الرئيسية / أخبار / فن التعايش المحبة والسلام..بقلم د. منى الروبي
د. منى الروبي
د. منى الروبي

فن التعايش المحبة والسلام..بقلم د. منى الروبي

في عالمٍ تتسارع فيه الصراعات وتتعقد التحديات الإنسانية، يبرز فن التعايش والتسامح والسلام بوصفه ضرورة وجودية لا خياراً فكرياً، ومن هنا تتجلى التجربة البحرينية كنموذج إنساني راسخ، استطاع أن يحوّل هذه القيم إلى واقعٍ حيّ وممارسة يومية. لقد جاء اعتماد الأمم المتحدة ليوم 28 يناير يوماً دولياً للتعايش السلمي، بناءً على مبادرة بحرينية، تتويجاً لمسيرة طويلة من الإيمان العميق بأن الإنسان خُلق ليعمّر الأرض بالمحبة لا بالفرقة، وبالحوار لا بالإقصاء.

تنطلق هذه الرؤية من حكمة جلالة الملك المعظم الملك حمد بن عيسى آل خليفة، الذي جعل من السلام خياراً استراتيجياً للدولة، ومن التسامح منهجاً للحُكم، مستلهماً القيم الإسلامية الأصيلة التي تؤكد أن الاختلاف سنة كونية، كما جاء في قوله تعالى: (وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم)، لقد أدركت البحرين باكراً أن التعايش ليس شعاراً سياسياً، بل ثقافة تُغرس في الوعي الجمعي، وسلوكاً يُمارس في الحياة اليومية، ومظلة تحمي الجميع دون تمييز.

وتجسّد مملكة البحرين هذا الفهم في نسيجها المجتمعي الفريد، حيث تتجاور دور العبادة، وتلتقي الثقافات، وتعيش الأديان المختلفة في انسجام قلّ نظيره، تأكيداً لقوله تعالى: لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي. ومن هذا الواقع العملي انطلقت مبادرة مركز الملك حمد العالمي للتعايش والتسامح، ليكون منصة فكرية وإنسانية تنشر ثقافة الحوار، وتؤمن بأن الكلمة الطيبة قادرة على هدم جدران الكراهية وبناء جسور الثقة بين الشعوب.

وقد جاء هذا الإنجاز العالمي ثمرة تعاون وطني صادق، قاده المركز بالتنسيق مع وزارة الخارجية، وحظي بدعم دولي واسع وإجماع أممي، ما يعكس ثقة المجتمع الدولي في الرسالة الإنسانية التي تحملها البحرين إلى العالم. إن اعتماد هذا اليوم الدولي، الذي سيبدأ الاحتفاء العالمي به عام 2026، ليس مجرد مناسبة رمزية، بل دعوة مفتوحة لتجديد العهد مع السلام في زمن الأزمات، وتأكيد أن الأمن والتنمية المستدامة لا يمكن أن يتحققا دون تسامح حقيقي وتعايش عادل.

وهكذا تقدم البحرين نموذجاً عملياً يؤكد أن السلام ليس حلماً مثالياً، بل مشروعاً إنسانياً قابلاً للتحقق، حين تقوده رؤية مستنيرة، وتدعمه إرادة سياسية، ويحتضنه شعب يؤمن بقوله تعالى: (ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم).