تقرير البحرين/ المنامة بثّ تلفزيون البحرين في منتصف الأسبوع الماضي حلقة استثنائية من برنامج (كلمة أخيرة) للإعلامية الأستاذة سوسن الشاعر، تناولت فيها تداعيات الأحداث الإقليمية على البحرين وما يتصل بها من قيم الولاء والانتماء، لم تكن الحلقة حديثاً عادياً يمر كما تمر البرامج، بل كانت لحظة تلقّاها المشاهد بقلب مفتوح، وأحسّ فيها أن ثمة صوتاً يُعبّر عمّا يجول في داخله بصدق لا تصنّع فيه، إذ حققت الحلقة مشاهدة عالية جداً وتفاعلاً واسعاً على منصات التواصل الاجتماعي، غير أن الأثر الحقيقي كان أعمق من أن يُقاس بأرقام.
الأستاذة سوسن الشاعر لم تأتِ بأدوات الخطيب ولا بلغة الإعلامي المحترف وحسب، بل جاءت بشيء أندر من ذلك كله: جاءت بخبرتها الطويلة المتراكمة وبصيرتها المعرفية والفكرية التي مكّنتها من أن تلمس عصب المشاعر الجماعية في لحظة دقيقة، وقد جاء حديثها من القلب للقلب على نهج الكلمات السامية التي يوجّهها جلالة الملك المعظم لشعبه في المحطات المفصلية، تلك الكلمات التي طالما أحسّ فيها البحريني أن قيادته تعرفه وتفهمه وتشاركه ما يجول في نفسه، وهذا بالضبط ما فعلته سوسن حين ربطت بين ما يشعر به الفرد في بيته وما تمرّ به البلاد في محيطها، وجعلت من الشاشة جسراً بين وجدان الناس ووجدانها هي، وهذه مهارة لا تُكتسب بالتدريب وحده، بل بسنوات من الاحتكاك بهموم الناس وفهم طبيعة المجتمع الذي تعيش فيه وتكتب له.
تمحور حديث الاخت الفضلى سوسن الشاعر حول محور جوهري مهم للغاية هو أن البحرين مهما اشتدت عليها الأعاصير، تبقى عزيزة كبيرة عظيمة، وأن تلاحم أبنائها حول قيادتهم الرشيدة هو أجمل صور الوحدة الوطنية وأكثرها رسوخاً، وقد جاء هذا الكلام في سياق الإشادة بما أبدته القوات المسلحة البحرينية بكل تشكيلاتها من كفاءة وحنكة في التصدي للهجمات الإيرانية الغاشمة، وهي كفاءة لم تنشأ من فراغ، بل هي ثمرة رعاية قيادية متواصلة وبناء ممنهج أشرف عليه حضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة ملك البلاد المعظم، وصاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن حمد آل خليفة ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، فأخرجا للوطن قوة مسلحة تليق بتطلعاته وتحفظ أمنه وكرامته.
ما يجعل هذه الحلقة تستحق الوقوف عندها والتأمل فيها هو أنها جاءت في لحظة يحتاج فيها المواطن ليس إلى معلومة بل إلى طمأنينة، ليس إلى تحليل بارد بل إلى دفء ينبع من اليقين، وهذا بالضبط ما وفّرته (أم بسام) رعاها الله حين تحدثت عن أيادي الأمهات البحرينيات المرفوعة إلى السماء بالدعاء باعتبارهن أعظم أسباب الثبات والطمأنينة، وهي صورة بسيطة في مبناها غنية في معناها، تُعبّر عن طاقة روحية جماعية تعمل في صمت، وتُسهم في تماسك المجتمع بطريقة لا تظهر في الإحصاءات ولا تُرصد في التقارير.
ثمة بُعد آخر لا يمكن إغفاله في تقييم هذه الحلقة، وهو بُعدها النفسي والاجتماعي في سياق ما بعد الأزمة، فمن المعروف أن الشعوب التي تمر بلحظات صعبة تحتاج إلى ما يُعيد ترتيب وجدانها الجماعي، ويعالج ما خلّفته تلك اللحظات من قلق وخوف وارتباك، وقد عملت الحلقة على هذا المستوى بصورة فاعلة، إذ أسهمت في معالجة الصدمة الجماعية بإعادة الثقة بالنفس وبالوطن، وحصّنت المتلقي ضد الشائعات والخطاب السلبي الذي تبثه بعض القنوات المغرضة، ووثّقت وقائع وحقائق يحتاج إلى معرفتها، من لم يعش التفاصيل أو لم يبلغه ما جرى على حقيقته، وفي هذا الإطار يمكن وصف ما قدمته سوسن الشاعر بأنه نموذج ناضج للتوجيه المعنوي الوطني الذي تحتاجه المجتمعات في أوقات الاختبار، خاصة والإعلام البحريني يمتلك كل الأدوات التي تترجم هذه التوجهات.
كانت الأستاذة سوسن موفقة كذلك في التوازن بين الصدق والتفاؤل، فهي لم تُجمّل ما حدث ولم تتجاهل حجم الأثر، لكنها أكدت أن ما انكسر بسبب العدوان سيُصلح وأن البحرينيين قادرون على أن يبنوا ما تضرر بصورة أفضل وأجمل، مستندةً في تفاؤلها إلى تجارب مرّت بها البحرين وتجاوزتها، وهو تفاؤل مؤسَّس على الذاكرة التاريخية لا على الأمنيات الفارغة.
ولا بد في نهاية هذا التأمل من القول بوضوح إن هذا النوع من البرامج يستحق أن يكون حاضراً بصورة منتظمة على شاشة (تلفزيون البحرين)، وأن يُعاد بثه أكثر من مرة أسبوعياً ليبلغ أكبر شريحة من المواطنين والمقيمين الذين يتشاركون هذا الوطن ويعيشون أحداثه، والمسؤولون في البحرين مدعوون إلى إدراك أن الأمن النفسي الاجتماعي للمجتمع ليس رفاهية، بل هو ركيزة من ركائز الاستقرار الوطني لا تقل أهمية عن سائر الركائز المادية والاقتصادية، وختمت سوسن الشاعر حلقتها بعبارة “ودمتم في نعمة البحرين”، وفي هذه الكلمات القليلة تكثيف لكل ما أرادت إيصاله: أن البحرين نعمة تستحق الشكر والحفاظ، وأن الوفاء لها ولقيادتها شرف يتوارثه الأبناء ويصون به الأجيال القادمة هويتها وانتماءها.
*رئيس التحرير