواق الدولية.
أما إختيار دار كامبريدج سكولارز المرموقة تحديداً للنشر فيُضيف إلى هذا الإنجاز طبقة رمزية لا تخفى على المتابعين ؛ إذ تُعدّ هذه الدار من أصرم المؤسسات الأكاديمية البريطانية في معايير القبول والتحكيم العلمي ، وقبولها لهذا الكتاب يعني ضمنياً أن ما يحويه من مادة علمية إجتاز عتبات نقدية صارمة قبل أن يصل إلى القارئ . وهذا بحد ذاته رسالة واضحة إلى المجتمع الأكاديمي الدولي مفادها أن الصمغ العربي بات موضوعاً علمياً جديراً بالاهتمام ، لا مجرد فضول إستشراقي أو توثيق للموروث الشعبي .
في المحصلة يأتي هذا الكتاب في توقيت يشهد فيه العالم إهتماماً متصاعداً بالطب التكميلي والمنتجات الطبيعية في مواجهة تصاعد تكاليف الرعاية الصحية التقليدية وظهور مقاومة المضادات الحيوية وتنامي الوعي المجتمعي بمخاطر الكيمياء الصناعية . في هذا السياق، يُقدّم الكتاب الصمغ العربي لا بوصفه بديلاً عاطفياً مشحوناً بحنين للماضي ، بل كمادة فاعلة تستحق موقعها في خارطة الطب الحديث، مدعومةً بالدليل والمنهج والتوثيق العلمي الذي طالما كان غائباً عنها ..
ونوه المؤلف الشركات التي تعمل في مجال الاصماغ واستخداماتها في التغذية العلاجية وتمتلك افادات للمستهلكين عليها التواصل التواصل معه لمناقشة امكانية اضافة منتجاتها كدليل لفائدة الجميع.